«ليلة مع رباب»: سردية الهامش وتحولات الهوية


تتغيا هذه القراءة تشريح سردية الهامش في الرواية، على ضوء ما تطرحه من أسئلة ترتبط بتمثيل الذات والهوية، والذاكرة من جهة؛ وبحدود الجنس الأدبي من جهة أخرى. وسيكون منطلقنا الرواية الأخيرة «ليلة مع رباب (سيرة سيف الراوي)’’ للروائية فاتحة مرشيد.

ميثاق السرد السيري وسلطة الذاكرة

يكشف العنوان البؤرة السردية كما تتجلى من خلال اسم العلم رباب؛ والهامش كما يحيل على ذلك رمزية خطاب الأقواس (سيف الراوي)… كما لا نعدم في العنوان هاجسا ينطوي على إنتاج رؤية مضمرة، ترتبط بإعادة تأمل معادلة النسوية والذكورية، انطلاقا من تشريح العلاقة بين شخصيتي رباب وسيف، بناء على كونهما انطلقا من الهامش وعادا إليه.
هكذا يختزل العبور من الخطاب المقدماتي إلى خطاب البداية، هاجس بناء التواصل بين مرسل الخطاب و ‘المتلقي الضمني’’؛ يدل على ذلك تعدد الضمائر بين المتكلم والمخاطب؛ الذي يفتح أفقا لإعادة ترسيم حدود الجنس الأدبي، من خلال بناء تعاقد جديد؛ يتمظهر من خلال الحوارية بين العنوان المركزي والآخر الفرعي، خطاب الأقواس الذي يجسد سردية الهامش (سيرة سيف الراوي). وهي الحوارية التي تتجسد بين السيرة بمرجعيتها الواقعية، والسيرة التي تضمر ذاتا متخيلة وتحيل على التخييل الروائي:
«أيها القراء الأعزاء أنا شخص متعدد بتعددكم، ومتفرد مع ذلك. وصورة هذا المتفرد الذي ينفلت من شباك إدراككم هي التي أحاول رسمها في هذا الكتاب». إن استعارة شخصية حفيظ الراوي اسما مستعارا للكتابة، وهو سيف يكشف لعبة سردية تروم الانتقال من أحادية الجنس الأدبي، إلى النص الروائي العابر للأجناس. ولعل خطاب النهاية جاء ليضيء هذه العلاقة المتشابكة بين حفيظ وسيف الراوي:
«أحب صفة الراوي وأشعر في أعماقي بأنني خلقت راويا.. وسيف هو الاسم الذي كنت سأختاره…». ولعل طبيعة السارد المتماثل حكائيا (سيف) باعتباره شخصية يتجاذبها قطبا الواقع والمتخيل، جعلت منه الشخصية القادرة على بناء ميثاق يتجاوز الأتوبيوغرافي إلى تشكل متخيل أتوبيوغرافي يحفر في الذاكرة، مضمرا تمثلات ثقافية للانا الجمعي، التي تحيل على هوية مشتركة، تندرج في سياق سردية الهامش. وقد استعرنا من تود وروف ثلاث مقولات تُشَرٍّع لهذا الميثاق السردي الجديد:

الرغبة: تنطبع بسمة سيكولوجية تتجلى في اشتغاله على التحول من الهامش إلى المركز. غير أن النسق الثقافي المتحكم في الذات، يحملها إلى العودة إلى الهامش بناء على رغبة متجذرة في الذاكرة تنزع إلى البحث عن الحرية، كما يرمز إلى ذلك الخروج من السجن، ومعانقة سردية الهامش، فضلا عن رغبة امتلاك موضوع قيمة يتجلى في الحب الذي يكنه إلى رباب؛ علاوة على ذلك، تكشف علاقته المتشابكة بنسق الشخوص التي تنتمي إلى الهامش النسق الثقافي المتحكم في الذاكرة بوصفها سلطة سردية ثقافية كما تبين الخطاطة التالية:
الرغبة: تنطبع بسمة سيكولوجية تتجلى في اشتغاله على التحول من الهامش والمركز، لكن النسق الثقافي المتحكم في الذات يحملها إلى العودة إلى الهامش بناء على رغبة متجذرة في الذاكرة تنزع إلى البحث عن الحرية كما يرمز إلى ذلك الخروج من السجن ومعانقة سردية الهامش، فضلا عن رغبة امتلاك موضوع قيمة وهو الحب الذي ولد في أعماقه، وظل يشده إلى رباب. وعلاوة على ذلك، تكشف علاقته المتشابكة بنسق الشخوص التي تنتمي إلى الهامش، النسق الثقافي المتحكم في الذاكرة بوصفها سلطة سردية ثقافية، فيتحول بذلك حفيظ إلى علامة ورحم مولد للحكي.
الأهلية: بدأت موهبة حفيظ تشع بقدرته وهو في الكتاب على الحفظ والاستذكار، ما أثار شخصية المدني مدير مدرسة عصرية والذي أدمجه في المدرسة الحديثة.
الإنجاز: تتحول الأهلية التي تمثل مجموع قدرات تنحدر وتتجذر في الذاكرة إلى منجز جعل من الراوي شخصية ناجحة في مساره الجامعي والمهني.

بنية الشخصيات بوصفها تعرية لمفارقات الواقع

إن التبئير الداخلي على نسق الشخصية السيرية (سيف)، شكل حافزا على ولادة الحكي، وعاملا كاشفا للتناقضات الداخلية التي تعيشها الذات العربية. فرغم انخراط كل من سيف ورباب في مجتمع الحداثة ظلا مرتبطان بطقس العلاج بالرقية. فالتبئير على شخصيتي رباب وسيف، يكشف عن الشخصية بوصفها نسقا ثقافيا، ينطوي على ثنائيات الأصالة والحداثة.
يصور المسار السردي اصطدام الراوي سيف بالعالم كما يتجلى من خلال النعوت (المنحوس، المسخوط..) التي وصف بها، حين ولد في يوم الزلزال وماتت أمه. فيختار الكاتب الكتابة باسم مستعار بعد أن انتهى به المآل داخل السجن، ويتأكد لنا أن الذات ذوات متعددة، ونكتشف سر هذا النص السيري العابر للأجناس الذي يضعنا في دائرة متخيل الأجناس الأدبية.

من الجنس الأدبي إلى متخيل الأجناس الأدبية

لقد انتهينا في الفقرة الأولى من خلال مقاربة صورة الشخصية البؤرية إلى تشابك العلاقات بين شخصية تمثل مركز الثقل وفئات من الشخصيات تمثل أنساقا مرجعية، تتوزع بين النسوية والذكورية والهامش والمركز، غير أنها شخصيات متجذرة في الهوية المرتبطة بالهامش، وهو ما شكل صدى لتشابك بين الأجناس تتجذر في هوية السرد. فالقصة صدى للخطاب من حيث كونها تحيل على ذاكرة وصيغ إدراك هذه الذاكرة. ويقدم لنا الراوي صورة عن تمظهرات هذه الصيغة السردية، حين يسافر بنا بين شخصيتي حفيظ وسيف الراوي، الذي يرفض التمرد على هويته ويستعيدها من خلال رمزية الخروج من السجن وعلاقته بفئتين من الشخصيات تمثلان المفارقة الوجودية (الهامش: سعيد الغزواني، بوشعيب، هشومه، حمزة المدني، العامس إمام المسجد والمركز: رباب بنت سيكلس، المستثمر العقاري، منار حسن الحربي)، وكأننا أمام فعل مسرحة انطلاقا من بنية المواجهة بين فئتين من الشخوص الهامش والمركز، كما يظهر من خلال تحولات شخصية سيف ورباب.
إن نمو الأحداث وتطورها سيضعنا داخل مشاهد تستوحي لغة سينمائية؛ خاصة الفصل الأول الذي تتسارع فيه وتيرة وإيقاع الأحداث متوزعة إلى مشاهد متنوعة، تعكس زوايا متباينة للنظر. فسردية السجن ستنتقل بنا إلى الكشف عن تحولات الهامش، وصورة الذكورية التي بدأت تتسرب إلى شخصية المرأة؛ كما نعاين من خلال حكاية السجين الذي تعرض لعنف من طرف زوجته، ما جعله ينتقم لصورته الذكورية الاجتماعية التي تنطوي على نسق ثقافي متجذر في المجتمع:
«الرجال ضحايا العنف في مجتمعنا لا يجرؤون على الكلام، النساء اللواتي تعرضن للعنف استغرقن قرونا قبل أن يتم سماعهن. العنف يشمل الجميع بغض النظر عن جنس الضحية… وليس علينا أن نقف في صف جنس ضد الآخر». يتنكر سيف لهويته عبد الحفيظ الراقي المرتبط بالهامش ومجتمع الهامش، ويعود إليها بعد خروجه من السجن؛ كما يتنكر النص السيري لهويته، ويعانق القصيدة من خلال شعرنة السرد ومسرحته، وسردية الأنساق الثقافية الشعبية، كما يظهر من خلال تحول المثل إلى سردية تغذي المحكي، وتمثل ذاكرته، وهويته المجسدة لنسق الهامش؛ كما يظهر من خلال شخصية هشومه.
إن الانتقال من شخصية حفيظ إلى سيف ومن جودية إلى رباب؛ شكل صدى للانتقال من السيري إلى متخيل الأجناس الأدبية، وبالتالي فالقصة صدى للخطاب بوصفه سبرا لسردية الهامش.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *