ما التلفزيون؟! لا يزالون في مصر بحاجة إلى التعرف على ماهية الإعلام؟!


فبينما تحتفل مصر بالذكرى السادسة والستين لبدء إرسال التلفزيون، يبدو معنى التلفزيون غامضًا، ويحتاجون إلى إعادة اختراع الدراجة. إنهم، يا إلهي، يبحثون تطوير الإعلام، وينتهون من ذلك، أو هكذا يشيعون، ثم يبدأون من جديد، فلا إعلامًا طوروا، ولا ندًا كادوا (من المكايدة)، ليصبح إعلامهم عبئًا على سمعة مصر وتاريخها. فبعد كل هذه السنوات من إصدار أول صحيفة مصرية، وبعد كل هذا العمر من إطلاق الإذاعة، وبعد 66 عامًا من إطلاق التلفزيون، يعيشون فشلًا مطاعًا، فأي مأساة تلك؟!
لقد انطلق بث التلفزيون المصري في 21 الشهر الجاري، أي قبل مولدي في ست سنوات، وكان يطلق عليه «التلفزيون العربي»، فتغير اسمه، وتبدلت أحواله، وخرجت أنا على التقاعد، ثم جاء خلق ينظرون إليه ويتأملون، ثم يتأملون ويفكرون: فكيف يمكننا أن نصلح حاله، وحال الإعلام المصري بشكل عام؟! وتطلق المبادرات، وتعقد اللجان، ثم لا شيء يتحقق، فتطلق المبادرات من جديد!

لجنة رشوان للتطوير

من قبل، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مبادرة لتطوير الإعلام، وكلف الهيئات الإعلامية الثلاث بالمهمة، وشكل رئيس الحكومة لجنة للهدف صعب المنال، وبعد لجان واجتماعات متعددة، غاب عنها أهل الخبرة والدراية، تم الإعلان عن الانتهاء من وضع مقترحات لم تذع على العامة، وكأنها قرارات لتنظيم سري، لا لمؤسسات دولة. وقد أطلق الرئيس مبادرة جديدة، وكلف بها وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان!
وقد اجتمع رشوان، الأسبوع الماضي، مع رؤساء الهيئات الإعلامية الثلاثة، وقرر تحديد يوم 3 ديسمبر/كانون الأول لبدء المهمة، فما الجديد الذي سيقدمه هؤلاء الثلاثة، وقد سمعنا منهم طحنًا، ولم نر طحينًا؟! ولماذا الانتظار خمسة شهور؟! فإذا أضفنا إليها الوقت السابق منذ إطلاق المبادرة إلى الشهر الفضيل، الذي تقرر أن يشهد اجتماعات التطوير، لكانت فترة كافية للحمل والولادة لجنين مكتمل النمو!
مع المبادرة الأولى، تحفظت على أن يتم تكليف أدوات الفشل بمهمة التطوير؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن هناك تضارب مصالح لهؤلاء مع فكرة التطوير، فلن تمر في وجودهم، فهم إفراز لهذا الفشل، ولولاه لما كان لهم أن يتصدروا المشهد، وأن يتخطوا الرقاب، وأن يكون لهم وجود. ولهذا هم يستهلكون الوقت، ثم يضعون تصورات هلامية يستحون من عرضها على الناس، لتظل حبيسة الأدراج، وكلي ثقة بأنها، عندما يأتي وقت الإعلان عنها، ستكون من الغرائب. كان هناك برنامج تذيعه إحدى القنوات المصرية، الأولى وربما الثانية، اسمه «غرائب وطرائف»، ولا أعرف إن كان لا يزال يذاع إلى الآن، أم توقف؛ لأن الطريف والعجيب لم يعد استثناءً في هذه المرحلة!
وتأجيل موعد انعقاد الحوار الوطني حول تطوير الإعلام إلى شهر ديسمبر/كانون الأول هو أول خطوة في استهلاك الوقت، فتكون المبادرة نفسها قد ماتت وشبعت موتًا، وفقدت الرئاسة الحماس لها، لتكون الاجتماعات بعد ذلك تحصيل حاصل، وترفع المقترحات إلى مقابر السلطة، حيث مجلس الوزراء، في انتظار مبادرة ثالثة. وهناك مبادرة أخرى رقدت على رجاء القيامة، هي الخاصة بالحوار الوطني!

مدى جدية الرئيس

لا أشكك في جدية الرئيس وهو يطلق المبادرة، لكن المفهوم والأهداف ليسا واضحين، فأول ما يتبادر إلى الذهن من مبادرة تطوير الإعلام هو تحقيق درجة ما من الحرية الإعلامية، ولو بالعودة إلى حدود ما قبل يناير/كانون الثاني 2011، وفي اعتقادي أن هذا ليس هو المطلوب مع إطلاق المبادرتين الأولى والثانية.
فكيف نسلم بذلك، ولا تزال بعض المواقع محجوبة، ويمنع صحافيون وإعلاميون من العودة إلى بلادهم، أو تجديد جوازات سفرهم، وكل ما قالوه هو رأي، وليس تحريضًا على الثورة أو حمل السلاح؟!
ولا شك أن الضيق من قناة وحيدة يتيمة، ومن برنامج أو اثنين على الأكثر بها، هو إعلان هزيمة وعجز للإعلام في الداخل في معركة المنافسة، مع أن أهل الحكم يملكون ترسانة إعلامية من صحف، وإذاعات، وقنوات تلفزيونية، ومواقع إلكترونية! لم يرمِ نظام الحكم بياضه، ولو من باب المزايدة، ليثبت جديته في أن التطوير المطلوب هو على النحو الذي يعتقده البعض، وهو سقف حريات مرتفع. ولكن ما أفهمه، والحال كذلك، أن المطلوب هو كيفية الوصول إلى إعلام ناجح، يجعل الناس تنصرف عن الإعلام الخارجي، ولأن المنوط بهم وضع الحلول لم يسألوا عن المقصود من المبادرة، ليتصرفوا على أساس ذلك، فهم يعلمون أنهم سيفرغونها من مضمونها، لتكون مجرد اجتماعات تفضي إلى لا شيء.
ولو صح ما فهمته من المبادرة، فإن إطلاقها إقرار بفشل المنظومة الإعلامية، مع هذا الإنفاق الهائل عليها، وأول خطوة هي نسف هذه المنظومة بشكل كامل، وهناك أصحاب مصالح في استمرارها، وهم المكلفون بتنفيذ مبادرة الرئيس.

الحرية أم الصنعة؟

إن وضع العربة أمام الحصان يعني الإفشال المتعمد للمبادرة، فإذا قيل إن الأزمة في غياب الحريات، فإن هذا وحده كفيل بطي الملفات؛ لأنه لا رغبة حقيقية في ذلك من جانب نظام يحجب المواقع، ويعادي الرأي الآخر، ويمنع جوازات السفر عن المعارضين، فلن يرفع سقف الحريات ولو سنتي متر. لكن هل هذا فعلًا هو سبب الأزمة؟! وللدقة: هل هذا وحده هو السبب في تراجع إعلام السلطة؟! الواقع أن الأزمة، في أساسها، ترجع إلى الاعتماد بشكل كامل على جيوش من معدومي الكفاءة، وقد تبوأ أهل الثقة المواقع العليا في الصحف، والقنوات التلفزيونية، والمحطات الإذاعية، وفشلت محاولة صناعة أذرع إعلامية على مدى ثلاثة عشر عامًا.
فكنا أمام مخلفات عهد مبارك، بينما من يديرون هم عناصر مختارة من الجيل الجديد، لم تسجل حضورًا على أي صعيد، وقيمتهم أنهم يسمعون الكلام على أنه أوامر، ومن يصدر الأوامر غريب عن المجال. فمتى يؤمنون أن الإعلام مهنة وصنعة؟! وكم يحتاجون من وقت لكي يفهموا هذه البديهية؟!
إن الإعلام المعارض لم يكن هو الأساس في عهد مبارك، فالأساس هو الإعلام الرسمي بإمكاناته وكوادره، ولم تنجح صحف «أخبار اليوم» و»الأهرام»، مثلًا، لأنها معارضة، ولم يكن إبراهيم سعدة يكتب في «الوفد»، ولم يكن إبراهيم نافع رئيس تحرير «الأهالي»، لسان حال حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، إلخ، ولم يكن برنامج «صباح الخير يا مصر»، في فترته الذهبية، يقدم الرأي الآخر، ولم يكن برنامج «البيت بيتك» معارضًا لمبارك، لكنها الحرفة الحاضرة.
ومن لم يسجل فيها كرامة، كانت قيمته في الوعي بأهمية المهنيين، واضرب مثلًا بإبراهيم نافع في «الأهرام»، ومحمد الوكيل في قطاع الأخبار في التلفزيون المصري! وإذا خلصت حوارات لجنة المبادرة إلى هذه الحقيقة، فمعناه طلب التسريح من الرئيس، وإلزام البيوت، لذا فمع كل مبادرة لا بد من استهلاك الوقت، وتصوير الواقع بالمعقد، لإفشالها، في انتظار مبادرة جديدة!
عشية اجتماع وزير الدولة للإعلام مع رؤساء الهيئات الإعلامية الثلاثة، لمناقشة مبادرة الرئيس، صرح أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام: «لم نعد ننتظر عودة ماسبيرو.. لقد عدنا بالفعل». وما معنى المبادرة، وما قيمة الاجتماعات، إذا كان المسلماني يتصور أن هذا الغياب هو الحضور القوي، وأن السباحة هي الوقوف تحت المطر، وترديد أغنية العندليب: «إني أغرق، أغرق، أغرق تحت الماء»؟!
لقد بانت لبتها!

أرض – جو

• الشكر موصول لقناة «العربية»، فقد ذكرتنا بعظيم التربة، وبالمغفور لها بإذن الله تعالى، جبهة الإنقاذ، التي قامت بالجهد الأكبر في حشد يوم 30 يونيو/حزيران، وفي ذكراه العطرة هذا العام نسيها الإعلام المصري، فقد كان التركيز، حتى في «البودكاست»، على الحركة الشبابية «تمرد»، وكأنها هي من قامت بالثورة، ولم تكن إحدى اللاعبات على الإيقاع الموسيقي لجبهة الإنقاذ. فحتى ائتلاف ضباط الشرطة، الذي كان ملح ميدان التحرير، اختفى، ولم يُذكر أي دور سوى للفتى محمود بدر وصاحبيه، وكأنهم كل «تمرد»
«العربية» وحدها هي من انفردت بتقرير ذكرتنا فيه بالفقيدة جبهة الإنقاذ، التي تبخر قادتها، وصاروا في حال يصعبون فيها على الكافر، وقد ألزمتهم المرحلة الجديدة البيوت، وحولتهم إلى ولايا.. جمع ولية.
فالشكر واجب لقناة «العربية»، فلولاها لكنا شهودًا على تزوير التاريخ في حياتنا، فماذا يمكن أن يحدث إذا رحلنا عن هذه الدنيا الفانية؟!
رحم الله جبهة الإنقاذ، ولا عزاء للسيدات.

 صحافي من مصر



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *