مئة عام من الصراع على النفط


لا يهتم الغربيون كثيرا بالآثار الإنسانية للحروب، بل يضعون المصالح الاقتصادية على رأس قائمة اهتماماتهم عند تحديد الموقف مما يحدث في أنحاء العالم. فعندما كانوا يتحدثون قبل خمسين عاما عن «أمن الخليج» لم تكن مصالح شعوبه الدافع لذلك الاهتمام، بل كان تدفق النفط المعيار الذي يحظى بالاهتمام عند تقييم ما يجري في هذه المنطقة. في بداية الحقبة النفطية قبل مئة عام تقريبا، كان الغربيّون يعتمدون على وجودهم العسكري المباشر لضمان تدفق تلك السلعة الاستراتيجية. وفي ذروة الحرب الباردة انصبّ اهتمامهم على منع وصول النفوذ العسكري السوفياتي إلى مياه الخليج الدافئة لكي لا يتأثر تدفق النفط بذلك. يومها لم يكونوا على استعداد للتراخي عما يعتبرونه السلعة الاساسية لضمان استمرار اقتصادهم، بل كانوا مستعدين لخوض الحروب لمنع أي تهديد لتدفق النفط. ربما كانت الحقبة الاستعمارية التي سبقت اكتشاف النفط تهدف لضمان حرّيّة الملاحة للأساطيل التجارية والعسكرية التي تمخر عباب البحر بين الهند وأوروبا، ولكن دول الغرب بعد ذلك أصبحت أكثر اهتماما بالنفط الذي أصبح سلعة استراتيجية لا تحتمل المساومة. وحتى اليوم ما يزال الاهتمام الغربي موجّها نحو ذلك. وكان هناك قلق من احتمال مواجهات عسكرية بين الشرق والغرب من أجل النفط، ولكن ساهم اكتشاف النفط في روسيا في تخفيف احتمالات تلك المواجهة. وجاءت الحرب في أوكرانيا لتدفع الغربيين لانتهاج سياسة تهدف لتحويل تلك الحرب إلى ساحة استنزاف متواصل للقدرات والطاقات الروسيّة.
اليوم يتكرر سيناريو الاحتكاك بين الدول الغربية والقوى الإقليمية، استكمالا للصراع على النفط أوّلا ومن أجل حماية إسرائيل ثانيا. ولكن لا يُستبعد حدوث تطورات تغيّر مفردات الصراع والمواجهة، ويمكن القول إن دخول ظاهرة ترامب على الخط ساهم في تعقيد خريطة التوازنات والأولويات. مع ذلك يبقى النفط العنصر الأكثر أهمية في رسم أطر الصراع المستقبلي في الشرق الأوسط. ومنذ الثورة الإسلامية في إيران تفاقم القلق الغربي بعد أن اتضح أن لدى إيران سياساتها النفطية الخاصة وكذلك تحالفاتها الاقليمية والدولية. فالغربيون ينظرون لدول المنطقة من عدسات مختلفة أهمها أن هذه الدول في الأعم الأغلب تسير ضمن الفلك الغربي، وأن من الضروري الحفاظ على ذلك والعمل كذلك على تحييدها إزاء قضية فلسطين، وإضعاف حماسها للتصدي للاحتلال. وبذلك أصبحت السياسة الغربية مرتبطة بضمان تدفق النفط وحماية «إسرائيل» وكذلك منع حدوث توترات أو تغيرات في منطقة الخليج تؤثر على تدفق النفط باتجاه الغرب. وأصبح على الشعوب العربية ترويض طموحاتها لكي تتواءم مع السياسة الغربية. وكان انتهاء العهد السوفياتي نقطة فاصلة في العلاقات مع موسكو، إذ لم تعد تمثل تحدّيا فكريّا وإيديولوجيا للمشروع الرأسمالي في العالم. وجاءت الطفرة الصناعية والاقتصادية في الصين لتحجّم موقع الأيديولوجيا في التعامل الدولي. فلم تعد صورة الصراع مرتبطة بالاختلاف الإيديولوجي،، بل أصبحت هناك تطورات أخرى ساهمت في تشويش الصورة. وجاءت الحرب الأوكرانية لتوفر للغربيين ميدانا جديدا للضغط على روسيا التي أدخلت نفسها في ورطة كبيرة لا تستطيع الخروج منها بسهولة.
في غياب منظومة سياسية أو اقتصادية في الشرق الأوسط، يبقى المجال مفتوحا لأمريكا وروسيا للتسابق من أجل توسيع النفوذ. ولدى الطرفين أطماعهما في الهيمنة السياسية والعودة إلى حقبة الاستعمار المباشر. بينما لا تبدو الصين متحمسة للدخول في الصراعات السياسية أو الايديولوجية المعقّدة. بل أصبح تركيز قادتها على التطوير الاقتصادي والهيمنة على التجارة العالمية مصدر قلق للدول المنافسة. صحيح أن الصين ليس لديها أطماع سياسية استعمارية، ولكنها في الوقت نفسه تعلم أن المجال لن يبقى مفتوحا إلى الأبد لتمددها الاقتصادي غير المحدود. فالأنشطة الاقتصادية الصينية في إفريقيا تفتح المجال للتأثير السياسي. وبعد جهود حثيثة ومبادرات هائلة على مدار العقدين الماضيين، تصدرت الصين المشهد الاقتصادي الإفريقي لتصبح أكبر شريك تجاري للقارة، ومُقرضا رئيسيا ومصدرا مهما للاستثمار الأجنبي المباشر. ومما يُظهر اهمية هذه الأنشطة التطوير الكبير في البنية التحتية، وخاصة الطرق والسكك الحديدية والموانئ في عدة دول إفريقية. ففي العام 2023، بلغ حجم التجارة بين الصين وإفريقيا 282.1 مليار دولار، وهو زيادة بنسبة 1.5% مقارنة بالعام الذي سبقه. وفي العام نفسه (2023)، زادت صادرات الصين إلى إفريقيا بنسبة 7.5% لتصل إلى 173 مليار دولار. وتتكون هذه الصادرات بشكل رئيسي من السلع المصنَّعة والإلكترونيات والآلات. كما أن هناك «مبادرة الحزام والطريق»، التي انضم إليها العديد من الدول الإفريقية لتحقيق أهدافها في تطوير البنية التحتية، ولم تكن مجرد مشروع اقتصادي للصين فحسب، بل تتماشى مع رؤية بكين العالمية. فالمشاريع والمنافع التي تقدمها المبادرة تشجع دول القارة على دعم المواقف الصينية في المحافل العالمية حول قضايا مثل النزاع في إقليم»شينجيانغ» وتايوان وبحر الصين الجنوبي، وهذا يؤثر على التوازن السياسي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

 اليوم يتكرر سيناريو الاحتكاك بين الدول الغربية والقوى الإقليمية، استكمالا للصراع على النفط أولاً ومن أجل حماية إسرائيل ثانيا

أمريكا، من جانبها، أصبحت تراقب التمدد الاقتصادي الصيني وترى في ذلك تهديدا لنفوذها الاقتصادي الذي لا ينفكّ عن الأطماع السياسية. لذلك فبرغم ما يبدو من وئام في علاقات الغرب مع الصين، فإن وراء ذلك قلقا غربيا متصاعدا من التوسع الاقتصادي والتجاري الصيني. ويشكل التقارب بين الصين وروسيا تحدّيا استراتيجيّا متناميا للولايات المتحدة الأمريكية، في ظل سعي واشنطن لإدارة صراع نفوذ واسع على الساحة الدولية. وبشكل خاص فإن تنامي علاقات البلدين مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية يقلق إدارة ترامب بشكل كبير، وهي التي تسعى لفرض عزلة دولية على إيران. وقد وجهت الإدارة الأمريكية (برئاسة دونالد ترامب) تحذيرات واضحة ومباشرة لكلٍّ من موسكو وبكين من مغبّة تقديم أيّ دعم عسكري أو لوجستي لطهران في صراعات الشرق الأوسط، مؤكدة أن لديهما «الكثير لتخسراه» إذا انخرطتا في مساعدة إيران. كما تواصل موسكو وبكين تعزيز شراكتهما الاقتصادية ومحاولات إيجاد بدائل للتجارة بعيدا عن الهيمنة المالية للدولار الأمريكي، مستفيدتين من الروابط التي تجمعهما بأطراف أخرى مناهضة للسياسات الغربية. وتنظر واشنطن إلى هذا التقارب على أنه «محور بلا معاهدة» يجمع قوى كبرى تتقاطع مصالحها في تقويض النفوذ الأمريكي عالميا، برغم وجود تفاوت في الأجندات والاعتبارات الاقتصادية الخاصّة بكل دولة. وهذا يكشف عمق التعقيد في السياسة الأمريكية تجاه ما تعتبره «تمددا سياسيا» للصين في مناطق تعتبرها واشنطن ضمن دائرة نفوذها.
على مدى القرن الأخير أصبح النفط المحرك الرئيسي لتشكيل السياسة الخارجية والاستراتيجية العسكرية الغربية (خاصة الأمريكية والبريطانية) في الشرق الأوسط منذ أوائل القرن العشرين حتى اليوم. ففي العام 1928 قسّمت شركات النفط الكبرى (الأمريكية والبريطانية والفرنسية) مناطق النفوذ لتقاسم ثروات الشرق الأوسط بعد تفكك الدولة العثمانية. كما أعادت ترتيب استراتيجيتها لتضع حماية الممرات المائية الحيوية (مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس) من أولوياتها. ولذلك دُقّت نواقيس الخطر في العواصم الغربية عندما اتضح أن جماعة أنصار الله في اليمن تتجه للسيطرة على باب المندب الذي تمر عبره نسبة تتراوح بين 5 و 13% تقريبا من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا (ما يعادل تقريبا 4.5 إلى 6 ملايين برميل يوميا حسب تقديرات إدارات الطاقة والتقارير العالمية). وخلال حرب أكتوبر/تشرين الأول في العام 1973 استخدمت الدول العربية النفط كسلاح سياسي، مما دفع الغرب لإعادة هيكلة علاقته بالمنطقة. وصعّدت أمريكا تهديداتها بما يسمى «مبدأ كارتر» في العام 1980 عندما أعلنت الولايات المتحدة أن أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على الخليج العربي ستُعتبر اعتداء على مصالحها الحيوية، مما عكس ترسيخ الوجود العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة. يُضاف إلى ذلك ربط بيع النفط بالدولار الامريكي، فأصبح الاقتصاد الأمريكي قوة عالمية تدعم الطلب المستمر على العملة الأمريكية. وفي السنوات الأخيرة سعت أمريكا لتخفيف اعتمادها على نفط الشرق الأوسط باستخراج النفط والغاز الصخري. كما اتجهت دول الخليج ومنتجو النفط نحو تنويع شراكاتهم الاقتصادية والاستراتيجية. كما برز خلالها النفوذ الصيني كأكبر مستورد للنفط الخام من المنطقة، مع طرح مشاريع ممرّات تجارية وبُنى تحتية جديدة مثل مبادرة الحزام والطريق وطريق الهند-الشرق الأوسط-أوروبا.
الواضح أن أهمية نفط الشرق الأوسط تزداد بشكل مضطرد، وأن البدائل التي سعت الدول الغربية لإحلالها مكانه لم تقلّل من تلك الأهمية. ولذلك أصبح الغربيون يراقبون أوضاع المنطقة عن كثب لمنع أيّ انعكاس سلبي للنزاعات المسلّحة على تدفق النفط. والمتوقع استمرار مشاعر التوتر والقلق من الخلافات والاختلافات في الشرق الأوسط. فقد استخدمت السياسة الغربية التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة (مثل حرب الخليج 1991 وغزو العراق 2003) لضمان عدم احتكار أو تهديد مصادر الطاقة. من جانبهم اعتمد الغربيون سياسة دعم الاستقرار السياسي للأنظمة الملكية والنفطية في الخليج كضامن لاستمرار تدفق الإمدادات وإعادة تدوير أموال النفط في أسواق السلاح والديون الغربية. وعندما اندلعت أزمة اليمن الحالية حبس العالم أنفاسه تحسّبا لما قد ينجم عنها من أثر على معدّلات تدفق النفط عبر المعابر المائية الرئيسية. وبذلك أصبح النفط يوفر قدرا من الحماية للمنطقة، ولولاه فربما صعّدت «إسرائيل» حروبها وعدوانها على دول الشرق الأوسط. ويجدر بحكومات الدول النفطية تحاشي النزاعات البينية وتركيز الجهود لتطوير الاهتمام بالنفط واستخدامه في مجالات التنمية السياسية مع الدول الأخرى، بالإضافة لاستخدام عائداته لتطوير البنى التحتية في العالمين العربي والإسلامي. فلقد منح الله هذه الأمة واحدة من أهمّ السلع الاستراتيجية، وليس من العدل أو المنطق التفريط فيها.

٭ كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *