بيروت – «القدس العربي»: يدخل مجلس الوزراء في استراحة سياسية لأسبوعين حتى مطلع أيلول/سبتمبر المقبل وتغيب الجلسات التي اختتمت يوم الخميس الفائت بغياب وزير الدفاع ميشال منسى بعد امتناعه عن المشاركة بسبب الخلاف الذي حصل بينه وبين رئيس الحكومة نواف سلام على خلفية منعه من الادلاء بملاحظات الجيش على قانون العفو العام.
غير أن غياب الحكومة لا يغيّب أهمية الملفات المطروحة وخصوصاً ما يتعلق باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتهويل بتصعيد ميداني في تلة علي الطاهر تزامناً مع تساؤلات حول مصير مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية والتي تربط تل أبيب أي منطقة تجريبية جديدة بالتحقق من سحب سلاح «حزب الله» المنطقة الاولى، وأفيد ان خمس دول مطروحة للمشاركة في مهمة التحقق هي بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وكندا وأذربيجان.
وفي هذا الإطار، برزت زيارة السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى ورئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال جوزيف كليرفيلد إلى كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام حيث تم عرض للأوضاع الميدانية في الجنوب وعمل المجموعة على ضوء البدء بتحديد المناطق التجريبية وآلية التحقق من الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
وأكد الرئيس بري خلال اللقاء «أن إسرائيل لم توقف خروقاتها واعتداءاتها على لبنان والجنوب منذ تشرين الثاني/نوفمبر2024، وأن هذه الاعتداءات متواصلة وبشكل ممنهج تدميراً للقرى وتجريفاً للحقول والمساحات الزراعية وحرقاً للمناطق الحرجية، ناهيك عن استهداف المناطق التراثية والإرث الحضاري»، معتبراً «أن مفتاح الاستقرار يبقى بإلزام إسرائيل وقف حربها والانسحاب إلى الحدود الدولية».
أما الرئيس سلام فشدد «على ضرورة وقف إسرائيل عمليات التدمير التي تطال المناطق الجنوبية، والتي يتعارض استمرارها مع المسار القائم والجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة ومعالجة الملفات العالقة ميدانيًا». كما أكد «أهمية توسيع نطاق المناطق التجريبية التي يجري العمل عليها ضمن الإطار التفاوضي، بما يسمح بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضوره على الأرض»، مطالباً «بوضع جدول زمني واضح ومحدد للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بحيث ينتقل الملف من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة».
السفير الأمريكي
ووصف السفير عيسى الأجواء بعد اللقاء بـ «الايجابية»، موضحاً «أن المفاوضات ستستكمل ولم يتم تحديد موعد بعد». وعما إذا كانت الولايات المتحدة تدعم أي عملية عسكرية على مرتفعات علي طاهر، قال: «لا أدري». وبحسب السفير الأمريكي، «فإن العمل يجري وفق مراحل، وبعد المرحلة الأولى يمكن الحديث عن مناطق محددة وتجريبية أخرى، فقبل الانتقال إلى مناطق أخرى يجب إنجاز المرحلة الأولى وتقييم نتائجها». وعن الدول التي ستشارك في آلية المراقبة، أشار إلى «أن هناك لائحة من الدول نتكلم معها، ولكن لم يتم حتى الآن تحديد أي دولة». وأضاف «أن الحرب ستتوقف عندما يحين الوقت»، وتوجّه إلى الإعلاميين بالقول: «قولوا لحزب الله أن يسلّم سلاحه، فيتوقف كل شيء».
وعن سبب زيارة كليرفيلد لبيروت، أجاب «الزيارة تهدف إلى إطلاع الرئيس بري مباشرة على ما يجري، وشرح التطورات والخيارات المطروحة بعيداً عما يجري تداوله عبر وسائل الإعلام». ثم انتقل السفير عيسى وعقيلته إلى الديمان حيث التقى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بحضور المطارنة الياس نصار وجوزيف نفاع وبيتر كرم، والأب فادي تابت.
وقد رحّب البطريرك الراعي بالسفير عيسى، مثنيًا على رسالته الديبلوماسية ومخاطبًا إياه بالقول: «أنت رجل السلام». ودار خلال اللقاء حديث عام حول الأوضاع في لبنان، وأهمية تعزيز أجواء الطمأنينة والاستقرار، وتغليب لغة الحوار والسلام، بما يحفظ لبنان وأبناءه ويؤمن لهم مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا. وأكد اللقاء «أهمية مواصلة الجهود الهادفة إلى ترسيخ السلام وحماية لبنان من تداعيات الأزمات، في ظل التحديات التي يعيشها اللبنانيون وتطلعاتهم إلى مرحلة يسودها الأمان والاستقرار». بعدها استضاف البطريرك السفير عيسى وعقيلته إلى مائدة الغداء.
الاعتداءات الإسرائيلية
ميدانياً، استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي مشاع المنصوري، وشوهدت تحركات لآليات جيش الاحتلال في بلدة حداثا، بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه البلدة وسقوط قذيفة مدفعية. كما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا كبيرًا في بلدة مركبا – قضاء مرجعيون. واشتعلت الحرائق في بلدة بني حيان – قضاء مرجعيون نتيجة القصف المدفعي الإسرائيلي المستمر على البلدة. وكان الجيش الإسرائيلي واصل أعمال التفجير والتدمير في عدد من القرى والبلدات الجنوبية، حيث نفّذ منتصف ليل الخميس الجمعة تفجيراً واسعاً في منطقة مشاع المنصوري، بالتزامن مع إلقاء غالونات متفجرة. وترافق ذلك مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة عند أطراف بلدتي مجدل زون والمنصوري والأودية المحيطة بهما، في ظل تحليق متواصل للطيران الحربي والمسيّر في أجواء المنطقة.
كما شهدت بيت ياحون وحداثا وكونين وبنت جبيل، سلسلة تفجيرات واسعة دوّت أصداؤها حتى قرى الساحل، بالتزامن مع تحركات وتقدم دبابات إسرائيلية باتجاه بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل. وألقت مسيّرة قنبلة ليلًا على منزل في كفرا. وقد سجّلت «اليونيفيل» إطلاق 113 مقذوفاً من قبل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وهو الرقم الأعلى منذ 21 حزيران/يونيو الماضي.
تمديد ولاية «اليونيفيل»
تزامناً، دعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الأمم المتحدة إلى «إبقاء قوة لحفظ السلام في لبنان بعد انتهاء ولاية بعثة اليونيفيل هذا العام». وقال مدير شؤون الأمم المتحدة في المنظمة لويس شاربونو، «إن إنهاء عمل قوة اليونيفيل دون وجود قوة دولية قوية بديلة يعني فعلياً ترك ملايين المدنيين اللبنانيين يواجهون مصيراً مجهولاً وربما كارثياً». وأضاف «تُعد قوات حفظ السلام رادعاً حاسماً للهجمات على المدنيين وانتهاكات حقوق الإنسان».
وحثت «هيومن رايتس ووتش» الأمم المتحدة على تمديد ولاية قوة حفظ السلام «إلى حين تحسن الوضع الأمني بما يكفي للنظر في تقليص القوة بشكل أكبر» بعدما قرر مجلس الأمن الدولي في آب/أغسطس من العام الماضي وبضغط أمريكي، إنهاء ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026 والتي تضم قرابة 7500 عنصر من نحو 50 دولة، وهي منتشرة منذ عام 1978.
بالموازاة، خصص رئيس الحكومة اجتماعاً لمتابعة إعادة الإعمار في مدينة النبطية، بحضور وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد علي قباني، رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، المدير العام للتنظيم المدني علي رمضان، مدير غرفة العمليات المركزية في رئاسة مجلس الوزراء زاهي شاهين، ورئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين مع وفد من أعضاء المجلس البلدي.
وجرى خلال الاجتماع عرض التقدم المحقق في مسار العودة والنهوض في المدينة، والبحث في أبرز الحاجات والتحديات التي لا تزال تواجهها، ولا سيما على صعيد البنى التحتية والمرافق والخدمات العامة. وتم الاتفاق على آليات لمتابعة هذه الملفات وتنسيق العمل بين الجهات المعنية، بما يسرّع تنفيذ الإجراءات والمشاريع ذات الأولوية. وأكد الرئيس سلام «أن النهوض بمدينة النبطية، حاضرة جبل عامل، يشكل أولوية أساسية ضمن مساعي النهوض بالجنوب وتثبيت عودة أهله إلى بلداتهم وقراهم»، مشدداً على «أهمية دور المدينة كمركز للمحافظة، وما تضطلع به من وظائف إدارية واقتصادية وخدماتية».
الجميل: طي الحروب
في المواقف، أكد رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل «أن الأولوية في المرحلة المقبلة هي إنهاء ملف السلاح خارج الدولة بصورة نهائية، باعتباره المدخل إلى استعادة السيادة والقرار الحر، قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة بناء لبنان ومعالجة الهواجس بين مكوناته وإرساء مصالحة حقيقية تمنع تكرار الحروب والأزمات».
وقال الجميّل في خلال جولة له في قضاء جبيل «إن لبنان أمام فرصة لطي صفحة الحروب وفتح صفحة جديدة، لكن ذلك يتطلب عدم المساومة أو القبول بأنصاف الحلول والترقيع والتأجيل، بل معالجة المشكلات اللبنانية الداخلية والخارجية من جذورها»، موضحاً «أن المسألة الأساسية تبدأ بإنهاء واقع الميليشيات، ولا سيما سلاح «حزب الله»، لأن لا دولة ولا اقتصاد ولا استقرار ولا مستقبل يمكن بناؤه في ظل وجود سلاح خارج الدولة».
وشدد «على ضرورة ترتيب الأولويات وعدم خوض معركتين في آن واحد»، قائلاً «إن معركة السلاح يجب أن تُنجز أولاً، قبل الانتقال إلى الملفات الداخلية وإعادة بناء الدولة والعلاقة بين اللبنانيين»، محذراً من «أن البدء بالمرحلة الثانية قبل حسم الأولى سيشتت الجهود ويحول دون الوصول إلى حل نهائي».
وفي هذا السياق، دعا الجميّل «إلى الوقوف إلى جانب السلطة الشرعية وحماية المسار القائم»، معتبراً «أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يقومان بعملهما في الاتجاه الصحيح، وأن لبنان لم يشهد منذ 36 عاماً موقفاً مماثلاً لموقف رئيس الحكومة في مواجهة رئيس ميليشيا، فيما يفاوض رئيس الجمهورية في الولايات المتحدة من أجل استعادة سيادة لبنان وتحرير أرضه».
جعجع: تهميش رجي
من جهته، اتهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع «حزب الله» بأنه هو «من يعطل المفاوضات». وقال «جوهر المشكلة ليس مستجدًا ولم يبدأ مع المفاوضات، إنما خلال اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حينما وافقت حكومة «حزب الله» آنذاك على أن توقف إسرائيل عملياتها العسكرية وتنسحب من لبنان، فيما يفكك لبنان بدوره التنظيم العسكري ل»حزب الله». بدأت إسرائيل بالانسحاب بعد مدة، من دون أن ينفذ لبنان عمليًا أي خطوة في مجال ما التزم به، مكتفيًا بالمواقف والكلام، فسقط الاتفاق واستمرت العمليات العسكرية».
وأضاف جعجع في حديث إلى «المركزية» «آنذاك قال الرئيس نبيه بري إن المقاومة أوقفت إطلاق النار، فيما إسرائيل لم توقف، متجاهلًا أن الشرط ليس وقف إطلاق النار من جانب الحزب، إنما تفكيك التركيبة العسكرية والأمنية للحزب. ثم كانت قرارات الحكومة بحصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة، وصولًا إلى اتفاق الإطار والمفاوضات مع إسرائيل، لكن شيئًا لم يتغير، لتتولد مشكلة مصداقية إزاء الدولة، وتتعثر المفاوضات وتُمنع الانسحابات الإسرائيلية. إذًا، من يعطل المفاوضات هو حزب الله».
وعلّق جعجع على تهميش دور وزير الخارجية يوسف رجي، مستغرباً «عدم مشاركة وزير الخارجية في الزيارات الرئاسية إلى الخارج، في زمن يُفترض أننا في دولة مؤسسات»، لكنه أضاف «لأننا نخوض مواجهة سياسية كبرى، نحن ورئيس الجمهورية كما رئيس الحكومة، يتوجب علينا أحيانًا غض النظر والتغاضي عن أخطاء صغيرة، مقابل ما هو أكبر، والوزير رجي نفسه يدرك ذلك ويغض النظر من أجل الوصول بالبلاد إلى شاطئ الأمان والدولة الفعلية، لكن تغييب وزير الخارجية لا يبني دولة المؤسسات».