محافظات الجزيرة السورية… من التهميش إلى بداية التنمية والاستثمارات  


دمشق – “القدس العربي”: اتفقت أوساط نيابية وأكاديمية وإعلامية سورية في تصريحات خاصة لـ”القدس العربي” على تبدل طرأ تجاه تعاطي الحكومة السورية مع محافظات الجزيرة الثلاث، دير الزور والرقة والحسكة، ما ترجم بمجموعة من مشاريع خدمية خاصة بالبنية التحتية أو تأمين الخدمات الصحية، وتوجيه استثمارات نحو المنطقة، ما دفع بحالة من الرضا من الشارع وخفف من مطالبه التي تم التعبير عنها بأكثر من وقفة احتجاجية، وخصوصاً بعد حادث السير المفجع الشهر الماضي والذي أدى إلى وفاة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين.

مشاريع تنموية

وساهم الحادث برفع مطالب المحافظات الزراعية الثلاث، عالياً، على خلفية تهميش امتد لعقود من عهد النظام السابق، حولت الجزيرة السورية من سلة غذاء الدولة، ومصدرها الرئيس للطاقة الأحفورية والمائية، إلى منطقة نامية اختفت منها معظم الخدمات المدينية، ودمرت الحرب التي دامت لنحو 14 عاماً ما تبقى من بنية تحتية متهالكة فيها.

محافظات الجزيرة المنسية من الخطط التنموية للحكومة في دمشق، بدأت تعود تدريجياً إلى الواجهة مع توجهات الإدارة الجديدة

ووسط هذه الظروف، وبعيد عودة المحافظات الثلاث لسيطرة الحكومة على خلفية تنفيذ اتفاق الدمج الموقع عليه من الرئيس أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” مظلوم عبدي، تعرضت محافظتا الرقة ودير الزور لطوفان غير مسبوق منذ عقود، لنهر الفرات، حيث ارتفع مستوى المياه في سرير النهر من نحو 300 متر مكعب في الثانية على مدى سنوات من الجفاف، إلى ما يزيد عن 2000 متر مكعب في الثانية، تدفقت من تركيا بسبب الموسم المطري الجيد، ما أدى إلى غرق مساحات من الأراضي الزراعية وتوقف محطات لضخ المياه نتيجة غمرها.

ومحافظات الجزيرة المنسية من الخطط التنموية للحكومة في دمشق، بدأت تعود تدريجياً إلى الواجهة مع توجهات الإدارة الجديدة، حيث زارها الرئيس الشرع نهاية أيار/ مايو على خلفية طوفان نهر الفرات، وحينها وجه الوفد الوزاري المرافق له بالإسراع بتحديد مخصصات لدعم التنمية.

والدفعة الثانية من الدعم جاءت من على لسان الشرع أيضاً في خطاب مقتضب ألقاه عبر خاصية الفيديو على هامش الاحتفال بإعادة تشغيل مطار دير الزور الدولي.

وبعد توقف قسري دام نحو 14 عاماً، استقبل مطار دير الزور، في الخامس من الشهر الجاري، أول رحلة داخلية قادمة من مطار دمشق الدولي، وأول رحلة دولية قادمة من الكويت عبر الخطوط الجوية السورية.

وفي كلمته، قال الشرع إن المطار “تحول من مكان كانت تنطلق منه القنابل التي تستهدف الدور والمساكن والمزارع، إلى صلة وصل بين الداخل السوري والعالم الخارجي”، موضحاً أن حكومته تعد خططاً تنموية تشمل دير الزور والحسكة والرقة، لدعم التنمية في المنطقة، ومنها مشروع لإنشاء مدينة صناعية كبرى في دير الزور، تضم صناعات غذائية وبتروكيميائية.

حسب التقارير الرسمية، فإن المستشفى سيتسع لـ230 سريراً وسيقدم العلاج الكيميائي والشعاعي والتصوير الطبقي والعناية المشددة وزرع نقي العظام لمرضى الأورام والدم

وذكر الشرع أنه تم اعتماد ميزانية لإنشاء مستشفى متخصص بأمراض السرطان في دير الزور، بكلفة تقديرية تبلغ نحو 21 مليون دولار، مؤكداً أن تنفيذ مشروع الطريق الدولي بين دمشق ودير الزور سيبدأ قريباً بعد استكمال الدراسات الفنية، بكلفة تتراوح بين 275 و300 مليون دولار.

