متعة الإيقاع البصري بين الإخفاء والكشف



مروان ياسين الدليمي

ثمّةَ لحظةٌ نادرةٌ في تاريخ التشكيل، لحظةٌ يتخلّى فيها اللون عن طاعته القديمة، فلا يعود تابعًا للشكل ولا خادمًا للموضوع، بل يصبح كيانًا مستقلًّا يُملي حضوره بسلطةٍ هادئة. ومع ذلك، لا ينفصل عن العالم، بل يُعيد ترتيبه، يُكثّفه، ويمنحه هيئةً أكثر صفاءً وإيحاءً. في هذه اللحظة بالذات، لا يعود التجريد نقيضًا للتشخيص، ولا التشخيص نفيًا للتجريد، بل يتقاطعان كحالتين من الإدراك، يتبادلان المواقع داخل بنيةٍ واحدةٍ لا تُعلن حدودها بوضوح. من هنا يمكن النظر إلى تجربة الرسّام العراقي هاشم حنون، بوصفها اشتغالًا دقيقًا على هذا التواشج الخفيّ. فاللوحة عنده لا تُقدِّم موضوعًا بقدر ما تُنشئ مجالًا للرؤية، حيث يتردّد المتلقّي بين التعرّف والدهشة. إنّ ما يُرى ليس ثابتًا، وما يُستحضر ليس غائبًا تمامًا، بل كلاهما يتداخلان في نسيجٍ بصريٍّ يُراوغ التحديد.

إعادة ترتيب مسافة النظر

التجريد، في تجربة حنون، ليس ضربًا من الانسحاب من العالم، ولا التشخيص عودةً مباشرةً إليه. إنّهما، على نحوٍ أدقّ، وسيلتان لإعادة تشكيل الإدراك، لا لإعادة إنتاج الواقع. فالشكل، حين يبرز، لا يفعل ذلك ليُعرِّف أو يُثبِّت، بل ليُقلق علاقتنا بما نظنّ أنّنا نعرفه. إنّه يُربك، يُؤجِّل التسمية، ويُعيد ترتيب مسافة النظر. أمّا اللون، حين ينفلت من حدود التمثيل، فإنّه لا يتخلّى عن الدلالة، بل يُعيد صياغتها على مستوى أكثر رهافةً وشفافيّة، بحيث يغدو الإيحاء بديلًا عن التقرير. هنا تحديدًا تتشكّل المتعة، لا بوصفها استجابةً حسّيّةً مباشرة، بل كحالةٍ إدراكيّةٍ مركّبة، تنشأ من تداخل ما يُرى بما يُستشعر. إنّ المتلقّي لا يواجه صورةً مكتملة، بل يدخل في عمليّة بناءٍ مستمرّة، حيث يُعاد تشكيل المعنى مع كلّ نظرة. ومن هذا التوتّر بين الإدراك والتخيّل تنبع تلك الحيويّة التي تمنح العمل طاقته.
أوّل ما يستوقف النظر هو هذا الاقتصاد الظاهر في الشكل، حيث تتراجع التفاصيل إلى حدّها الأدنى، في مقابل وفرةٍ محسوبةٍ في اللون. غير أنّ هذا التباين ليس عفويًّا، بل يُشكّل بنيةً واعية، تُوجِّه الانتباه نحو ما هو أعمق من المظهر. فالتجريد لا يُقصي التشخيص، بل يحتفظ به كأثرٍ مُضمَر، والتشخيص لا يُناقض التجريد، بل يمنحه مبرِّره الخفيّ. ومن هذا التواشج ينشأ توتّرٌ جماليٌّ يُغذّي التجربة ويُبقيها حيّة.
أمّا البهجة، فلا تُختزل في سطوع الألوان، بل في توازنٍ دقيقٍ بين ما يُنتظر وما يُفاجئ. اللون هنا ليس زينةً، بل قوّةٌ بنائيّة، تُحرِّك الكتل، وتُعيد توزيعها، وتخلق إيقاعًا داخليًّا لا يُدرك إلّا عبر التأمّل. وهكذا، لا تستقرّ المتعة على السطح، بل تنبثق من تحوّل اللون، ومن قدرته على أن يكون دالًّا، ومتجاوزًا لدلالته في آنٍ واحد.
ولعلّ ما لا يُقال صراحةً في هذه التجربة، لكنه يظلّ حاضرًا بوصفه ظلًّا داخليًّا، هو ذلك الحنين الخفيّ إلى طفولةٍ لم تُغادر الذاكرة تمامًا. طفولة لا تُفهم بوصفها زمنًا منتهياً، بل كطريقةٍ في النظر: خفة الإدراك قبل أن تثقله التسميات، ودهشة العين قبل أن تتعلّم التأويل. في بعض لحظات اللوحة، يبدو اللون كأنه يستعيد تلك البراءة الأولى، حيث لا تزال الأشياء غير مُصنّفة، وحيث يمكن للشكل أن يكون احتمالًا لا قرارًا. هنا يغدو التجريد قريبًا من لعبةٍ بدائية، والتشخيص أقرب إلى ذكرى لم تكتمل، وكأنّ العين تعود، دون إعلان، إلى بداياتها الأولى في التعرّف على العالم.
ومن هذا الأفق الطفولي غير المُعلن، تنبثق أيضًا حاجةٌ أخرى، أكثر هدوءًا وأشدّ كثافة: البحث عن مدينةٍ ما، لا بوصفها مكانًا جغرافيًا، بل بوصفها شكلًا من الطمأنينة. مدينة لا تُقاوم فوضى العالم بالعنف، بل تُعيد تنظيمها بصمتٍ بصريٍّ يشبه نظام اللوحة نفسها. في هذا المعنى، تبدو اللوحة كأنها مدينة داخلية، تُشيَّد من ألوانٍ متجاورة لا تتصادم، ومن مساحاتٍ تتجاور دون أن تلغي بعضها البعض. مدينة لا تُقام في الخارج، بل في عمق النظر، حيث يمكن للعين أن تجد نوعًا من السكن المؤقت، وسط ضجيج العالم.
هكذا يصبح اللون، في لحظاته الأكثر صفاءً، وعدًا غير مُعلن بالعودة إلى براءة الإدراك الأولى، وبناء مدينةٍ لا تحتاج إلى أسوار، لأن نظامها الداخلي قائم على الإيقاع لا على الحماية، وعلى الانسجام لا على العزل.

استدراج الموضوع بالتلميح

أبرز ما يُميّز هذه التجربة أنّ التشخيص فيها لا يتقدّم بوصفه مركزًا ثابتًا أو مرجعًا نهائيًّا، بل يظهر كإشارةٍ عابرة، كأثرٍ لما كان يمكن أن يستقرّ في هيئةٍ مكتملة. إنّنا لا نرى الكائن في حضوره الصريح، بل نلتقط ظلاله، نُصغي إلى ما يتركه من أثرٍ بصريٍّ يلمع ثمّ يتوارى. الموضوع، في هذا السياق، لا يُواجَه، بل يُستدرج، لا يُقدَّم، بل يُلمَّح إليه. ومن هنا تتّسع مساحة اللون، إذ يتحرّر من عبء التمثيل المباشر، ويغدو قادرًا على أن يُفصح عن منطقه الخاصّ، من دون أن يقطع صلته بالعالم. والتحوّل لا يُفضي إلى غياب المعنى، بل إلى إعادة توزيعه. فالتشخيص، حين يتراجع إلى مرتبة الأثر، لا يختفي، بل يُعيد تنظيم حضوره في طبقةٍ أعمق، تُشارك فيها الذاكرة بقدر ما تُشارك العين. اللون، في المقابل، لا يملأ الفراغ فحسب، بل يُعيد تعريفه، يُنشئ علاقاتٍ غير متوقّعة بين الكتل، ويُقيم إيقاعًا داخليًّا يُقاس بالتحوّل لا بالثبات.

البعد الإيقاعي وسيطٌ بين مستويين

من الناحية البنيوية، يمكن القول إن اللوحة عند هاشم حنون تُبنى على طبقاتٍ من الإخفاء والكشف. فهناك دائمًا ما يُخفى خلف ما يظهر، وما يظهر ليس إلا قشرةً لما هو أعمق. اللون، في هذا السياق، يعمل كوسيطٍ بين المستويين. فهو يُخفي بقدر ما يُظهر، ويُضلّل بقدر ما يكشف. وهذه الازدواجية هي ما تمنحه طاقته التعبيرية، وتُسهم في إنتاج تلك المتعة التي لا تُستنفد بسهولة.
لا يمكن إغفال البعد الإيقاعي في لوحاته، حيث تتوزّع الألوان بطريقةٍ توحي بحركةٍ داخلية، أشبه بموسيقى صامتة. هذه الموسيقى لا تعتمد على التكرار، بل على الاختلاف. كل لونٍ يُجاور آخر، لكن دون أن يذوب فيه. كل مساحةٍ تتجاور مع أخرى، لكن دون أن تُلغِيها. ومن هذا التوازن بين التقارب والتباعد تنشأ حالةٌ من الانسجام الديناميكي، الذي يُشكّل أساس البهجة البصرية.
في هذا السياق التجريد، ليس مجرد أسلوب، بل هو موقفٌ من العالم. إنه رفضٌ للاكتفاء بالظاهر، وسعيٌ إلى ما وراءه. أما التشخيص، فهو ليس استعادةً للواقع، بل محاولةٌ لإعادة التفكير فيه. وبين هذين القطبين تتحرّك اللوحة، لا لتختار أحدهما، بل لتُقيم بينهما حوارًا دائمًا. وهذا الحوار هو ما يُنتج تلك الكثافة التي تجعل المتعة ممكنة. وهذه المتعة لا تُقدَّم بشكلٍ مباشر، بل تُبنى تدريجيًا. فاللوحة لا تكشف عن نفسها دفعةً واحدة، بل تُتيح للمتلقي أن يكتشفها على مراحل. كل نظرةٍ تُضيف شيئًا، وكل تأملٍ يُعيد ترتيب ما سبق. وهذا ما يمنح العمل طابعًا زمانيًا، رغم كونه ثابتًا. الزمن هنا ليس خارج اللوحة، بل داخلها، في طريقة تشكّلها في وعي المتلقي.
أما البهجة، فهي ليست نقيضًا للعمق، بل نتيجته. إنها ليست سطحًا لامعًا، بل طبقةٌ أخيرةٌ تُخفي تحتها شبكةً معقّدةً من العلاقات. اللون، في هذا السياق، يُمارس نوعًا من الإغواء، لكنه إغواءٌ ذكي، لا يُفضي إلى الاستهلاك، بل إلى التأمل. والمتعة اللونية المبهجة، كما تتجلّى في لوحات هاشم حنون، ليست حالةً عابرة، بل بنيةٌ متكاملة. إنها نتيجةُ تفاعلٍ معقّد بين عناصر متعددة: اللون، الشكل، الإيقاع، الفراغ، الذاكرة، الإدراك. وكل عنصرٍ من هذه العناصر لا يعمل بمعزلٍ عن الآخر، بل في شبكةٍ من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار.
من هنا يمكن القول إن التعالق بين التجريد والتشخيص ليس مجرد تقنية، بل هو أساس الرؤية. إنه الطريقة التي يُفكّر بها الفنان في العالم، والطريقة التي يُقدّمه بها. ومن خلال هذا التعالق تتأسس المتعة، لا بوصفها هدفًا، بل كنتيجةٍ طبيعية لعملٍ متماسك، يعرف كيف يُوازن بين ما يُقال وما يُترك، بين ما يُرى وما يُحسّ.
تجربة حنون في جوهرها مفتوحة، تتغيّر بتغيّر زاوية النظر. وما يبقى ثابتًا هو ذلك الشعور بالبهجة، الذي لا يأتي من بساطة اللون، بل من تعقيده. بهجةٌ لا تُختزل في العين، بل تمتد إلى الوعي، وتُعيد تشكيل علاقتنا بالصورة، وبالعالم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *