ليس حدثاً استثنائياً أو غير مألوف أن يقوم أحد «الحرس الثوري» الإيراني بزيارة إلى العراق، يجتمع خلالها مع زعماء ما باتت تُعرف باسم «الفصائل الولائية» المرتبطة، بطرائق التفافية مبطنة أو حتى مباشرة علنية، مع أجهزة سياسية وأمنية وعسكرية ومذهبية في طهران. وليس تفصيلاً مفاجئاً أن تسبق تلك الاجتماعات أي لقاء رسمي يعقده الزائر الإيراني مع مسؤولين حكوميين عراقيين على اختلاف مواقعهم ومناصبهم في الدولة.
وأما الجديد في الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى بغداد إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» في الحرس، فهو أنها تمت بصفة غير معلنة، حتى إذا لم تكن سرية تماماً لأن أبرز اجتماعاته وأبكرها انعقدت مع قادة في «الحشد الشعبي» و»الإطار التنسيقي»، فضلاً عن زعيم منظمة «بدر» هادي العامري وسواه من قادة الفصائل المسلحة.
فمن جانب أول كان من الصعب على قاآني عقد تلك الاجتماعات بعيداً عن التغطيات والتقارير الإعلامية، خاصة في الظروف الراهنة المتشابكة التي تعيشها طهران وبغداد معاً، وتفترض مقادير أعلى من الانكشاف والجلاء. ولا يخفى، من جانب ثان، أن الزائر ومضيفيه يتوافقان على ضرورة تسريب أنباء الزيارة إلى الداخل العراقي والإيراني والجوار الإقليمي، ثمّ إلى واشنطن على نحو محدد.
البند الأول في جدول أعمال زيارة قاآني كان بحث مهلة نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل التي حددتها حكومة علي الزيدي وتوافقت عليها القوى السياسية، لحصر السلاح في يد الدولة على مستوى الفصائل المسلحة مثل الأفراد. وهذا تدبير ترفض تنفيذه منظمات كبرى مثل كتائب «حزب الله» و»النجباء» و»سيد الشهداء» و»أصحاب الكهف»، متذرعة بأن «سلاح المقاومة» لا يتوجب أن يُنزع قبل توفير منظومات دفاع جوية متطورة، وإجلاء قوى أجنبية تابعة للتحالف الدولي أو لتركيا.
وإذا كان هذا البند الأول منطقياً ويندرج تماماً في صلب اختصاصات «الحرس الثوري» الإيراني عموماً، وإشرافه على تسليح وتمويل وتدريب وتمكين الفصائل العراقية الموالية لطهران خصوصاً، فإن البند الثاني بدا خارجاً عن نطاق مهام «فيلق القدس» تحديداً ومن حيث الشكل على الأقل. ذلك لأن قاآني بحث، أيضاً، برامج السماح بتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز وتأمينه، وكأن الزائر كفّ عن وظيفته كقائد فصيل لتحرير القدس، وبات وزير خارجية وداخلية ونفط ومال واقتصاد وتجارة في آن معاً.
ومنذ ابتداء عملياته العسكرية في البقاع اللبناني سنة 1982، لم تتوقف سيرورات انفصال تسمية «فيلق القدس» عن المسمى الفعلي، وجرى على الفور إسقاط مضامين القدس والاحتلال الإسرائيلي من نطاق اشتغال الفيلق، مقابل التفرّغ التام للقتال في جبهات الطغاة والطغيان والعصبيات المذهبية ضد الشعوب ومطامحها وانتفاضاتها.
واليوم، أكثر من أي مرحلة على امتداد 46 سنة أعقبت تأسيسه، تتفاقم مظاهر انحسار نفوذ «فيلق القدس» على أصعدة شتى سياسية وعسكرية وأمنية وعقائدية.