وحسب التقارير الرسمية، فإن المستشفى سيتسع لـ230 سريراً وسيقدم العلاج الكيميائي والشعاعي والتصوير الطبقي والعناية المشددة وزرع نقي العظام لمرضى الأورام والدم.

كما تم الإعلان عن تخصيص 10 ملايين دولار لترميم المستشفى الوطني وتأهيل عدة مستشفيات أخرى في محافظة الرقة، والأسبوع الماضي تم تخصيص مليون دولار لدعم مستشفى تدمر الوطني وتطوير خدماته الصحية، بالتزامن مع افتتاح قسم غسيل الكلى الذي بدأ باستقبال المرضى.

وشهدت المحافظات الشرقية السورية حراكاً شعبياً خلال الفترة الماضية للمطالبة بتوفير الخدمات في تلك المناطق وتنديداً بما وصفوه بالتهميش الذي تتعرض له المنطقة الشرقية.

وأوضح الصحافي المقيم في دير الزور، بديع بطاح، في تصريح لـ”القدس العربي”، أن الأحوال تبدلت بالتأكيد هذه الأيام، وأصوات أهالي الجزيرة باتت مسموعة، إلى حدّ ما، وطلباتهم يتم التجاوب معها بقدر الاستطاعة، وبما هدأ من غليان الشارع، الذي كان قد انفجر خصوصاً بعد الحادث المروري على الطريق بين دير الزور ودمشق في 25 تموز/ يوليو الماضي وأدى إلى وفاة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين.

وتابع: “العديد من شوارع دير الزور جرى تزفيتها، والأعمال متواصلة بهمة عالية لترميم جسر السياسة الذي كان قد دمره طيران التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، مشروع الترميم سيحتاج إلى عام كامل لإنجازه، لكن وتائر العمل المتسارعة خفضت الفترة إلى أقل من عشرة أشهر”.

شهدت المحافظات الشرقية السورية حراكاً شعبياً خلال الفترة الماضية للمطالبة بتوفير الخدمات في تلك المناطق وتنديداً بما وصفوه بالتهميش الذي تتعرض له المنطقة الشرقية

ووفق بطاح، المحافظة تشعر بنوع من الانفراج بعد إطلاق عمليات تخديمها صحياً، حيث قام وزير الصحة، مصعب العلي، الثلاثاء، وعلى هامش زيارته للمحافظة، بوضع حجر الأساس لمشروع مستشفى الأورام، الذي أعلن عنه الرئيس الشرع، كما تم افتتاح قسم للأطراف الصناعية وآخر للقسطرة القلبية في مشفى دير الزور الوطني، إلى جانب افتتاح قسمي عناية الأطفال وسوء التغذية في مشفى الشهيد أحمد الهويدي.

وقال بطاح: “كامل منطقة الجزيرة بمحافظاتها الثلاث ولعقود، كانت تفتقد لمثل هذه الأنواع من الاستشفاء، وكنا نضطر للتوجه إلى العاصمة مع مرافق أو أكثر، لتلقي العلاج أو إجراء عملية جراحية، ما كان يراكم على المريض ملايين عدة إضافية كأجور إقامة له ولمرافقيه، إلى جانب أجور العمل الجراحي، ولا ننسى أن بقاء هذه المحافظات خارج سيطرة الدولة لسنوات، دفع إلى ارتفاع عدد المصابين بالأمراض المزمنة الذين كانوا يتجنبون التوجه إلى دمشق خوفاً من الاعتقال على مواقفهم المعارضة”.

استثمارات خارجية

وإلى جانب المخصصات المحلية الطارئة والإسعافية، تحركت الحكومة باتجاه جذب استثمارات خارجية للجزيرة، فجرى، الإثنين الماضي، توقيع وزارة الزراعة مذكرتي تفاهم، الأولى مع شركة “أمريكان سويس” لإقامة شراكة استثمارية تهدف إلى تطوير قطاع الثروة الحيوانية باستثمارات تقديرية تصل إلى 7 مليارات دولار عبر إعادة تأهيل محطات تربية الأبقار وإنشاء مصانع لإنتاج الألبان وحليب الأطفال ومسالخ حديثة مع استهداف معالجة نحو 3 ملايين لتر من الحليب يومياً وتوفير نحو 7,500 فرصة عمل مباشرة وأكثر من 20 ألف فرصة عمل غير مباشرة.

والمذكرة الثانية تم التوقيع عليها مع “الشركة المتحدة للأعلاف” السعودية لدراسة إنشاء مزارع ومحاصيل علفية في المنطقة الشرقية على مساحة قد تصل إلى 30 ألف هكتار، وربطها بمعمل تصل طاقته إلى 300 ألف طن سنوياً.

عبر الصحافي بطاح عن تفاؤله من أخبار المشاريع الاستثمارية التي أُعلن عنها، مشيراً إلى أن بعضها قد يحتاج إلى سنة أو اثنتين ليدخل حيز التنفيذ

وعبر الصحافي بطاح عن تفاؤله من أخبار المشاريع الاستثمارية التي أُعلن عنها، مشيراً إلى أن بعضها قد يحتاج إلى سنة أو اثنتين ليدخل حيز التنفيذ لكنها في النهاية هي مفاتيح فرج للفئات المسحوقة من سكان المحافظات الثلاث، وهي ستكون رافعة للأوضاع في المنطقة، حالها كحال مشاريع النفط والغاز التي بدأت تعود للعمل عبر عقود مع شركات أمريكية إن في دير الزور أو في الحسكة، وهذه ستؤمن الآلاف من فرص العمل لأبناء المنطقة.

كما أكد أن عودة مطار دير الزور للعمل شكلت نفراجة مهمة، وخصوصاً للمرضى ممن لا يتحملون عناء السفر براً لأكثر من 6 ساعات إلى دمشق، أما اليوم فباتت نحو نصف ساعة طيران فقط، وبكلفة 50 دولاراً، وهي تسعيرة مقبولة.

ورأى بطاح أن من أبرز الإشكالات المتبقية تكمن في تراجع حجم السيولة بالليرة السورية الجديدة على خلفية عمليات الاستبدال المتواصلة، بحيث إن شركة “شام كاش” مثلاً سلمت رواتب الموظفين في جانب منها بالدولار بدلاً من الليرة، لعدم توفر الأخيرة، مؤكداً أن قرار تمديد استبدال العملة في فروع المصرف المركزي ومراكز البريد على مستوى البلاد حتى خمس سنوات، بدلاً من حصرها في دمشق، أنهى حالة الاحتقان والضغط التي عاشها أهالي محافظات الجزيرة الثلاث عموماً خلال الأيام الماضية خوفاً من فقدان مدخراتهم، إذ كان آخر موعد للتبديل هو في الـ20 من آب/ أغسطس الجاري، ومع إلغاء هذا القرار، تراجع الاحتقان كثيراً.

“تجمع الفرات والجزيرة الاجتماعي”

وبهدف الدفاع عن مصالح المنطقة وأهلها، أطلق ثلاثة باحثين، هم حسين مرهج عماش وأسامة آغي ومرعي رمضان، ما سموه بمشروع “تجمع الفرات والجزيرة الاجتماعي” كإطار وطني للمعرفة والشراكة والتنمية في المنطقة الشرقية.

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، قال العماش إن التجمّع هو إطار مدني وطني مستقل، ينطلق من أبناء المنطقة الشرقية والجزيرة السورية، ويسعى إلى جمع كفاءاتها وخبراتها في مساحة مؤسسية مشتركة تُسهم في دراسة قضايا دير الزور والرقة والحسكة، وبلورة أولوياتها، واقتراح الحلول والسياسات التي تدعم تعافيها وتنميتها ضمن رؤية وطنية تخدم الدولة السورية ووحدتها واستقرارها.

وأكد أن التجمع لا يقدّم نفسه ممثلاً حصرياً لأبناء المنطقة، ولا بديلاً عن مؤسسات الدولة أو الجامعات أو النقابات أو منظمات المجتمع المدني، كما لا يسعى إلى ممارسة العمل السياسي أو إنشاء إطار سياسي أو مناطقي موازٍ، وإنما يعمل على بناء مساحة مستقلة ومنظمة تجمع المعرفة والخبرة والمبادرة، وتساعد على وصل احتياجات المجتمع وإمكانات المنطقة بمسارات التخطيط والسياسات والتنمية.

التجمع لا يقدّم نفسه ممثلاً حصرياً لأبناء المنطقة، ولا بديلاً عن مؤسسات الدولة أو الجامعات أو النقابات أو منظمات المجتمع المدني

وتابع: “إن التصور المؤسسي للتجمع يقوم على مبدأ واضح وهو الشراكة مع الدولة ودعم قدرتها، لا الحلول محلها، مع تأكيد في اعتبارها واحدة من مؤسسات المجتمع المدني، وسنعمل لاحقاً للحصول على التراخيص المطلوبة، مع الإشارة إلى أن عدد المهتمين بالمشروع ممن اتصلوا بنا وصل إلى المئة تقريباً، وأبدى البعض استعداده للتمويل.

وشدد على أن المنطقة الشرقية والجزيرة لا تحتاج إلى مزيد من الخطاب بقدر حاجتها إلى عمل مؤسسي يجمع كفاءاتها، ويفهم واقعها، ويحدد أولوياتها، ويسهم في بناء حلول لمستقبلها، وغايتنا ليست بناء مؤسسة تتحدث باسم المنطقة، بل بناء مؤسسة تعمل من أجلها، وتساعدها على أن تكون شريكاً فاعلاً في بناء مستقبل الدولة السورية.

الدمج في الرقة انتهى

عضو مجلس الشعب من مدينة الطبقة في محافظة الرقة، عبد الله المجيد، اعتبر أن عجلة التنمية في المنطقة الشرقية قد انطلقت، والأمور تتجه نحو التحسن، وإن كانت لا تلبي مطالب الأهالي كلياً.

وقال لـ”القدس العربي” إن مياه الشرب مثلاً غير مؤمنة لبعض الأحياء في مدينتا، حيث تتواجد بحيرة سد الفرات، ما يضطر الأهالي في هذه الأحياء لشراء مياه الشرب بالصهاريج، بينما لا توجد هذه المشكلة في باقي الأحياء.

وقال، في المقابل، فإن مدينة الطبقة لا تعاني من مشاكل تقنين الكهرباء التي تأتينا على مدار الساعة من عنفات التوليد في سد الفرات، كما أن البنية التحتية في المدينة مقبولة وجيدة بما فيها المدارس، لكن الحالة ليست كذلك في ريف المحافظة، حيث تختلف الخدمات من قرية إلى أخرى، وقد تجد بعض الأخطاء الإدارية وذلك طبيعي في الإدارة الجديدة التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من الخبرة الإدارية.

بين المشاريع المنفذة حالياً في الطبقة استبدال شبكات مياه الشرب المهترئة والتي تعود إلى ثمانينات القرن الماضي

وبين أن من بين المشاريع المنفذة حالياً استبدال شبكات مياه الشرب المهترئة والتي تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، معتبراً أن خروج المظاهرات المطلبية بهذه الكثافة يدل في جانب منه إلى حالة سلبية وفوضى غير مبررة، باعتبار أن الدولة لا تمتلك أي عصا سحرية، ولا بد من الصبر قليلاً والأمور إلى تحسن بالتأكيد.

وأكد المجيد أن المرحلة الانتقالية التي تلت فترة استلام الدولة للمؤسسات التي كانت تعمل تحت سلطة “قسد” والإدارة الذاتية، انتهت، وتمت عمليات دمج جميع الموظفين وبدأ هؤلاء يتقاضون رواتبهم من الحكومة السورية بعد انقطاع لفترة محدودة ما دفع حينها إلى أزمة سيولة بيد المواطنين.

وختم بالقول: “إن الأمور لا يمكن وصفها بالمثالية، لكنها عموماً مقبولة، وربما جيدة”.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *