عندما يحدِّق الكاتب في صفحةٍ بيضاء، كأن الأدب بأسره يحدِّقُ فيه بالمقُابل. فلماذا إذن نترك الصفحة خالية كما هي؟ في عام 1927، كانت الكاتبة الروائية فرجينيا وولف تتصفَّحُ نسخةً تجريبيةً من كتابها الجديد ”إلى المنارة”، وكانت صفحاتها خالية تماما، فقالت إنها ”أفضل رواية كتبتها في حياتي”. لم تكن تمزح تماما، إذ كانت تدرك أن تلك الصفحات البيضاء ستكون مقروءة بوضوحٍ لدى فيتا ساكفيل ‑ ويست، التي وُجِّهت إليها هذه العبارة على الصفحة الأولى. فلا بد أن فيتا ستفهم ما ظلَّ غير مصرحٍ به، وما لم يكن بالإمكان الإفصاح عنه علنا: شوق وولف إليها.
كما نستخلص قراءة نسوية أكثر شمولية من تلك الدعابة الخاصة بين الصديقتين. كما أشارت الناقدة الأدبية سوزان جوبار عام 1981 إلى أن هناك كُتَّابا مثل مالارميه وميلفيل لجأوا إلى صورة الصفحة البيضاء للتعبير عن معضلاتهم الإبداعية، استثمرتها الكاتبات لكشف الطريقة التي جرى بها تعريف المرأة رمزيا في المجتمع الذكوري بوصفها صفحةً بيضاء، ناقصةً ومنفيَّةً وغائبةً.
وفي كتابها ”تقنيات الجندر” (1987)، تقول تيريزا دي لاوريتيس، إن صورة ”الصفحة البكر التي تنتظر أن يخصِّبها قلم الكاتب” هي «كليشيه شهير في الأدب الغربيِّ». وربما كانت وولف تضع كل هذا في اعتبارها أيضا، لكن ماذا لو أخذنا عبارتها على ظاهرها؟ ماذا لو كانت تلك الصفحات البيضاء بالفعل أفضل رواية كتبتها؟ بل أفضل رواية يمكن أن تكتبها على الإطلاق، رواية يمكن تخيُّلها لكن يستحيل إنجازها؟
في عام 1975، أعلن الفنان المفاهيمي المكسيكي أوليسيس كاريون: ”أجمل كتاب وأكثره كمالا في العالم هو كتابٌ لا يحتوي إلا على صفحاتٍ بيضاء، كما أن أكمل لغة هي تلك التي تتجاوزُ كل ما يمكن لكلمات الإنسان أن تقوله”. لم يكن يمزح كما فعلت وولف. كان يشير إلى ما يُفقد في المسافة بين الفكرة وتنفيذها: إلى استحالة نقل العمل كما يتشكَّل في الذهن نقلا أمينا إلى ما يستقر على الصفحة. ولهذا عرَّف الناقد جورج شتاينر عام 1984 ”الكتاب الجاد” بأنه ”كتاب كان ينبغي أن يكون أفضل”، وهو إحساسٌ يردده معظم الكُتَّاب الحقيقيين؛ فكل كتاب هو ”قناع موت لفكرته الأولى (فالتر بنيامين)، و”حطام فكرة كاملة” (آيريس مردوخ)، و”خيانة لكل كمال” (ديفيد فوستر والاس)، و”نسخة رديئة ومضحكة مما تخيَّلته” (توماس برنهارد).
لعلَّ أشهر الصفحات البيضاء في تاريخ الأدب هي تلك التي وردت في رواية لورنس ستيرن ”تريسترام شاندي” (1759–1767)، ولا سيما الصفحة التي يدعو فيها القُرَّاء إلى أن يرسموا بأنفسهم صورة الأرملة ”وإدمان” الفاتنة:
”اجلس، سيدي، وارسمها كما تتخيلها أنت ـ اجعلها شبيهةً بعشيقتك قدر ما تستطيع ـ ومختلفةً عن زوجتك بقدر ما يسمح به ضميرك”. كانت الصفحة البيضاء في مخيِّلة ستيرن الخصبة، فسحةً يترك فيها العنان للخيال، وفي الوقت نفسه وسيلةً لزعزعة سلطة المؤلف نفسه، وتسليط الضوء على هشاشة ضرورة السرد الروائي. ويُقال إن الكتب البيضاء ظهرت في أساطير شرقية منذ قرونٍ، غير أنها ـ رغم سابقة ستيرن ـ لم تشق طريقها إلى رفوف المكتبات إلا في القرن العشرين.
وتضمُّ مختارات الشاعر والفنان مايكل جيبس للكتب البيضاء، ”كلٌّ أو لا شيء” (2005)، مقتطفات من 23 عملا خاليا جزئيا أو كليا من النصوص، وإن كانت المقدمة المطوَّلة تشيرُ إلى أعمالٍ أخرى كثيرة. وجميع المقتطفات متشابهة في فراغها التام من الكتابة، باستثناء العنوان وتاريخ النشر واسم المؤلف، الموضوعة جميعها بشكلٍ خفيٍّ في أسفل كل صفحةٍ يسرى. ومعظم هذه الأعمال تجارب فنية أو شعرية طليعية، غالبا ما تتخللها نزعات صوفية أو فلسفية.
في كتابه ”محاضرات في الأدب” (1980)، يكتب الشاعر الروسي فلاديمير نابوكوف: ”الصفحات ما تزال بيضاء، لكنْ ثمة إحساس إعجازيّ بأن الكلمات كلها موجودة هناك، مكتوبة بحبرٍ خفيٍّ، وتلحُّ لكي تظهر إلى العلن”.
إنَّ الغياب الذي تجسِّده الصفحة البيضاء غيابٌ ملتبس بطبيعته: لكن أهو غياب كلماتٍ لم تُدوَّن بعد، لكنها تحوم مكتملة التشكُّل في الأفق؟ أم هو غياب كلماتٍ مُحيت، أو كُبتت، وربما أُقصيت عمدا؟
وغالبا ما يُنظر إلى هذا الفراغ بوصفه أرضا مجهولةً، كما في الخريطة البيضاء في ”صيد السَّنَارك” (1876) للويس كارول، غير أنَّه يمكن أيضا تصوُّره كخطٍّ طباشيريٍّ في مسرح جريمة، يحدِّدُ الموضع الذي كان يشغله جميع مؤلفي الماضي.
وفي كتاب ”كلا، بل بالأحرى” (2013)، تعيد الشاعرة آن كارسون صياغة النقاش من خلال استعارة اللوحة البيضاء:
”عندما يقترب فرانسيس بيكون من قماشٍ أبيض، فإن سطحه الخالي يكون ممتلئا سلفا بكل تاريخ الرسم حتى تلك اللحظة؛ إنَّه تكثيفٌ لجميع كليشيهات التمثيل القائمة في عالم الرسام، وفي ذهنه، وفي احتمالات ما يمكن إنجازه على هذا السطح. ثمة شاشات قائمة تحجب الرؤية، وتجعل من العسير أن يرى المرء غير ما يتوقَّع أن يراه، وأن يرسم ما ليس حاضرا من قبل”. إن ما يسمِّيه الفرنسيون ”قلق الصفحة البيضاء”، أي حبسة الكاتب، يعودُ بقدر ما يعود إلى رهبة الحرية، وإلى قلق التأثر بمن سبق. تكتب لافينيا جرينلو ”حتى الصفحة الفارغة ليست فارغة”، في ”بعض الأجوبة بلا أسئلة” (2021)، مقتفيةً أثر ميشيل دو سيرتو الذي يؤكد في ”ممارسة الحياة اليومية” (1980) أننا ”لا نكتب قط على صفحةٍ بيضاء، بل دائما على صفحةٍ سبق أن كُتب عليها”.
وهكذا، فإن الصفحة البيضاء، وهي دوما، على نحوٍ ما، صفحة ممسوحة فوق كتابة سابقة، تذكِّرني بمقطوعة جون كيج الشهيرة ”4’33””، (1952)، المؤلفة من ثلاث حركات يُطلَب فيها من العازفين ألَّا يعزفوا نغمة واحدة. هذا العمل الموسيقي الذي يبدو صامتا، وقد استُلهم من سلسلة اللوحات البيضاء الحيوية لروبرت راوشنبرج ”اللوحات البيضاء” (1951)، يشيرُ في الحقيقة إلى استحالة الصمت، إذ يفسح المجال للأصوات المحيطة كي تتقدَّم إلى السمع.
أما سوزان سونتاج، ففي مقالها ”جماليات الصمت” (1967)، فتلاحظ أن ”اختيار الصمت الدائم”، الذي اتخذه أمثال رامبو لا ينفي أعمالهم، لكن يمنحها بأثرٍ رجعيٍّ قوةً وسلطةً إضافيتين؛ إذ يصبح التبرؤ من العمل مصدرا جديدا لشرعيته، وشهادةً على جديته التي لا تقبل الطعن. وهذه الجدية تقوم على عدم النظر إلى الفن (أو إلى الفلسفة حين تُمارَس كفنٍّ، كما عند فيتجنشتاين) بوصفه شيئا تدوم جديته إلى الأبد، أو غايةً قائمة بذاتها، أو وسيلةً دائمة للطموح الروحي. فالموقف الجاد حقا هو الذي يرى الفن وسيلةً لشيءٍ قد لا يُنال إلا بالتخلِّي عنه؛ وبحكمٍ أكثر استعجالا، قد يُعدُّ الفن طريقا زائفا، أو بتعبير الفنان الدادائي جاك فاشيه، حماقة.
وثمَّة استجابة ثالثة، أشد مباشرةً، لكتَّاب الصفحات البيضاء، ترى أن مرحلة الكتابة فائضة من الأصل. يشير جيبس، محرِّر مختارات ”كلٌّ أو لا شيء”، إلى أن تكبُّد عناء إنتاج كتبٍ بيضاء فعلًا ”يشهد على إيمان بما لا يُقال”، وهذا الإيمان نفسه هو ما دفع خورخي لويس بورخيس إلى القول، ”يكفي أن يكون الكتاب ممكنا كي يوجد”. وحتى شتاينر كان يرى أن ”الكتاب غير المكتوب أكثر من فراغٍ”. أما بلانشو، فقد عدَّ المفكِّر وكاتب المقالات جوزيف جوبير من أوائل الكُتَّاب الحديثين حقا، لأنه رأى الأدب ”موضعَ سرٍّ قد يكون أحقَّ بالتفضيل من أي شيءٍ آخر، حتى من مجد تأليف الكتب”: كان لجوبير هذه الموهبة، لم يكتب كتابا قط. لكنه ظل يتهيأ لكتابته، باحثا بإصرارٍ عن الشروط الملائمة التي تتيح له أن يكتب، وهكذا غدا من أوائل الكُتَّاب الحداثيين الخالصين، مفضِّلا المركز على المحيط، ومضحيا بالنتائج في سبيل اكتشاف شروطها، لا يكتب ليضيف كتابا إلى آخر، بل ليُمسك بالنقطة التي يبدو أن جميع الكتب تنبثق منها، تلك النقطة التي، متى عُثر عليها، أعفته من كتابتها.
مثل جوبير، لم يكن رولان بارت مدفوعا بإنتاجٍ أدبيٍّ غزير بقدر ما كان مدفوعا بالرغبة في الكشف عن شروط كتابة الرواية. ففي عام 1978، ومع افتتاح سلسلة محاضراته ”إعداد الرواية”، أعلن أنه سيشرع كما لو كان بصدد كتابة رواية فعلا، مضيفا: ”من الممكن إذن أن تبقى الرواية في مستوى إعدادها، أو أن تُستنفد وتتحقِّق في هذا الإعداد ذاته”. وكان الشاعر الفرنسي شارل بودلير قد تساءل قبل ذلك: ”ما جدوى تنفيذ الخطط، ما دام التخطيط نفسه متعةً كافية؟”. وفي تقديمه لكتاب ”حديقة المسارات المتشعِّبة” (1941)، دعا بورخيس إلى الاكتفاء بتلخيص الكتب بدلا من كتابتها، قائلا إن تأليف كتبٍ ضخمة ضربٌ من الجنون المرهق والمُفقِر: أن تبسط في خمسمئة صفحة فكرةً يمكن عرضها شفهيًّا في خمس دقائق. والأجدى، في رأيه، أن نتظاهر بأن تلك الكتب موجودة سلفا، فنقدِّم عنها خلاصةً أو تعليقا.
وفي رسالة إلى لويز كوليه عام 1852، أعلن جوستاف فلوبير طموحه إلى كتابة ”كتاب عن لا شيء”. كان يقصد رواية، لكن موضوعها بلا أهميةٍ تُذكر، لكن على أن تتماسك بقوة أسلوبها الداخلية، ”كما أن الأرض، المعلَّقة في الفراغ، لا تستند إلى شيء خارجها”. وسواء كان قد حقَّق ذلك في ”مدام بوفاري” (1856) أم لا، وهو أمر قابل للنقاش، إذ لا تخلو رواية من موضوع ما، فإن ”الكتاب عن لا شيء” في أقصى تجلياته هو الكتاب الأبيض: كتاب لا يتناول شيئا، بل يكتفي بأن يكون. وثمَّة أيضا فراغ في صميم اللغة نفسها، يلمِّح إليه بارت. فالشاعر الرمزي ستيفان مالارميه، المعروف بشعرية الصمت وكثرة المساحات البيضاء في نصوصه، يشير إليه صراحة حين يقول، إن كلمة زهرة تستحضر ”تلك الغائبة عن كل باقة”. وهذه الفكرة، القائلة إن اللغة نوع من القتل لأنها تنفي فرادة الأشياء وتستبدل بها مفاهيم، سيصوغها بدقةٍ أكبر الفيلسوف ألكسندر كوجيف. وقد أثَّرت محاضراته الخاصة عن هيجا في ثلاثينيات القرن العشرين في فرنسا في عدد كبير من الكُتَّاب والمفكرين، ومنهم بلانشو، الذي صرَّح: ”الكلمة هي غياب الكائن، وعدميَّته، ما يتبقَّى منه حين يفقد وجوده، إنها حقيقة أنه لم يعد موجودًا”.
بعبارةٍ بسيطة، الكلمات تمنحنا العالم؛ فهي تمكِّننا من التعامل معه والتصرُّف فيه عبر انتزاعه منا. غير أن الأدب، في نظر بلانشو، يمضي خطوة أبعد في النفي اللغوي، إذ ينفي الشيء الواقعي ومفهومه البديل معا. وبهذا لا تعود الكلمات تشير أولا إلى أفكار، بل إلى كلماتٍ أخرى؛ فتغدو حاضرة بذاتها، مثل الأشياء التي كانت قد نفتها في الأصل. فالأدب هو سلاحنا السري في مواجهة الفراغ الكامن في قلب اللغة. وكما يقول بلانشو: ”ولحسن الحظ أن اللغة شيء: إنها شيء مكتوب، قطعة من لحاء، وشظية صخر، وكسرة طين لا تزال فيها واقعية الأرض ماثلة”.
*أندرو جاليكس كاتب ومترجم ومحرر إنكليزي ‑ فرنسي يُدرِّس في جامعة السوربون في باريس.
** سارة حامد حواس، كاتبة ومترجمة مصرية