كما تعذّر على محبيه القبض عليه في حياته بحكم زهده في جمع نتاجه، تعذّر مُجدّداً بالرحيل القبض على الشاعر المفكّر محمد العلي الكائن الذي احترف الإنتاج فكراً وشعراً ونقداً وفلسفة، مؤثراً خلع عمامة رجل الدِّين، وارتداء عباءة الفلسفة، وراهن على وعي المجتمع وكسب الرهان. وليس غريباً أن يطلق عليه معرّي القرن الحادي والعشرين؛ بحكم ما تناول من قضايا وما ناقش من أفكار جريئة. وربما رحل العلي مطمئناً على فضاء الثقافة المحلية لانتصار قِيم الخير والحُبّ والجمال.
يؤكد الشاعر الراحل علي الدميني في مقدّمة كتابه «أمام مرآة محمد العلي» أن ثراء العلي انبثق من جذر نزوعه الذاتي إلى كسر القيد والبحث عن مزيد من آفاق الحُريّة، وجدله مع التراث وثورته على القوالب المعادة والسكونية.
ويذهب الناقد أحمد بوقري إلى أنّنا فقدنا برحيل محمد العلي علماً فكرياً وشعرياً تأسيسياً ترك بصمات واضحة على مشهدنا الأدبي المعاصر. وعدّ بوقري الاقتراب من شخصه باعتباره رمزية حداثية مهمة يماثل الاقتراب من تجربته الشعرية ناهيك عن الفكرية، ويراه اقتراباً نقدياً وإبداعياً محفوفاً بالرهبة والإجلال والتقدير.
وأضاف: «ربما كنت بمستطيعٍ أكثر وبثقة أعلى أقتربُ من بنيته الفكرية وطروحاتها وشذراتها وإيجازاته التأملية إلى اللحظة؛ لأني أعرفها وتربى جيلنا عليها.. أيديولوجياً وسياسياً، وأستطيع تأملها ومحاورتها والاختلاف معها أحياناً والخروج عليها»، لافتاً إلى أنه يخشى الاقتراب من شعريته ويقف مرتعداً أمامها؛ كون الشاعر المهم والمُقلّ، الذي له جبروته اللغوي والدلالي، والجمالي وتكثيفات صوره الفنية، وله مجازاته ورؤيته واستبصاراته الفكرية، وله حظوة تأسيسيته للمعنى الحداثي الإبداعي في مشهدنا الشعري، مشيراً إلى أنه بتأثير القليل القليل من قوله الشعري المكثّف أسس بروحية تجديدية بصيرة كياناً متماسكاً من الشعرية في تجربتنا الشعرية السعودية الحديثة. وأوضح بوقري أن القول الشعري كله الذي أُنتِج عقب قصيدته «لا ماء في الماء» اغترف من ينبوعها وتدفقاتها وجريانها في شرايين الجسد الشعري المعاصر.. واتكأ على مقترحاتها الجمالية والتشكيلية الأولى.
وعدّ الشاعر هاشم الجحدلي محمد العلي الرائد والمعلم الذي لم يجترح الخطوة الأولى بل واصل المشوار ولم يعنه انتهاء الماراثون، ولا خسارة خاسر ولا كسب كاسب؛ إذ بقي العلي صامداً في الرهان على جدوى الإبداع وجدارة الفكر. وكشف الجحدلي معرفته بالعلي مبكراً من زاويته الأطول في تاريخه «كان يا ماكان» التي نُشرت بداية الثمانينيات في «عكاظ»، ولفت إلى أنه أول أو ثاني صوت تصله مباركته وتشجيعه وهو طالب الثانوية في بلدة «ثول» عبر رسالة حملها صالح الصالح، مشيراً إلى مرافقته للعلي في رحلة تاريخية لمدة 10 أيام إلى القاهرة بقيادة عراب الصداقات محمد القشعمي. وكانت فرصة تاريخية لكي أقترب من تاريخه ورؤاه، وهذا ما حفّزني على كتابة ما يشبه السيرة له، ونشرت أجزاء منها في «عكاظ». وأضاف: «محمد العلي قيمة وقامة كبيرة في مشهدنا الثقافي وعندما تكتب سيرة هذا المشهد سوف يحتل المكانة اللائقة به».
فيما يؤكد الكاتب أحمد عدنان أن العلي لم يكن يكتب القصيدة فحسب، بل كان يكتب موقفاً ورؤيةً وانحيازاً للإنسان. رحل الجسد وبقي أثر الكلمة، وبقي صوت المثقف الذي لم يتخلَّ عن أسئلته ولا عن حقه في الاختلاف. عزاؤنا أن الكبار لا يغيبون ما دامت كلماتهم حيّة في الذاكرة والوجدان والضمير، فيما عوّل الكاتب البحريني عارف الموسوي على إرث العلي من المقالات الأدبية والفكرية، وتجربته الشعرية التي ناهزت السبعين عاماً وأكثر. وقال الموسوي: لم يكن العلي ظلاً عابراً؛ بل كان حضوراً فاعلاً ومشروعاً بارزاً تمثّل في محطات من التحولات على مستوى القضايا الفكرية، وفي مستوى تخلق الشعرية.