متلازمة الساحل والداخل في اليمن


في القرن السادس عشر الميلادي شن البرتغاليون هجمات متواصلة على سواحل اليمن الجنوبية والشرقية والغربية، بهدف إرباك حركة التجارة العالمية، وصرفها عن الممرات التي يسيطر عليها العثمانيون، والتحول من البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، إلى طريق رأس الرجاء الصالح، غير أن تلك الهجمات نبهت العثمانيين لخطورة التواجد البرتغالي في السواحل اليمنية، على حركة التجارة، وخطورة هذا التواجد على الأماكن المقدسة في الحجاز الذي كان حينها يتبع السيادة العثمانية.
الوجود البرتغالي لم يستقر في السواحل اليمنية، لأنه لم يتوسع في البر اليمني، ولأنه في الأساس كان يهدف إلى القيام بدور التعطيل، أكثر من اهتمامه بالبقاء، نظراً، لأن بقاءه لن يفيد، بما أن العثمانيين كانوا حينها يسيطرون على مصر، وهو ما يجعل سيطرة البرتغاليين على باب المندب غير مجدية إلا لتعطيل حركة تجارة خصومهم العثمانيين.
وفي حين لم يستمر التواجد البرتغالي في السواحل اليمنية إلا على مدى ثلاثة عقود تقريباً، (بين عامي 1507م و1538م)، نظراً لفشلهم في السيطرة على البر الداخلي، فإن التواجد العثماني استمر لأكثر من 160 عاماً (على فترتين)، نظراً لأن العثمانيين أدركوا أن السيطرة على الساحل تقتضي السيطرة على الداخل، وخاصة المرتفعات الجبلية، ولذا تمت لهم السيطرة على مدن ومناطق ساحلية وداخلية، على رأسها عدن والمخا وصنعاء.
بعد نحو ثلاثة قرون جاء البريطانيون الذين احتلوا عدن عام 1839، وكان هدفهم الحفاظ على حركة التجارة مع مستعمراتهم في الهند، وتموين سفن البخار، وإيجاد نفوذ عسكري وسياسي، يربط بين أوروبا وشرق آسيا، حيث تعمقت تلك الأهداف، بعد أن سيطروا على مصر، وحفروا قناة السويس.
وإذا رأى العثمانيون اليمن جزءاً من البلاد الإسلامية التي يجب أن تتبع الخليفة العثماني في إسطنبول، بالإضافة إلى رؤيتهم لضرورة حماية طرق التجارة، فإن البرتغاليين والبريطانيين كانوا يهدفون فقط للسيطرة على السواحل، لأهداف تجارية، (تعطيل حركة التجارة، كما هي أهداف البرتغاليين، أو حمايتها، كما هي أهداف البريطانيين)، وهذه الأهداف هي الأهداف الرئيسية، وتضاف لها الأهداف السياسية والجيوستراتيجية، في النفوذ والسيطرة.
ومع ذلك، وكما اختلف البرتغاليون مع البريطانيين في تفاصيل الهدف من وراء السيطرة على السواحل اليمنية، فإن الجانبين اختلفا كذلك في كون البرتغاليين لم يفكروا في التوسع داخلياً، فيما ذهب البريطانيون للتوسع في الداخل، لحماية الساحل، وذلك – باحتلال عدن، والدخول في معاهدات «حماية»، مع عدد من سلطنات جنوب اليمن، ثم محاولة توحيد تلك السلطنات، قبيل رحيلهم عن جنوب البلاد، فيما عرف باتحاد الجنوب العربي، الذي ضم ما عرف بـ»محميات عدن الغربية»، لهدف رئيسي – ضمن أهداف أخرى – وهو حماية عدن من ثورات الحزام القبلي المحيط بعدن التي لم تكن ضمن الاتحاد، نظراً لكونها تابعة بشكل مباشر للسلطات البريطانية، على عكس بقية السلطنات والمشيخات التي كان لديها قدر من الاستقلالية الشكلية، مع ارتباطها بالمستعمر، من خلال «معاهدات الحماية».

سيواصل الحوثيون حروبهم لضم الساحل إلى الداخل، لإدراكهم – وإدراك الإيرانيين – لأهمية الجبل في السيطرة على السهل، وأهمية السهل في السيطرة على طرق الملاحة الدولية

وهنا يمكن تسجيل ملاحظة أن الوجودين العثماني والبريطاني في اليمن كانا الأطول، حيث استمر الوجود العثماني حوالي 166 عاماً، كما ذكرنا، فيما استمر الوجود البريطاني 129 عاماً، نظراً لإدراك العثمانيين والبريطانيين لأهمية الداخل في الاحتفاظ بالساحل، وهو الأمر الذي لم يفكر فيه البرتغاليون الذين كانوا يريدون من الساحل، مجرد تعطيل حركة الملاحة في البحرين الأحمر والمتوسط، ولذا اعتمدوا أساليب الهجمات السريعة التخريبية، لتحقيق هدف الإضرار بحركة الملاحة.
وبالحديث عن الدول اليمنية المختلفة، يمكن الإشارة إلى أن أقوى تلك الدول، وأطولها عمراً، كانت الدول التي جمعت بين السيطرة على الداخل والساحل، انطلاقاً من حقيقتين ثابتتين: أولاهما، أهمية موقع اليمن الجغرافي، لحركة التجارة العالمية، والثانية أن الاحتفاظ بالساحل غير ممكن، ما لم يتم الاحتفاظ بالداخل، لأن الجغرافيا هي التي قضت بترابط مصيري الجبل والسهل، في هذه الرقعة الجغرافية المهمة.
ووفقاً لتلك الحقائق فإن الدول اليمنية التي شهدت ازدهاراً نسبياً كانت تلك التي اعتمدت على التجارة البحرية، عبر السواحل والموانئ والجزر اليمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، كما أن الدول اليمنية التي نشأت في الجبل لم تزدهر إلا بعد أن ضمت إليها السهل، وكانت فترات الاستقرار في البلاد هي تلك التي تعايش فيها السهل والجبل، في إطار دولة واحدة، سواء كان مركز تلك الدول في السهل، أو كان المركز في الجبل.
واليوم ومع النفوذ الإيراني على سواحل اليمن الغربية، وهو النفوذ الذي وفره لهم وكلاؤهم الحوثيون، يمكن النظر إلى أن الإيرانيين – من ناحية الأهداف – ربما كانوا أقرب على البرتغاليين الذين هدفوا لتعطيل حركة التجارة، للضغط على العثمانيين، وهو الهدف الإيراني من وراء الدفع باتجاه السيطرة على السواحل الغربية لليمن، من أجل الضغط على الأمريكيين. لكن الإيرانيين – على مستوى الوسائل – يبدون أقرب للبريطانيين والعثمانيين، ذلك أنه لتثبيت السيطرة على الساحل، لا بد من إحكام السيطرة على الداخل، وهو ما نراه، في محاولات الحوثيين السيطرة على المرتفعات الغربية للبلاد في محافظتي تعز ولحج، بما تتيحه هذه السيطرة من استمرار السيطرة على السواحل، لضمان التحكم بطرق الملاحة البحرية في باب المندب، الذي تريد إيران توظيفه ورقة ضغط دائمة، في صراعها مع أمريكا والقوى الغربية، وكذا في مساعيها للضغط على دول الخليج والمملكة العربية السعودية، تضاف إلى ورقة مضيق هرمز.
ونظراً لأهمية الداخل في السيطرة على الساحل، فإن الحكومة اليمنية والتحالف المساند لها لا يمكنهما دعم سيطرة الشرعية اليمنية على سواحل البلاد، دون السيطرة على كامل الجغرافيا اليمنية التي ما لم تتم السيطرة عليها، من قبل القوات الحكومية فإن الحوثيين سيواصلون حروبهم من أجل ضم الساحل إلى الداخل، نظراً لإدراكهم، وإدراك الإيرانيين لأهمية موقع اليمن – جبلاً – في السيطرة على السهل – وسهلاً – في السيطرة على طرق الملاحة الدولية، في البحر الأحمر وباب المندب، وخليج عدن، والمحيط الهندي.

٭ كاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *