ماذا وراء جهود روبيو لمكافحة اليسار العابر للحدود وتصنيفه إرهابيا؟


لندن- “القدس العربي”: قالت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير أعدته إيلين ناكشيما وجون هدسون وآدم تايلور، إن انشغال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بفكرة مكافحة إرهاب اليسار المتطرف العابر للحدود يثير قلق مسؤولين أمريكيين وأوروبيين.

ويخطط روبيو لعقد اجتماع لوزراء بارزين ووزراء خارجية دول الأسبوع المقبل في واشنطن لمناقشة الفكرة. ووجه روبيو الدعوة لأكثر من 60 دولة لكي تشارك في اجتماع الأسبوع المقبل لمناقشة ما تعتبره إدارة ترامب خطرا كبيرا: “عودة ظهور الإرهاب اليساري المتطرف العابر للحدود”، وذلك وفقا لوثائق اطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”.

وتضيف الصحيفة أن مسؤولين أمريكيين من أصحاب الخبرة وسياسيين، وبعض الحلفاء الأوروبيين ومحللين مستقلين، لا يتفقون مع هذا الرأي بشأن حجم التهديد.

وجه روبيو الدعوة لأكثر من 60 دولة لكي تشارك في اجتماع لمناقشة ما تعتبره إدارة ترامب خطرا كبيرا: “عودة ظهور الإرهاب اليساري المتطرف العابر للحدود”

وأفاد بعض المسؤولين الأمريكيين لصحيفة “واشنطن بوست” أنهم يخشون أن يكون هذا الاجتماع جزءا من مساعي إدارة ترامب لاستخدام أدوات مكافحة الإرهاب القوية لقمع النشطاء الأمريكيين الذين تعتبرهم متطرفين يساريين. وأجرى سيباستيان غوركا، المسؤول عن مكافحة الإرهاب في الإدارة، مناقشات مع زملائه حول استخدام مصطلحات الإرهاب الأجنبي لوصف حركة “أنتيفا” (مكافحة الفاشية) لتبرير ملاحقة الأمريكيين المرتبطين بهذه الحركة، وهي تجمع فضفاض من نشطاء اليسار المتطرف الذين يعارضون الفاشية والأيديولوجيات اليمينية بشدة.

وقال مسؤول أمريكي في مكافحة الإرهاب، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الارتباط بجماعات إرهابية أجنبية “يتيح استخدام أدوات تحقيق معينة”، كالمراقبة. ولم يجب غوركا على طلب التعليق.

وصرح تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، بأن الفعالية نظمت لأن الإرهاب اليساري المتطرف “تهديد قديم يعاود الظهور بروابط عابرة للحدود وتحالفات جديدة”.

ونقل عن مسؤول في إدارة ترامب قوله بأن بعض المسؤولين يخشون أن تستخدم إدارة ديمقراطية مستقبلية هذا التكتيك ضد النشطاء المحافظين. وقال المسؤول: “الفكرة هي ترسيخ سابقة لإدارة غافين نيوسوم المستقبلية لاستخدام هذه الصلاحيات ضد المحافظين”، في إشارة إلى حاكم كاليفورنيا الذي يتوقع على نطاق واسع ترشحه للرئاسة عام 2028.

وأضاف المسؤول أن استخدام هذه التكتيكات أثار مخاوف بين المسؤولين السياسيين والمهنيين في وزارة العدل ومكتب مستشار البيت الأبيض، مشيرا إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين قرروا عدم حضور فعالية 16 يوليو/تموز في وزارة الخارجية.

وردا على طلب للتعليق، قال مسؤول في البيت الأبيض إن وصف هذه المخاوف “لا يعكس الشعور السائد في البيت الأبيض”، واتهم الديمقراطيين بتسخير أدوات الأمن القومي ضد خصومهم السياسيين المحافظين.

فيما أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى فقرة في استراتيجية مكافحة الإرهاب لإدارة ترامب، الصادرة في مايو/أيار، والتي تنص على: “لن نسمح بتسخير قدرات أمريكا الفريدة في مجال مكافحة الإرهاب لأغراض حزبية”. وتنص الوثيقة أيضا على أن “صلاحياتنا في مكافحة الإرهاب لن تستخدم لاستهداف مواطنينا الأمريكيين لمجرد اختلافهم معنا”.

ومثل غوركا، يعد نائب رئيس طاقم البيت الأبيض، ستيفن ميلر، من بين الذين أبدوا حماسا لتبني نهج متشدد تجاه المتطرفين اليساريين في الولايات المتحدة. وخلال اجتماع مائدة مستديرة في البيت الأبيض الخريف الماضي، أعرب عن تأييده لتصنيف حركة “أنتيفا” منظمة إرهابية أجنبية.

إلا أن الخبراء يرون أن تحقيق هذا التصنيف لحركة “أنتيفا” سيكون أمرا صعبا، حيث يشترط القانون الأمريكي أن تكون الجماعة أجنبية ليتم تصنيفها.

وقال جيسون بلازاكيس، الذي أدار عملية تصنيف الجماعات الإرهابية في وزارة الخارجية لمدة عشر سنوات قبل مغادرته منصبه عام 2018: “لا يمكن تصنيفها إذا كان لها أي وجود محلي كبير”.

وفي أماكن أخرى من الحكومة، بلغ الاستياء من توجه الإدارة حدا دفع بعض محللي الاستخبارات، خلال اجتماعات مسؤولي الأمن القومي من مختلف الوكالات، إلى رفض تقديم إحاطات حول حركة “أنتيفا” لأنهم لا يعتبرونها تهديدا خطيرا لمكافحة الإرهاب، وفقا لمصدر مطلع على الأمر.

أعرب مسؤولون من بعض الحكومات الأجنبية عن استيائهم من دعوة روبيو، مشيرين إلى ما وصفوه بأهدافها المبهمة وقصر مدة الإشعار

وأعرب مسؤولون من بعض الحكومات الأجنبية عن استيائهم من دعوة روبيو، مشيرين إلى ما وصفوه بأهدافها المبهمة وقصر مدة الإشعار. وقالوا إن الدعوة، التي اطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، صدرت الأسبوع الماضي، وكان الموعد النهائي للرد عليها يوم الجمعة المقبل. وأبلغ عدد منهم الصحيفة أن وزير خارجية أو وزير داخلية بلادهم من غير المرجح أن يحضر، نظرا لجدول أعمالهم الدبلوماسي المزدحم خلال الصيف، والذي يتضمن مؤتمرا أمنيا سنويا الأسبوع المقبل في أسبن، كولورادو. وقال البعض أيضا إنهم غير متأكدين من سبب دعوتهم. وقال دبلوماسي أوروبي: “ليس لدينا حركة مناهضة للفاشية”.

وتضمنت قائمة المدعوين، التي اطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، معظم الدول الأوروبية، ودولا كبيرة في أمريكا اللاتينية، وعدة دول آسيوية، من بينها الهند وإندونيسيا وسنغافورة. ولم ترد وزارة الخارجية على طلب لفهم كيفية إعداد قائمة المدعوين.

ولم يخف الرئيس دونالد ترامب ازدراءه لحركة “أنتيفا”، بل وصل به الأمر إلى إصدار أمر تنفيذي في الخريف الماضي يصنفها فيه “منظمة إرهابية محلية”، وهو وصف كلامي يقول الخبراء إنه لا يحمل أي صفة قانونية. وأصدر ترامب الأمر بعد مقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك، الذي ساهمت جهوده في حشد أصوات الشباب في عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

وأعقب الأمر إصدار المذكرة الرئاسية رقم 7 للأمن القومي، التي وجهت وزارة العدل إلى “التحقيق في الشبكات والكيانات والمنظمات التي تحرض على العنف السياسي وتعطيلها”. ومكافحة الفاشية (أنتيفا) هي حركة لا مركزية تفتقر إلى هيكل قيادي واضح أو قائد، وتعكس طيفا واسعا من الأيديولوجيات، معظمها على اليسار السياسي من الفوضوية إلى الشيوعية، وكل ما بينهما. وعلى عكس الجماعات اليسارية المتطرفة في الستينيات والسبعينيات، مثل جماعة “ويذر أندرغراوند”، لا تصدر مناهضة الفاشية بيانات ولا تتبنى مسؤولية أفعالها.

وعلى الرغم من وجود تصاعد طفيف في العنف السياسي في الولايات المتحدة، إلا أن “التطرف العنيف اليساري، حتى الآن، كان أقل تطرفا من غيره”، وفقا لما ذكره قسم مكافحة الإرهاب في مجلس العلاقات الخارجية.

وتصف “مذكرة مفاهيمية” أرسلت إلى المدعوين والدبلوماسيين الأمريكيين هذا الأسبوع، واطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، فعالية الأسبوع المقبل بأنها اجتماع وزاري حول “عودة الإرهاب السياسي”. لكنها توضح أن التركيز ينصب على “الإرهابيين اليساريين المتطرفين” الذين، بحسب المذكرة، “يلجأون بشكل متزايد إلى العنف المنظم والقاتل لتحقيق أهدافهم السياسية”.

وتضيف المذكرة أن الاجتماع الوزاري يمثل فرصة لتعزيز التعاون في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية وإنفاذ القانون. إلا أن خبراء مكافحة الإرهاب قالوا إن هذا التأطير يضخم التهديد الذي يشكله المتطرفون اليساريون ويقلل من شأن حجم التحدي الحقيقي في مكافحة الإرهاب بشكل عام.

ويقول كولن ب. كلارك، المدير التنفيذي لمركز صوفان، الذي أدلى بشهادته أمام الكونغرس في مناسبات عديدة كشاهد خبير في قضايا الإرهاب: “هذا تسييس للاستخبارات، وهو أمر خطير لأنهم يمارسون السياسة الحزبية في مكافحة الإرهاب ولا ينظرون إلا إلى جزء ضئيل من التهديد الإجمالي”. ويقول العديد من مسؤولي مكافحة الإرهاب الحاليين والسابقين في إدارات جمهورية وديمقراطية، بالإضافة إلى أوروبيين أنفسهم، إن تركيز إدارة ترامب غير مناسب.

تضمنت قائمة المدعوين، التي اطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، معظم الدول الأوروبية، ودولا كبيرة في أمريكا اللاتينية، وعدة دول آسيوية

وقال مسؤول سابق عمل في كلتا الإدارتين: “كان الأوروبيون أكثر قلقا بشأن الإرهاب اليميني منه بشأن الإرهاب اليساري” في إدارة ترامب الأولى وإدارة بايدن. ولا يزال هذا هو موقف معظم الأوروبيين، وفقا لمسؤولين أمريكيين وأوروبيين.

وعقدت وزارة الخارجية الأمريكية في نهاية أيار/مايو اجتماعا في لاهاي حول حركة “أنتيفا” والإرهاب اليساري، ضم مسؤولين عن إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب من دول أوروبية في الغالب، وفقا لشخصين مطلعين على الحدث. وذكر أحدهما أن هولندا رفضت المشاركة في استضافة الاجتماع، لذا عقد في السفارة الأمريكية هناك. وبحسب هذين الشخصين، لم يحقق الاجتماع النجاح المرجو. وقال أحدهما إن العديد من المدعوين قالوا: “لا نرى الأمور من وجهة نظركم”. وفي أوائل يونيو/حزيران، عقد اجتماع آخر في معهد السلام الأمريكي في محاولة لإقناع مسؤولي وزارة الخارجية بأن “الإرهابيين السياسيين اليساريين المتطرفين” يشكلون تهديدا متزايدا للبلاد، إلا أن هذا الاجتماع أيضا لم يحقق النجاح المأمول، وفقا لـ”باك نيوز”.

ولم يثن ذلك وزارة الخارجية الأمريكية، فأرسلت في منتصف يونيو/حزيران برقية إلى أكثر من 20 سفارة أمريكية، من الأرجنتين والمكسيك إلى إيطاليا وألبانيا، تطلب فيها معلومات عن جماعات متطرفة يسارية، وفقا لشخصين مطلعين على الأمر. وقد ردت عدة سفارات، لكن لم تبد أي منها موافقتها على تقييم الإدارة الأمريكية للتهديد، بحسب أحد المصدرين.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت وزارة الخارجية تصنيف أربع جماعات أوروبية كمنظمات إرهابية أجنبية، من بينها جماعة متشددة في ألمانيا تطلق على نفسها اسم “أنتيفا أوست”، وجماعتان أخريان في اليونان وواحدة في إيطاليا.

ويستند هذا التصنيف، الذي يجريه وزير الخارجية، إلى معايير تشمل تقييما بأن الجماعة تشكل تهديدا مباشرا لمصالح الأمن القومي الأمريكي. وقد قوبل تصنيف الجماعات الأربع بتشكيك من قبل الخبراء.

كما لم تر السلطات الألمانية تهديدا يذكر، وصرح متحدث باسم وزارة الداخلية للصحافيين في تشرين الثاني/نوفمبر: “تشير تقديرات السلطات الأمنية إلى أن التهديد المحتمل الذي تشكله هذه الجماعة قد انخفض بشكل ملحوظ مؤخرا”، مشيرا إلى أن قادة حركة “أنتيفا أوست” وأعضاءها الأكثر عنفا إما رهن الاحتجاز أو قد أدينوا بالفعل.

وقد امتنعت الحكومات الأوروبية في معظمها عن تصنيف “أنتيفا” كمنظمة إرهابية، على الرغم من الضغوط التي تمارسها أحزاب اليمين المتطرف. ففي هولندا، رفضت حكومة يمين الوسط اقتراحا برلمانيا بتصنيف “أنتيفا”.

ويتسق خطاب الإدارة مع لغة استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب، التي تدعو إلى “التحديد السريع للجماعات السياسية العلمانية العنيفة وتحييدها، والتي تتبنى أيديولوجية معادية لأمريكا، ومؤيدة بشدة للمتحولين جنسيا، وفوضوية”.

ولا تشير هذه الاستراتيجية، على عكس استراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2018 الصادرة في ولاية ترامب الأولى، إلى الجماعات القومية النازية الجديدة ذات “الآراء المعادية للغرب” التي هاجمت المسلمين والجماعات اليسارية. وعلق كلارك من معهد صوفان: “لو كنت سأرتب الأولويات، لما كان الإرهابيون اليساريون ضمن أولوياتي الثلاث”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *