ما حدث في مدينة سبتة صرخة عتاب جيلية وهوياتية



فاطمة الزهراء جبور

الرباط ـ «القدس العربي»:  تضعنا الأحداث الاستثنائية للنزوح الجماعي على الحدود لمدينة سبتة أمام ظاهرة معقدة، تتجاوز حدود الهجرة غير النظامية بمفهومها التقليدي، لتعكس حالة سوسيولوجية مركّبة يتداخل فيها الاجتماعي والاقتصادي بالسياسي والثقافي.
تلك حال موجة العبور الجماعي غير المسبوقة في المغرب، من حيث العدد وطبيعة المشاركين، حيث دخل عشرات الآلاف إلى المدينة المحتلة أواخر تموز/يوليو المنصرم.
في هذا الحوار مع الخبير الأكاديمي المغربي في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، الدكتور جمال فزة، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة محمد الخامس في الرباط، ويشرف على ماستر القانون والمجتمع والنوع الاجتماعي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة نفسها،
نتجاوز الوصف السطحي والخطابات التفسيرية الجاهزة التي تعودت اختزال مثل هذه الظواهر في شمّاعة الأرقام ومؤشرات الهشاشة الاقتصادية النمطية كأرقام بطالة الشباب، لننفذ إلى جوهر الحدث وأسبابه البنيوية العميقة، عبر قراءة مفاهيمية ونقدية جادة.

○ هل يمكن اعتبار العبور الجماعي شكلاً جديدًا من أشكال التعبير الاحتجاجي أو الحركة الاجتماعية؟
• إن ما حدث، برأيي، في مدينة سبتة المغربية المحتلة من نزوح جماعي مفاجئ، ظاهرة فريدة وجد معقدة ومتعددة الأبعاد؛ يتداخل فيها ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي بالمعنى الواسع للكلمة. أقول فريدة، بالرغم من أن المدينة شهدت أحداثًا مماثلة سنة 2021، مع وجود فارق ملحوظ على مستوى كمي ونوعي بالتأكيد.
ولعلّ هذا الأمر لوحده يدفعنا إلى التمييز بين الطابع العرضي والظرفي لهذه الأحداث من جهة، والذي يختمها بخاتم الفرادة، والطابع الأساسي والبنيوي الذي يفسر، إلى حد ما، أسبابها العميقة، فيجعل منها أحداثًا متكررة، أو قابلةً للتكرار من جهة أخرى.
لا أريد أن أستعرض خلال هذا الحوار مجموعة من الأسباب المحددة التي غالبًا ما يرجع إليها السوسيولوجيون في تفسيرهم للظواهر الاجتماعية، لاسيما المتعلقة بالأوضاع السوسيو-اقتصادية، من فقر وهشاشة اجتماعية وفقدان العمل وتعطل أو جمود لمصعد الحركية الاجتماعية، فهذا النوع من التفسير يضعنا أمام خطاب جاهز قد يفسّر كل شيء، لكنه لا يضع اليد على أي شيء محدد بعينه.
وقد انبرى عدد من المحللين، وضمنهم سوسيولوجيون، إلى إثارة الرقم المخيف والمقلق الذي يتحدث عن وجود ما يربو على المليونين وتسع مئة ألف شاب مغربي يتراوح سنه بين 15 و29 سنة بدون عمل ولا دراسة ولا تكوين، باعتبار هذا الواقع يفسّر كل الأحداث الاحتجاجية الشبابية التي يمكن أن يشهدها البلد. وبالفعل لم يتردد عدد مهم من المحللين في تداول عبارة شباب NEET سواء في نزول «جيل زِدْ» إلى الشارع للاحتجاج على ما اعتبروه غيابًا للعدالة الاجتماعية، خصوصًا في مجالي الصحة والتعليم، أو في أحداث سبتة المحتلة.
هذا النوع من التفسير، أؤكد مرة أخرى، لا يفسر ما وقع في مدينة سبتة المغربية، وإنما يفسر كل ما يقع من احتجاجات، وكل ما سيقع منها في المستقبل؛ فهو إطار مادي قد يسعف في وضع اليد على الشروط الخارجية التي تؤطر، إلى حد ما، الأحداث الاجتماعية، لكنه لا يمكننا، بأي حال، من فهم معناها.
بالنسبة للأحداث الجماعية غير المنظمة، والتي يبدو عليها كثير من العفوية والارتجال، يصعب علينا أن نحسم نهائيًا وبشكل تام فيما إذا كانت تدخل فعلاً في قائمة الحركات الاجتماعية، لكن بإمكاننا أن نستحضر هنا الشروط الأساسية التي تحدث عنها ألان تورين في تعيينه أو تعريفه للحركة الاجتماعية، وهي ثلاثة:
ـ مبدأ الهوية، حيث يتعين على الفاعل أن يكون قادرًا على تعريف نفسه وفعله ومصالحه؛
ـ مبدأ التعارض، حيث يتعين على الفاعل أن يحدد خصمه بوضوح، أو أن يعرف، بدون التباس، القوة الاجتماعية أو الهيمنة التي يعمل على مواجهتها؛
ـ مبدأ الكلية، حيث يتعين على الفاعل أن يضع فعله في إطار مجتمعي عام، وألا يحصره في معارك جزئية ومادية مباشرة.
إذا ما أسقطنا هذه الشروط على الأحداث التي وقعت مؤخرًا في مدينة سبتة المحتلة، فسوف يتبين لنا أنها غائبة في مجملها. وحتى إذا اتفقنا جدلاً أنها حاضرة بشكل ما، فإن حضورها عام وفضفاض لا يسمح لنا بالحديث عن حركة اجتماعية أو حراك اجتماعي قابل للتكرار بانتظام في المستقبل.
○ أظهرت عمليات التعبئة الأخيرة دورًا محوريًا للشبكات الاجتماعية (تيك توك، واتساب، تلغرام) في تنظيم العبور الجماعي. كيف تُعيد «الرقمنة» تشكيل الفعل الجمعي للهجرة وتجاوز الهياكل التقليدية للوساطة؟
• حتى نتمكّن من فهم ما جرى على الحدود مع سبتة المحتلة، يتعين علينا وضع إطار نظري عام للتحليل؛ ذلك أن الاكتفاء بالوصف، يؤدّي بكل ملاحظ لهذه الأحداث إلى تسجيل تناقضات صارخة: هل يعقل مثلاً أن يحمل شاب يافع أمّه العجوز على ظهره ليعبر بها البحر في ظروف تنعدم فيها احتمالات النجاح؟ ألم يكن الأجدر به أن يؤمّن عبوره المحفوف بالمخاطر أولاً قبل أن يعود إلى أمّه، فينقذها بعد ذلك؟
ماذا يعني أن يردد شباب في مقتبل العمر وأطفال قاصرون ونساء ورجال لا تظهر عليهم مظاهر الفقر المدقع أو القهر الاجتماعي أو حتى الهشاشة الاجتماعية، عبارات ساخطة لا تحيل على شيء بعينه، اللهم إلا أن هذا البلد لا يوجد فيه أي شيء يستحق أن نبقى من أجله؟!
كيف يمكن أن نضع في خانة واحدة ويافطة واحدة، عنوانها ظاهرة الهجرة، مَن يصرّح بأن مشاركته في هذه الأحداث كانت بسبب أن المغرب لا يوفر الحد الأدنى من العيش الكريم لأبنائه، ومَن أعلن بأن مشاركته كانت لخوض تجربة لا تخلو من متعة، كما لو أنه جاء في نزهة، وقاصرون يكفرون بالوطن؟!
إنّ الوقوف بالوصف على تناثر الأحداث وتنافر الآراء والمواقف يبعث حقًا على الحيرة، ويدعونا إلى الذهاب فيما وراء الأحداث. فعلى ما يبدو، إن أحداث سبتة لا تندرج في إطار ظاهرة الهجرة فحسب؛ ذلك أن ما يجمع حقًا كل هذه الأحداث المتناثرة ليس هو الرغبة في العبور، وإنما الرغبة في الظهور. وهذه ظاهرة تندرج في إطار التواصل الاجتماعي العام بوصفه أداة تفاعل بين الأفراد والأجيال والطبقات والإثنيات. وهي لا تعكس واقعا اجتماعيا مزريا، بقدر ما تعكس حالة ذهنية جماعية عامة يمتزج فيها شعور بالإحباط النسبي وبالإقصاء الاجتماعي. إن أحداث سبتة في الظاهر أحداث هجرة، لكنها في الباطن تنمّ عن صدع مجتمعي عام، وعن أزمة مجتمع بوصفه أسلوب تضامن.
إنّ المغرب شهد تطورًا ملحوظًا على مستوى البنية التحتية، ويعتبر عن حق بلدًا صاعدًا على المستوى الاقتصادي. ولعل هذا ما جعل سقف المطالب الاجتماعية يعرف هو الآخر ارتفاعًا. أما الظاهرة الاجتماعية التي ترافق هذا التغير الاقتصادي العام، فهي شعور شريحة اجتماعية مهمة بأنها تقع على هامش التنمية، ولا تستفيد من ثمار نمو اقتصادي في بلد عوّد أبناءه على الصبر خلال فترات الأزمة، حتى يتقاسم الجميع طيب العيش في وقت الرخاء.
إن أحداث سبتة المحتلة هي بمثابة صرخة مَنْ شَعر بخذلان القريب، فخرج ليعبّر عن سخطه وعتابه الحاد الذي قد يقوده إلى الارتماء في جحيم الآخر على أن يتعرض لتجاهل ولا مبالاة القريب. فلسان حال هؤلاء يقول بالدارجة المغربية: «الخدمة مع النصارى ولا جلاس الخسارة» أو باللغة العربية الفصيحة «قهر البعيد أهون من تجاهل القريب ولا مبالاته».
إنّ ما حدث في مدينة سبتة إعلانٌ اجتماعي وصرخةُ عتاب جيلية وهوياتية، وليس هجرة غير نظامية ناتجة عن قهر اجتماعي. وقد سهلت وسائل التواصل الاجتماعي وصول هذا الإعلان إلى من يهمه الأمر؛ فشباب اليوم لا يحتاج إلى الوسائط التقليدية من أحزاب ونقابات في زمن الوسائط الرقمية والفضاء الافتراضي.
○ لوحظ مشاركة أعداد متزايدة من القاصرين والأطفال والنساء. ما الذي يعنيه بالنسبة لبنية الأسرة والمجتمع؟
• إن حضور القاصرين والفتيات بشكل ملحوظ في أحداث سبتة الأخيرة يدفعنا إلى الانتباه إلى مُتغيّر الأسرة بوصفه متغيّرًا تفسيريًا، ليس للهجرة فحسب وإنما للشعور العام باللامبالاة والتجاهل من قبل الفئات التي استفادت من التغيير الاقتصادي في المغرب.
يتجلى التجاهل واللامبالاة في أشكال الانسحاب الاجتماعي ورفض الاختلاط مع الفئات التي لم تكن محظوظة في الاستئثار بمكانة اجتماعية في خضم التغير السوسيو-اقتصادي؛ وهو ما يخلق حالة وعي جمعي بوجود مغربين يسيران بوتيرتين متباينتين، ليس فقط على مستوى اقتصادي، بل على مستوى اجتماعي وثقافي أيضًا.
يفسّر هذا الأمر مختلف أشكال العنف التي تخترق الحالة الاجتماعية عمومًا. غير أن ما يبعث على قلق كبير هو أن يخترق هذا الوعي الهوية ذاتها؛ حينئذ لن تنفع المساحيق والأقنعة في إخفاء الجرح الغائر.
نعم، لقد كان للقاصرين والفتيات والشباب اليافع كلمتهم في هذه الأحداث، لكنني ـ مع ذلك ـ أفترض أن الفاعل الحقيقي وغير المعلن في هذه الأحداث كان هو جيل الآباء والأمهات الذين باتوا يدفعون أبناءهم إلى التماس أقصر الطرق إلى النجاح وأسرعها، حتى لا يكرر الأبناء خيباتهم. لقد آمن جيل الآباء بالقيم النبيلة المبنية على التفاني في خدمة الوطن، لكنهم عايشوا وعاصروا في زمن الرداءة استفادة التافهين وجنيهم ثمارًا لم يغرسوها ويعتنوا بها بأيديهم، وعاصروا إعلامًا يبرز نماذج النجاح السريع من دون مجهود، ويحتفي بها ويقدم أصحابها نماذجَ للاقتداء بها في بناء المستقبل، أو قل في السطو على المستقبل. وها هم الآن صاروا، من هول الصدمة، يتواطؤون مع أبنائهم في تثمين الغش في الامتحان، والرغبة الجامحة في الوصول من دون استحقاق، والكفر بالوطن عمومًا.
○ كيف تؤثر سيرورة «العبور المؤجل أو الفاشل» على المدن والمناطق الحدودية مثل الفنيدق وتطوان؟
• إذا كانت الحرب هي الوضعية الصريحة التي تعبّر عن إخفاق الدول/ الأمم في الحفاظ على التوازن والعيش المشترك فيما بينها، فإن الهجرة غير النظامية، بالنسبة لي، وضعية كاشفة في العمق عن حرب باردة بين الأوطان، وكذلك المنافسات الرياضية التي يمثل فيها المتنافسون بلدانهم، فهي الأخرى تعبّر عن حروب كامنة.
وبالفعل، لم يدخر المعلّقون الرياضيون في يوم من الأيام العبارات الدالة على الحرب في توصيفهم لأحداث المباريات الرياضية، كما استعمل مصطلح «الغزو» بكرم كبير في توصيف أحداث سبتة.
ومن ثمّ، يمكن أن نقول إن أحداث العبور بين الأوطان تشهد في وجهها غير النظامي على تصادم عالمين: عالم أحادي المعنى مدعوم بالتقنية والعقلانية الأداتية والعولمة الاقتصادية، وعالم متعدد المعاني ومزركش الألوان تحكمه الهوية ويحافظ على التراث. يتعلق الأمر، إذنْ، بالمواجهة التي باتت تُهيْكل العالم الحديث، والتي تتمثل في التعارض بين الشبكة والهوية على حد تعبير مانويل كاستلز.  بين العالمين المذكورين عبور من هنا وهناك: عالم الشبكة يهفو إلى عالم الهوية ويطلبه، بينما عالم الهوية والتراث يأمل في أن يشد الرحال إلى عالم الشبكة. أما إذا كان يظهر أن العبور من عالم الهوية إلى عالم الشبكة هو البارز أكثر وكأن الرغبة في العبور العكسي غائبة تماما، فلأن حركة البشر في زمن العولمة ليست متكافئة ولا تستأثر بالحرية التي تستأثر بها حركة السلع والبضائع بين الضفتين. وإلا سيكون لزامًا علينا، كيما نثبت أن التوازن بين العالمين موجود حقًا، أن نعمل على قياس التدفق بين العالمين سواء النظامي أو غير النظامي.
وتبقى فردوسية الغرب، على كل حال، حقيقة خالصة لمن ينظر إليها من وراء الحدود من على أراضي تطوان والفنيدق والمضيق، وسحر الشرق الغامض والملغز ومتعدد الدلالات والألوان حقيقة لا يشوبها شائبة لمن ينظر إليها من السواحل الإسبانية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *