نواكشوط – «القدس العربي»: ليست قضايا الهجرة وحدها هي التي حملت وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إلى نواكشوط، الثلاثاء، فقد امتدت مباحثاته مع المسؤولين الموريتانيين إلى الصيد البحري، قبل أن يستقبله الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، في زيارة كشفت اتساع المصالح التي باتت تربط مدريد بموريتانيا.
وجاءت هذه الزيارة قبل أيام من انتهاء بروتوكول الصيد الأوروبي الموريتاني، وفي وقت سجلت فيه السواحل الموريتانية تراجعاً ملحوظاً في انطلاق قوارب الهجرة نحو جزر الكناري الإسبانية.
فمن أصل 52 قارباً وصلت إلى الأرخبيل الإسباني خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم ينطلق من موريتانيا سوى قارب واحد، بعدما كانت موريتانيا مصدر انطلاق 83 في المئة من القوارب الواصلة إلى إسبانيا عام 2024.
غير أن هذا التحول لم يقلص حاجة مدريد إلى نواكشوط، بل كشف أن أهمية الشريك الموريتاني تجاوزت ضبط الحدود إلى المصالح الاقتصادية والعسكرية الإسبانية، في علاقة طرحت مجدداً سؤال التوازن بين الأعباء الاستراتيجية التي تتحملها موريتانيا والعوائد التنموية التي تحصل عليها.
واستقبل الرئيس الغزواني مارلاسكا في القصر الرئاسي، حيث أعرب الوزير الإسباني إثر اللقاء، عن تقدير بلاده للجهود المشتركة في مراقبة الحدود ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين، مؤكداً أن هذا التعاون ساهم في تقليص تدفقات الهجرة غير النظامية إلى جزر الكناري خلال العامين الأخيرين.
ووصف الوزير مارلاسكا موريتانيا بأنها «شريك استراتيجي ومُحاور أساسي لإسبانيا»، وكشف أن خفر السواحل الموريتاني اعترض منذ بداية 2026 ما مجموعه 37 قارباً كانت متجهة إلى الكناري، ومنع أكثر من 4300 مهاجر من مواصلة رحلات محفوفة بالمخاطر نحو إسبانيا.
وشملت مباحثات مارلاسكا لقاءات مع وزير الداخلية الموريتاني المختار ولد أحمد بوسيف، ووزيرة الصيد عائشة لام، في وقت شهد فيه طريق الهجرة الأطلسي تحولاً ملحوظاً نحو الجنوب، إذ انطلق 39 قارباً من السنغال وغامبيا، و11 من المغرب، مقابل قارب واحد من موريتانيا.
وبلغ عدد الوافدين إلى الكناري خلال أكتوبر/تشرين الأول هذا العام 5379 مهاجراً، مقابل 1259 في الشهر نفسه من العام الماضي، بزيادة تجاوزت 327 في المئة، فيما ارتفع عدد القاصرين من 186 إلى 951، ما عكس استمرار الضغوط على الأرخبيل الإسباني رغم تراجع الانطلاق من السواحل الموريتانية.
مراقبة الحدود
وحملت تشكيلة الوفدين الإسباني والموريتاني المشاركين في مباحثات الداخلية دلالات تجاوزت التعاون الأمني التقليدي، إذ حضرها عن الجانب الموريتاني المدير العام للأمن الوطني الفريق محمد ولد احريطاني، ومدير الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمّنة، فيما شاركت عن الجانب الإسباني المديرة العامة للعلاقات الدولية وشؤون الأجانب.
وأبرز هذا التمثيل أهمية الجوانب الإدارية والقانونية المرتبطة بالهجرة، ولا سيما تحديد هويات المهاجرين ووثائقهم وإجراءات إعادتهم، إلى جانب التنسيق في مراقبة الحدود ومكافحة شبكات التهريب.
وأشاد مارلاسكا بالدور الذي تؤديه الأجهزة الأمنية الموريتانية في إنقاذ الأرواح ومكافحة الشبكات الإجرامية، ودعا إلى نقل تجربة فريق التحقيق البوليسي المشترك العامل في نواذيبو إلى العاصمة نواكشوط، كما شدد على أهمية التعاون في إعادة المهاجرين غير النظاميين، معتبراً أن عمليات العودة تمثل عنصراً أساسياً في سياسة هجرة فعالة.
وبَنت إسبانيا وموريتانيا، خلال سنوات من التعاون، منظومة أمنية مشتركة تضم أربعين عنصراً من الشرطة الوطنية والحرس المدني الإسباني، مدعومين بزورقين ومروحية و14 سيارة رباعية الدفع، إلى جانب طائرات وسفن دورية يجري نشرها بصورة دورية.
ويعمل هؤلاء بالتنسيق مع الأجهزة الموريتانية في الدوريات البحرية والجوية والبرية، ضمن تعاون يشمل أيضاً مشروعي “شوهوس أدفانس”و”غارزي 4″، اللذين يهدفان إلى تعزيز قدرات المراقبة والتدخل الأمني.
وساهمت قوات الأمن الموريتانية في اعتراض نحو 3500 مهاجر خلال 2025، بعد أكثر من عشرة آلاف في 2024، غير أن تشديد الرقابة على السواحل الموريتانية ترافق مع لجوء شبكات التهريب إلى منافذ بديلة في السنغال وغامبيا.
وبقيت موريتانيا، رغم هذا التحول، طرفاً محورياً في مراقبة الطريق الأطلسي، نظراً لمرور قوارب عديدة قبالة مياهها، وما يفرضه ذلك من تحديات تتعلق بالإنقاذ البحري وملاحقة المهربين والتنسيق الإقليمي.
شراكة أمنية
ولم يخل التعاون مع أوروبا من حساسيات داخلية، إذ أثارت الشراكة الموريتانية الأوروبية المعلنة في مارس/ آذار 2024 مخاوف سياسية وحقوقية من تحويل البلاد إلى منطقة لاستقبال المهاجرين المرحّلين من أوروبا، وهو ما نفته الحكومة الموريتانية.
وانتقدت منظمات حقوقية دولية ظروف توقيف المهاجرين وترحيلهم، وطالبت بضمان احترام حقوقهم والإجراءات القانونية الواجبة.
وفي مباحثات مع مارلاسكا، أكد وزير الداخلية الموريتاني اعتماد مقاربة تجمع الأبعاد الأمنية والقانونية والإنسانية والتنموية، وتوازن بين حماية الحدود واحترام الكرامة الإنسانية.
وشدد على التصدي لمحاولات استخدام الأراضي الموريتانية معبراً للهجرة غير النظامية، في موقف عكس حرص نواكشوط على تقديم تعاونها مع أوروبا باعتباره ممارسة لمسؤوليتها السيادية في حماية حدودها، لا التزاماً مفتوحاً باستيعاب تداعيات سياسات الهجرة الأوروبية.
الصيد البحري
واكتسب لقاء مارلاسكا بوزيرة الصيد الموريتانية أهمية خاصة، إذ جاء قبل أيام من انتهاء البروتوكول الحالي لاتفاق الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، المقرر في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.
وكانت إسبانيا، إلى جانب البرتغال وهولندا ولاتفيا، قد طلبت من المفوضية الأوروبية بحث إمكانية تمديد البروتوكول إذا تعذر التوصل إلى اتفاق جديد قبل انقضاء مدته.
ويعد الاتفاق من أبرز اتفاقيات الصيد التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع دول أخرى، وتستفيد منه بصورة خاصة أساطيل الصيد الإسبانية العاملة في المياه الموريتانية، ولا سيما سفن صيد الروبيان والنازلي.
وحصل 33 قارباً إسبانياً على تراخيص للصيد في المياه الموريتانية خلال 2024، ما جعل مستقبل الاتفاق ملفاً اقتصادياً حساساً بالنسبة إلى مدريد، ومنح نواكشوط أهمية تفاوضية إضافية في مرحلة تزامنت فيها المباحثات الأمنية مع استحقاقات الصيد البحري. ووصف مارلاسكا موريتانيا بالشريك والحليف الاستراتيجي لإسبانيا، ودعا إلى توسيع التعاون ليشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب الأمن.
غير أن تحويل هذا التوجه إلى مكاسب تنموية ملموسة يظل تحدياً قائماً، رغم الاتفاقات والمبادرات المالية المعلنة خلال السنوات الأخيرة. فقد أسفر الاجتماع الرفيع المستوى الأول بين البلدين، في يوليو/ تموز 2025، عن أربعة اتفاقات شملت النقل والضمان الاجتماعي والأمن السيبراني والمحميات الوطنية، إلى جانب الإعلان عن قرض بقيمة خمسين مليون يورو.
وسبق أن أعلنت مدريد في فبراير/شباط 2024 حزمة لدعم الاستثمار تصل إلى مئتي مليون يورو، لكن جانباً مهماً من هذه التسهيلات ارتبط بالقروض وتمويل أنشطة الشركات الإسبانية، وليس بتحويلات مالية مباشرة إلى الخزينة الموريتانية.
وأعادت زيارة مارلاسكا بذلك طرح مسألة التوازن بين الأعباء التي تتحملها موريتانيا في ضبط الهجرة وحماية الطريق الأطلسي، والعوائد الاقتصادية والتنموية التي تجنيها من شراكتها مع إسبانيا.
فبينما أظهرت أرقام الهجرة نتائج ملموسة للتعاون الأمني، بقي توسيع فرص التشغيل والهجرة النظامية ونقل الخبرات وتمويل التنمية عناصر أساسية لضمان استدامة هذه الشراكة، خصوصاً أن معالجة الهجرة من منابعها تتطلب بدائل اقتصادية للشباب تتجاوز الإجراءات الأمنية.
ومع اقتراب استحقاق 14 نوفمبر/شباط، برزت مفاوضات الصيد اختباراً عملياً لقدرة الطرفين على ترجمة تقارب المصالح الأمنية والاقتصادية إلى تفاهمات أكثر توازناً، في علاقة لم تعد تقتصر على منع القوارب من مغادرة الشواطئ، بل امتدت إلى إدارة مصالح استراتيجية متشابكة على ضفتي الأطلسي.