مجلس الشعب السوري: الاختبار الحقيقي يبدأ الآن


ليس الأصعبُ على الثورات أن تنتصر، وإنما أن تعرف ماذا تفعل بعد الانتصار.
فالتاريخ يخبرنا أن إسقاط نظام سياسي، مهما بلغ تعقيده، يظل المهمة الأسهل مقارنةً بالمهمة التالية: بناء نظام جديد يمتلك القدرة على الاستمرار، وإنتاج الشرعية، وإدارة الاختلاف، وصناعة السياسات العامة. ولهذا، فإن معظم لحظات التعثر في تجارب الانتقال السياسي لم تكن نتيجة فشل الثورات في تحقيق أهدافها الأولى، بقدر ما كانت نتيجة عجزها عن تحويل الشرعية الثورية إلى شرعية مؤسسية مستقرة.
من هذه الزاوية، ينبغي قراءة انطلاق أعمال مجلس الشعب السوري الجديد.
فالمجلس ليس مجرد استحقاق دستوري، ولا هو مجرد قائمة أسماء قابلة للإعجاب أو الانتقاد، وإنما يمثل إحدى أولى المحطات الكبرى في انتقال سوريا من مرحلة التحرير إلى مرحلة بناء الدولة. ولذلك، فإن تقييم هذه الخطوة لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال التقليدي: من دخل المجلس؟ وإنما ينبغي أن يمتد إلى السؤال الأهم: ما الدور الذي يُنتظر من هذه المؤسسة أن تؤديه في إعادة تشكيل الدولة السورية؟
من الطبيعي أن يثير تشكيل المجلس نقاشاً واسعاً، وأن تتباين الآراء حول مستوى تمثيله أو تنوع خبراته أو معايير اختياره. بل إن وجود هذا النقاش، في حد ذاته، يمثل مؤشراً صحياً على عودة السياسة إلى المجال العام بعد عقودٍ طويلة من احتكارها. غير أن الخلط بين تقييم تشكيل المؤسسة والطعن في ضرورتها يظل واحداً من أكثر الأخطاء شيوعاً في المجتمعات الخارجة من المراحل الانتقالية. فالمؤسسات لا تُبنى لأنها بدأت كاملة، وإنما لأنها تمتلك القدرة على التطور والتصحيح والتراكم.
وفي هذا السياق، قد يذهب كثيرون إلى أن سوريا كانت تمتلك من الكفاءات والخبرات الوطنية ما كان يسمح بتشكيل مجلس أكثر تنوعاً، وأوسع تمثيلاً لبعض الاختصاصات التي ستحتاجها الدولة خلال السنوات المقبلة. وهذا تقدير سياسي مشروع، لا ينتقص من شرعية المجلس، ولا يصادر حق أعضائه في النجاح، وإنما يعكس قناعة بأن اللحظات التأسيسية تستحق أعلى درجات الاستثمار في الخبرة والكفاءة، لأنها تضع الأسس التي ستبنى عليها المراحل اللاحقة.
لكن السياسة لا تتوقف عند تشخيص الواقع.
فالسياسة، في جوهرها، هي القدرة على إدارة الواقع بعد تشكله.
وبمجرد أن أصبح المجلس حقيقةً دستورية، انتقل السؤال من تقييم ما كان يمكن أن يكون، إلى التفكير فيما ينبغي أن يكون. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي، لا للمجلس وحده، وإنما للدولة السورية بأكملها.

أما النقاشات المتعلقة بالأسماء، فرغم مشروعيتها، فإنها ستتراجع مع مرور الزمن، بينما ستبقى آثار التشريعات، وجودة الرقابة، ومستوى الحوكمة

إن أدبيات بناء الدولة تكاد تجمع على أن البرلمانات الجديدة لا تُقاس فقط بجودة أعضائها، وإنما بجودة البيئة المؤسسية التي تعمل داخلها. فالبرلمان ليس مؤسسة تنتج القوانين من فراغ، بقدر كونه الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بإنتاج المعرفة، وتمر بتحليل البدائل، وصناعة السياسات، والحوار المجتمعي، ثم تنتهي بالنصوص التشريعية. ولذلك، فإن جودة التشريع ترتبط، في التجارب الناجحة، بجودة المعرفة التي تصل إلى البرلمان، أكثر مما ترتبط بجودة الخطابة السياسية أو حدة النقاشات تحت قبته.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مجلس شعب فاعل فحسب، وإنما إلى منظومة وطنية متكاملة لصناعة السياسات العامة، يصبح فيها المجلس التشريعي نقطة التقاء بين الخبرة الأكاديمية، والخبرة التنفيذية، واحتياجات المجتمع، والرؤية الاستراتيجية للدولة. فالدول التي نجحت في ترسيخ مؤسساتها لم تجعل البرلمان مجرد ساحة للصراع السياسي، وإنما حولته إلى منصة للحوار الوطني، وبناء التوافقات، واستثمار المعرفة في خدمة القرار العام.
ومن هنا، فإن أحد أكبر التحديات التي تواجه سوريا خلال السنوات المقبلة لن يكون في إصدار القوانين وحده، وإنما في بناء الثقافة الدستورية والمؤسسية التي تجعل تلك القوانين أكثر جودة، وأكثر قابلية للتنفيذ، وأكثر ارتباطاً بحاجات المجتمع. فالمؤسسات لا تكتسب قوتها من النصوص القانونية فقط، وإنما من الثقافة السياسية التي تحيط بها، ومن طبيعة العلاقة التي تربطها بالمجتمع، ومن قدرتها على التعلم المستمر.
وهذا يضع مسؤولية كبيرة لا على المجلس وحده، بل على الجامعات، والنقابات، ومراكز الدراسات، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص. فهذه جميعاً ليست مؤسسات تقف خارج العملية التشريعية، لأنها، في الحقيقة، تمثل، في التجارب الناجحة، البنية المعرفية التي تغذيها. وكلما ازداد تدفق الأفكار، والبيانات، والبحوث، وأوراق السياسات نحو المؤسسة التشريعية، ارتفعت جودة القرار العام، وتراجعت مساحة الارتجال والانفعال.
وفي المقابل، فإن من قبل أن يمثل الشعب السوري بعد التحرير، قبل أيضاً أن يخضع لمعيارٍ مختلف من المساءلة. فالشعوب التي دفعت أثماناً باهظة لاستعادة حريتها لا تكتفي بوجود المؤسسات، وإنما تطالبها بالأداء. ولن يكون كافياً أن يجلس النائب تحت قبة البرلمان؛ بل سيكون مطالباً بأن يثبت، عملياً، أنه على مستوى المسؤولية التي سعى إليها وقَبِل بحملها. فكل موقع عام يمنح صاحبه شرفاً، يمنحه في الوقت نفسه قدراً موازياً من المحاسبة، وهذه هي القاعدة التي تقوم عليها الحياة الدستورية في الدول الحديثة.
إن السؤال الذي سيطرحه التاريخ بعد سنوات لن يكون: من كان عضواً في المجلس؟ وإنما: هل استطاع هذا المجلس أن يضع سوريا على مسار مؤسسي أكثر رسوخاً مما كانت عليه قبل انعقاده؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد القيمة التاريخية لهذه التجربة.
أما النقاشات المتعلقة بالأسماء، فرغم مشروعيتها، فإنها ستتراجع مع مرور الزمن، بينما ستبقى آثار التشريعات، وجودة الرقابة، ومستوى الحوكمة، والتقاليد البرلمانية التي تُرسَّخ اليوم، هي ما سيصنع ذاكرة هذه المرحلة.
لقد نجح السوريون في إنجاز المهمة المستحيلة، وهي استعادة وطنهم.
أما المهمة الأصعب، والتي تبدأ الآن، فهي بناء الدولة التي تليق بذلك الوطن.
وهذا هو الفارق العميق بين التحرير والتدبير؛ فالأول يصنع لحظة الانتصار، أما الثاني فيصنع تاريخ الأمم.

٭ كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *