مجموعة «مجتمع الغرقى» … تمثيلات العطب ودوائر الخوف


لا يمكن تجاوز فكرة أن الواقع سيبقى المرجعية الأكثر حضوراً في تشكيل النص، ولا يمكن إلا أن نُقرّ بأن القصة القصيرة تُعدّ من أهم الفنون الأدبية التي تتصل بمحاولة تصوير الواقع بصورة مكثفة، وإشارية، غير أن المقاربة يجب ألا تنزع إلى التجسيد المباشر، إنما يجب أن تستهدف عوامل تشكيل الواقع المشوّه، وما ينتج عنه من تداعيات تشمل الإنسان والمكان والزمن، فتتخذ أبعاداً أعمق، ولاسيما في تمثيل الصدمة، وهي إحدى المقاربات التي نشطت في الآونة الأخيرة، بدءاً من تلك المرجعيات التي صاغها كلٌّ من كاثي كارث ودومينيك لاكابرا، من ناحية تمثيل الوعي الجمعي الذي تصدع عالمه، ولم يعد بمقدوره تجاوز هذا العطب الذي استقر في الداخل، ويحتاج إلى زمن حتى يتعافى من تداعيات تلك الأحداث.

مجتمعات الصدمة
في السياق السابق نُحيل إلى مجموعة قصصية صدرت حديثاً عن دار جدل سنة 2025 للكاتبة الفلسطينية السورية وسام الخطيب، حيث تتميز هذه المجموعة بذلك العنوان الذي يلفت الانتباه لِما يكمن فيه من تأسيس ينهض على قراءة تكوينين؛ فحين نضع كلمة «مجتمع» بوصفها حالة، فإنها تُحيل إلى تلك التكوينات التي ربما تتعلق بمفهوم الأمة والدولة، غير أن كلمة «مجتمع» أقرب إلى ذلك الفهم الذي يتصل بالتكوينات المدنية التي تحمل في بنيتها شيئاً من الماضي والأحلام وفهم الحياة، ومعنى المشترك الجمعي، وهذا ما يُقرّبنا إلى حدٍّ ما من الذوات المكوِّنة للمجتمع، أي الإنسان. فكلمة «مجتمع» تكتنفها مقولات تتصل بالثقافة التي تتشكّل بدافع الانسجام بين المكونات، وهذا ما يُضفي عليها نوعاً من الخصوصية. غير أن هذا المجتمع، بدافع العطب الذي أصابه، قد يصبح أقرب إلى مجتمع متآكل، ومن هنا، فإن كلمة «الغرقى» إذا قُرئت في سياقها فإنها تُحيل إلى الذوات الفردية، بحيث يكون الغرق هو الرؤية التي تسكن تلك الذوات، والتي تتشكّل في مجموعها مقولة المجتمع.

إن تكوينات الصدمة وفق تنظيرات كارث ولاكابرا، تتعلق بمحاولة فهم حدث صادم كالحروب والكوارث وغيرها، غير أنها تظهر لاحقاً على شكل تجليات ذات أبعاد نفسية. ومن هنا فإن القيمة التي تتحقق في نصوص وسام الخطيب تنهض على مركزية واضحة، ألا وهي بيان مقدار الانفصال عن العالم الذي تعيشه الذات، بالتوازي مع بروز مفردات ثقافية تُحيل إلى محاولات توصيف الواقع الذي أنتج هذه النتائج، غير أن المشكلة تكمن في محاولة استعادة الذات إلى ما قبل الفعل الصادم، ومن هنا يبرز التحدي في هذه المجموعة التي تُحيلنا إلى أجواء ما شهدته سوريا من أحداث اتخذت بُعداً تراكمياً على مستوى الزمن، وإنتاج الضحايا. لكن القيمة الأكبر تكمن في ذلك التشوه الثقافي الذي يسكن المجتمع، بأفراده، سواء أكان ذلك لمن بقي في الوطن، أم لمن هاجر أو تشتت؛ فالذاكرة مسكونة بفيض الضحايا وذكريات اللجوء والشتات، ومحاولة بناء مجتمعات في أوطان المهجر. وكل هذا أفضى إلى تشكيلات حاولت الكاتبة وسام الخطيب أن تصوغها في مجموعتها.

خارج الطبيعي
إن صورة الضحية ستبقى كامنة في وعي الجلاد الذي قد يتعالى في تكوينه، ويعتقد أنه تمكّن من تجاوز الإحساس بالذنب. ومن هنا فإن قصة «بنات ميدوسا» تنهض على ذلك الرسم للبطل في وعي مجموعة، في حين يبدو في وعي مجموعة أخرى جلاداً. وهكذا نرى أن كلا التكوينين يُحيل إلى مجتمع واحد تشظّت رؤاه تجاه موضوع واحد. ففي هذه القصة التي تُبنى على سرد يعتمد ضمير الغائب، نرى تشكيلاً ينهض على محاولة بناء هذه الشخصية عبر سرد يتتبعها منذ لحظة الطفولة حتى ما آلت إليه بوصفها قائداً عسكرياً لا يعرف الخوف وقد نال الكثير من الأوسمة. وفي خضم محاولة تتبع هذا التعالي، تبقى صورة الضحية كامنة، أو ما تسميه الكاتبة «نظرة الأشباح». وكل هذا نتيجة النظرة الأخيرة للضحية لقاتلها بالإحالة إلى القصة الأسطورية. وهنا نرى أن المجموعة تنطلق من هذا التكوين لرسم صورة الضحية بوصفها جزءاً من خطابات أدب الصدمة؛ فنظرة الضحية هزمت هذا القائد، وجعلته نزيلاً في أحد مشافي الأمراض العقلية، إلى أن انتهى به المطاف ميتاً قرب سلة المهملات، في نهاية تتسق مع المقدمات المنطقية.
وفي قصة أخرى لا تغادر وعي الحرب بعنوان «سرير الحرب»، ولاسيما المدينة المليئة بالجثث، وأصوات المدافع؛ فلا مكان آمنا، ولا سبيل إلى ممارسة الحياة بصورتها الطبيعية، فمعظم الشخصيات تعاني من تداعيات نفسية عميقة، وهذا ما يجعلنا نؤكد ما أشرنا إليه، من أن هذه المجموعة تسعى إلى تكريس نسق قائم على العطب النفسي. ومن هنا يتضح كيف تظهر الكوابيس والأحلام في عدد كبير من قصص هذه المجموعة، بوصفها نوعاً من أنواع التمثيلات الخاصة بأدب الصدمة.
ولعل حلم حَمْل المرأة في هذه القصة يأتي بوصفه بُعداً رمزياً يُحيل إلى ولادة واقع جديد، غير أن هذا الواقع جاء مشوهاً، في حالة تمزج بين الواقعي والغرائبي، لنخلص إلى ولادة تعكس التشوّه الناتج عن الأسلحة الكيميائية؛ فهذا الطفل التهم كل شيء، والتهم زوجها أو أباه، وكأننا أصبحنا نقترب من الوطن الذي يأكله ذاته، وعلى الرغم من بعض الملاحظات المتعلقة بالاستطراد في بعض القصص، ومنها هذه القصة، فإن نهايتها تبدو موفقة إلى حد ما؛ حيث الجميع يبحث عن هذا الطفل الذي يرمز ربما إلى الوطن، أو إلى المستقبل.
فعلى الرغم من أن بعض القصص المحدودة قد تميل إلى نهايات متعجّلة، غير أنها قادرة على حمل المتلقي على التشبث بمحاولة قراءة الوقائع، واستجلاء ما ينطوي عليه من إحالات دلالية.
إن التشبث بالوطن، أو الرغبة بهجره، بعد أن طال التدميرُ والخرابُ كل شيء، يبدو جزءاً من رؤية هذه القصص، إذ يتقاطع فيها الحلم مع الواقع، كما في قصة «الصورة تموت وحيدة». فالقصة على ما يبدو تعالج محاولة تثبيت الجريمة والبحث عمّا يكمن في المكان، من أثر ومشاعر وحيوات وذكريات؛ إذ تمثّل الذاكرة جزءاً أساسياً من تكوين أدب الصدمة. ولعل البحث عمّا يتعلق بذكريات الراحلين أو الغائبين، أحياءً كانوا أم أمواتاً، يشكّل جزءاً من تكوين هذا المجتمع الذي يسعى إلى تفهّم الأسباب، التي أفضت إلى ما آل إليه. إن الصورة هي ذلك الأثر الباقي، وهي إحالة إلى التعلق العاطفي والنفسي بالمكان؛ فالمرأة التي تظهر في القصة كانت جزءاً من محاولة ترميم الذاكرة، فلا جرم أن تُنعت في القصة بـ«حارسة الذكريات الأبدية».

إن التشبث بالوطن، أو الرغبة بهجره، بعد أن طال التدميرُ والخرابُ كل شيء، يبدو جزءاً من رؤية هذه القصص، إذ يتقاطع فيها الحلم مع الواقع، كما في قصة «الصورة تموت وحيدة».

تمثّل الشخصيات النسائية في القصص جزءاً من الرؤية العامة، كما في القصة التي تتناول امرأة تحترف حفر القبور، وهي مهنة تبدو منافية لطبيعة المرأة وتركيبتها الجسدية والنفسية، كما في قصة «حكمة الغراب»، ولا يكاد يخفى على القارئ ذلك البُعد الديني الواضح أو المرجعية المتعلقة بثنائية الغراب والموت، حين يقتل الأخُ أخاه، ويحار في كيفية التخلص من جثته. إن المرأة هنا، بوصفها مانحة الحياة، تبدو ها هنا منشغلة بتأكيد الموت، وهنا تكمن المفارقة التي تُحسن الكاتبة توظيفها في هذه القصة، إذ يتخذ البحث جزءاً من الرؤية العامة للقصص بصورة عامة؛ فثمة دائماً ذلك البحث عن شيء ما: الآثار، القصص، الموتى، الصور، الطفل، وغير ذلك. لقد أصبح الموت جزءاً من يوميات الحياة، حتى إنه بدأ يحمل أبعاداً اقتصادية يمكن الاستثمار فيها. فالقصة تختبر معنى الموت في إطار جغرافي محدد، غير أنها سرعان ما تُحيلنا إلى جغرافيا اللاجئين بوصفهم طارئين إلى أن تمضي القصة إلى نهاية نكاد نلمح فيها شيئاً من البُعد النيتشوي، إذ تُذكّرنا بفكرة أنك حين تُطيل التحديق في الهاوية فإنها سرعان ما ستحدق فيك، كما في نهاية القصة: «اجلس على التلة العالية حيث أسكن، وأنظر أمامي إلى تلك الحفرة الكبيرة، الحفرة المظلمة التي جئت منها».

دوائر الخوف
إن قصة «مجتمع الغرقى» التي تتوسط هذه المجموعة، تُحيلنا إلى شكل من أشكال الموت المرتبط بالغرق، ربما في رحلات اللجوء والانتقال إلى عوالم أخرى، حاملةً في طياتها ما يكمن في تلك المجتمعات من بُعد مجازي للموت. وفيها تقود الكاتبة نصاً تقرأ فيه نقداً مبطناً لما يمكن أن يُوصف بالجنة أو «فردوس اللجوء». وعلى الرغم من قلق الحالة في قراءة التكوينات الرمزية، فإن مجتمعات اللجوء لا تشبهنا في تلك الجنة المزعومة، حيث يمارس الجميع نوعاً من العدائية، بالإضافة إلى تلك التحيزات والتصنيفات، غير أن ما يجمع بين هذه المجتمعات هو الاكتئاب بوصفه إحالة إلى واقع نتج عن فعل الصدمة. ومن هنا تتكاثر مقولات الحرب والقتل والدمار لتشكّل جزءاً من قيمة هذه المجموعة التي ترى أننا قد بتنا معطوبين. وما يؤكد ذلك، على سبيل المثال، قصة «أقبية معطرة» التي تنطلق من مفردة الخوف، إذ تصفه القصة بذلك الشعور الذي يشبه التعلق بين السماء والأرض. وتسعى القصة إلى بيان صورة قراءة الحياة في عوالم الآخرين، وهنا تبرز دلالة رائحة الخوف التي لا تريد أن تغادر، على الرغم من محاولة استثمار الروائح، ولا سيما تلك الناتجة عن الطهي وما يصاحبه من بهارات وغير ذلك. إن ارتباط الرائحة بالقتل والقذائف والانفجارات والموت يشكّل جزءاً من ذلك الالتصاق المرضي للحدث بالذاكرة؛ فالرائحة تمثّل هنا جزءاً من التكوين النفسي للذات، وهذا ما يجعل الشخصية تختبئ في نهاية القصة داخل خزائن المطبخ خوفاً من رائحة اللحم المشوي التي تتصل بذاكرة الخوف.

إن الخوف يعدّ جزءاً من تكوين الخطاب القصصي، كما في قصة «جوارب مضيئة»، وسائر القصص الأخرى التي تسعى إلى رسم ملامح ما يمكن أن نسمّيه «مجتمع الغرقى» وما يُفضي إليه من القضاء على الأحلام، تلك الأحلام الجميلة التي تحلّ محلها الكوابيس. ومن هنا نرى ظاهرة التكرار في المجموعة من ناحية تمثيل الأحلام، التي تُشكّل جزءاً كبيراً من مفردات أدب الصدمة بصورة عامة. وكذلك في قصة أخرى بعنوان «لوحة دائرية» التي تعالج فكرة الفوضى في بلاد الآخرين ومعنى قيم التكيّف والعودة إلى ما هو نمطي ومألوف، حتى إن اكتنفه الألم، مع الإشارة إلى أن الحرب قد طالت أيضاً الحيوانات بوصفها تمثيلاً متطرفاً لما ينتج عنها، كما في قصة «تناسخ»، حيث يتقاطع الإنسان مع الحيوان، ولاسيما الإنسان الذي اعتاد القتل بالأسلحة النارية، وأحال عالمه إلى خراب، في حين أن الحيوانات باتت تتخلى عن صغارها بداعي ويلات الحرب بحثاً عن وطن بديل في الغرب، كما يتضح في هذه القصة التي تعتمد أسلوب الاستعارة ما يؤهلها لأن تكتنز بالإحالات الرمزية اللامعة على مستوى الدلالة، من حيث نقد السلطة، والمجتمع، والإنسان بنزعته الحيوانية.

كاتب أردني فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *