متى يكتشف أن ساعته معطلة؟


د. يوئيل غوزانسكي

لقد جعل ترامب الوقت عنصرًا أساسيًا في استراتيجيته ضد إيران: فكلما طال أمد الحرب والضغط الاقتصادي، تضاءلت موارد طهران واشتدّ الضغط الداخلي عليها، ما سيُجبرها على تقديم تنازلات. وفي صراع البقاء بين أقوى قوة في العالم وإيران المُثقلة بالعقوبات وأضرار الحرب، ينبغي أن يصبّ الوقت في مصلحة واشنطن.

قد يكون ترامب مُحقًا بشأن إيران. لكن الحرب ليست بين البلدين فقط، بل تشمل أيضاً حلفاء واشنطن في الخليج، بقيادة السعودية، التي لديها توقيت مختلف. من وجهة نظرها، كل يوم إضافي من الحرب يُمثل خطراً إضافياً على موانئها ومنشآتها النفطية وبنيتها التحتية واستثماراتها، فضلاً عن خطتها الاقتصادية التي يقوم عليها مستقبلها. إذا أراد ترامب الانتظار حتى ينفد الوقت المتاح لإيران، فعليه أن يُفكر في احتمال آخر: قد ينفد الوقت المتاح للسعودية أولاً.

تجد السعودية نفسها عالقة بين نقطتي اختناق بحريتين هامتين لاقتصادها. فإلى الشرق يقع مضيق هرمز، حيث أثرت الحرب على الملاحة والصادرات السعودية. وقد تمكنت المملكة من الحد من الأضرار باستخدام خط أنابيب يمتد من الشرق إلى الغرب، وينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر. وقد ذكر صندوق النقد الدولي في أواخر تموز أن البنية التحتية المتنوعة للسعودية ساعدتها على تجاوز الأزمة، ولكنه حذر أيضاً من الأضرار التي ستلحقها الحرب والاضطرابات في مضيق هرمز بالتجارة وصادرات النفط والأنشطة غير النفطية والثقة الاقتصادية.

لكن البديل الغربي أصبح هو الآخر عرضة للخطر. ففي تموز، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السعودية وهددوا حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب. خلق هذا فخاً استراتيجياً للرياض: فمضيق هرمز مُهدد من الشرق، ومضيق باب المندب مُهدد من الجنوب الغربي. أما البحر الأحمر، الذي كان يُفترض أن يكون بديلاً آمناً نسبياً للخليج، فقد أصبح جبهة أخرى. بالنسبة للرياض، لا يُعد استمرار الحرب مجرد تمرين نظري لإضعاف إيران، بل يزيد من احتمالية أن تدفع المملكة نفسها الثمن.

التحوط السعودي

لا ترغب السعودية في انتصار إيران؛ فهي تخشى صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وكلاءها، واحتمال فرض طهران نظامًا أمنيًا إقليميًا جديدًا. ومع ذلك، ونظرًا لهشاشتها، فإن مصالحها لا تتطابق مع مصالح الولايات المتحدة. فإذا كان الخيار بين دعم استراتيجية الرئيس ترامب، التي لا يزال مدى نجاحها غامضاً، وبين تفاهمات جزئية مع طهران من شأنها تقليل المخاطر التي تواجه المملكة، فإن الحافز لاختيار الخيار الثاني يتزايد.

لا يعني هذا أن السعودية على وشك تغيير موقفها. فبإمكانها الاستمرار في اعتبار الولايات المتحدة شريكها الأمني الرئيسي، مع تقليل هشاشتها في الوقت نفسه من خلال الحوار مع إيران. من الناحية الاستراتيجية، يتعلق الأمر بالتحوط: الحفاظ على التحالف الأمريكي مع إنشاء آليات تكميلية لمواجهة الخصم.

تواجه دول الخليج الأخرى معضلة مماثلة. فقد ورد أن الإمارات، التي تبنت في بداية الحرب سياسة متشددة تجاه إيران، وافقت على السماح بالإفراج عن مليارات الدولارات من المساعدات لإيران. هذه القضية ا تُجسّد لثمن الذي قد تكون دول الخليج مستعدة لدفعه مقابل خفض التصعيد.

والأهم هو التطورات في عُمان. إذ تُشير التقارير إلى اقتراب مسقط وطهران من التوصل إلى اتفاق بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما أثار استياء واشنطن. بالنسبة للسعودية ودول الخليج الأخرى، قد يُصبح هذا الاتفاق مخرجًا سريعًا. فإذا ما أعاد الاتفاق العُماني الإيراني قدرًا من الاستقرار إلى مضيق هرمز، وتوصل في الوقت نفسه إلى اتفاقيات تُخفف من ضغط الحوثيين في البحر الأحمر، فسيكون من الصعب على الرياض تجاهله لمجرد أنه لا يتوافق تمامًا مع الاستراتيجية الأمريكية. فكلما ارتفع ثمن الانتظار، ارتفعت قيمة التسوية الجزئية.

إلى أي مدى تستطيع دول الخليج الانتظار؟

وهنا قد تُحقق إيران مكسبًا استراتيجيًا. فهي ليست مُضطرة لجعل السعودية حليفًا لها أو قطع علاقاتها مع واشنطن. يكفي أن تجعل الرياض تخشى استمرار الحرب أكثر من خشيتها من التوصل إلى حل وسط مع طهران. هناك بالفعل دعم في الخليج العربي للترتيبات الإقليمية وفتح قنوات اتصال مستقلة مع إيران، وفي هذه الحالة قد تجد الولايات المتحدة أن النظام الإقليمي بدأ يتشكل دون تدخلها.

هذه مفارقة استراتيجية ترامب الزمنية: فبينما ينتظر تآكل إيران، قد يبدأ حلفاؤه الخليجيون في البحث عن حلولهم الخاصة. وبالتالي، يمكن لإيران أن تحوّل الوقت من مورد أمريكي إلى مورد إيراني، من خلال ممارسة الضغط في مضيق هرمز، وتهديد حركة الحوثيين في البحر الأحمر، وإظهار ضعف دول الخليج.

لذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه ترامب ليس فقط إلى متى يمكن لإيران الصمود، بل إلى متى ستكون دول الخليج مستعدة للانتظار. أحد أسباب فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الحربية هو فشلها في فهم ضعف دول الخليج وقدرة إيران على استغلالها كورقة ضغط. يمكن لواشنطن أن تفكر في أشهر من الضغط الإضافي. أما الرياض، فعليها أن تفكر في ناقلة النفط التالية، والهجوم التالي، والاستثمار التالي، واحتمالية فتح جبهة جديدة على أراضيها.

يراهن ترامب على أن الوقت الضائع لإيران سيكون الأسرع. ليس على إيران أن تفوز في هذا السباق، بل يكفيها أن تتأكد من أن حلفاء الولايات المتحدة لن يرضوا بالانتظار. ومن بين جميع الأوقات الضائعة في هذه الحرب، ربما يكون الوقت الضائع للسعودية هو الأسرع.

N12 21/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *