باريس- “القدس العربي”: توقفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عند مساعي مستشار دونالد ترامب الخاص، مسعد بولس، إلى التوصل إلى اتفاق بين عائلتي حفتر والدبيبة النافذتين، اللتين تتقاسمان السيطرة على البلاد؛ قائلة إن الهجمات الأخيرة على مصفاة النفط في الزاوية غربي طرابلس، ومقتل رئيس الاستخبارات العسكرية في الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، جراء تفجير سيارة مفخخة في بنغازي، يدقان ناقوس الخطر.
لا يبدو، للوهلة الأولى، أن للهجومين علاقة مباشرة ببعضهما بعضا. كما أنهما لا يرتبطان بشكل مباشر بانقسام البلاد إلى كتلتين سياسيتين وعسكريتين، في الشرق والغرب، وهو الانقسام الذي يعود إلى سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
ويبدو أن كل واحدة من بؤرتي العنف تحيل إلى ثغرات داخلية في كل معسكر. فإذا كان الدافع وراء اغتيال المنصوري والجهة التي تقف وراءه ما يزالان مجهولين – رغم أن السلطات بدأت تروج لفرضية اعتداء “جهادي” – فإن مجرد تمكن منفذي الهجوم من تنفيذ عملية كهذه داخل المنظومة شديدة العسكرة التي بناها المشير حفتر يكشف عن ثغرات أمنية مثيرة للقلق.
خطر عودة ليبيا إلى دوامة عدم الاستقرار يطرح نفسه اليوم بحدة جديدة
ومهما يكن من أمر، فإن خطر عودة ليبيا إلى دوامة عدم الاستقرار يطرح نفسه اليوم بحدة جديدة. فمنذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، الذي أنهى “معركة طرابلس” التي بدأت في ربيع 2019، كان المعسكران المتخاصمان في الشرق والغرب قد أوقفا، إن لم يكونا قد أرسيا السلام فعليا، الأعمال العدائية لمصلحة ما سماه المحللون “ميثاق الفساد”، أي تقاسم الغنائم الاقتصادية للبلاد بصورة توافقية.
ورغم الهدوء النسبي، واصلت الأمم المتحدة جهودها الرامية إلى إعادة توحيد البلاد من خلال تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية. لكن دعم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، سواء الدول الغربية أو الرعاة الإقليميين لليبيا – الذين يعمل كل منهم وفقا لمصالحه الاستراتيجية – ظل غائبا. ولم تتمكن الديناميكية التي تقودها الأمم المتحدة حتى الآن من فرض نفسها.
“حكومة موحدة”
في هذا السياق من الجمود الهش، جاءت خلال الأشهر الأخيرة مبادرة مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية. وبعد خمسة عشر عاما من الغياب، تعود الولايات المتحدة إلى ليبيا. وهو انخراط جديد لا يبتعد فيه “فن عقد الصفقات”، الذي يشتهر به دونالد ترامب، كثيرا عن الحسابات الاقتصادية الخفية، ولا سيما تلك المتعلقة بشركات النفط.
ومنذ الربيع، كثف مسعد بولس، وهو أيضا حمو تيفاني ترامب، إحدى بنات الرئيس الأمريكي، اجتماعاته في طرابلس وبنغازي والقاهرة وواشنطن مع القادة الليبيين والزعماء الإقليميين. لقد انتهى ذلك الانكفاء الذي أعقب عام 2012 والهجوم الجهادي على القنصلية الأمريكية في بنغازي، والذي أدى إلى مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز.
وظلت ذكرى تلك الصدمة لسنوات طويلة سببا في ابتعاد الولايات المتحدة عن ليبيا. ولم تستيقظ واشنطن فعليا إلا عندما بدأ الروس يحققون اختراقات في شرق ليبيا مع مطلع عشرينيات القرن الحالي، تحت المظلة السياسية للمشير خليفة حفتر.
لم يكشف مسعد بولس سوى القليل من تفاصيل خطته. ومن تصريحاته العلنية يتضح أنه يريد التوصل إلى “حكومة موحدة” تجمع بين غرب ليبيا وشرقها، اللذين يخضعان اليوم لسلطتين متوازيتين: “حكومة الوحدة الوطنية” في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، و”حكومة الاستقرار الوطني” في بنغازي، وهي الواجهة السياسية للمنظومة العسكرية التي يقودها خليفة حفتر.
لم يكشف مسعد بولس سوى القليل من تفاصيل خطته. ومن تصريحاته العلنية يتضح أنه يريد التوصل إلى “حكومة موحدة” تجمع بين غرب ليبيا وشرقها
لكن بعيدا عن النية المعلنة، لم تتسرب أي معلومات حول مسار المفاوضات أو شكل الاتفاق المحتمل أو الجدول الزمني لتنفيذه. وتقول مصادر في الأمم المتحدة بأسف إنه ليست لديها أي صورة واضحة عما يجري بحثه. أما الشيء الوحيد المعروف فيتعلق بالأسلوب، أي المقاربة القائمة على عقد الصفقات، وهي المقاربة المفضلة لدى دونالد ترامب.
ويقول أسامة أسعد، مدير “مركز ليبيا للأبحاث الاستراتيجية والمستقبلية”، وهو مركز أبحاث مقره طرابلس يشارك في الوساطة المحلية وإعداد التحليلات المتعلقة بالقضايا السياسية والأمنية في البلاد: “الأمر يتعلق بجمع العائلتين الأكثر نفوذا في ليبيا حول طاولة المفاوضات: عائلة حفتر وعائلة الدبيبة”.
ووفقا لسيناريو متداول في العاصمة الليبية، تقوم الفكرة على توزيع المناصب الرئيسية في “حكومة موحدة” مستقبلية بين الشخصيات البارزة في العائلتين. تمنح رئاسة الحكومة التنفيذية المستقبلية إلى صدام حفتر، المولود عام 1991، والوريث الذي اختاره والده، خليفة حفتر، البالغ من العمر 82 عاما، بينما يمنح منصب رئيس الوزراء لعبد الحميد الدبيبة، أو ربما لابن شقيقه إبراهيم حميد الدبيبة، وهو شخصية أخرى محورية في المعسكر الطرابلسي.
وكتب المحلل السياسي وولفرام لاخر، في مقال نشره يوم 5 أغسطس الجاري في مجلة “نيويورك ريفيو أوف بوكس”: “في نظر كثير من الليبيين، فإن هذه الفكرة بحد ذاتها مسيئة؛ فهي توحي بأن البلاد ينبغي أن تخضع رسميا لحكم عائلي”.
الهوة السياسية والعسكرية
ومضت “لوموند” متسائلة: هل هذه المقاربة واقعية؟ وهنا، أكدت الصحيفة أن مسعد بولس يحرص على الإشارة إلى إنجازين حديثين في مسار التقارب الذي يريد تسريعه. أولا، تم التوصل في أبريل إلى اتفاق بشأن إجراءات موحدة لإعداد الميزانية. وثانيا، أجرت القوتان العسكريتان في الشرق والغرب، في الشهر نفسه، مناورات مشتركة في سرت تحت إشراف “أفريكوم”، أي القيادة الأمريكية في أفريقيا، في سابقة هي الأولى من نوعها.
لكن منذ ذلك الحين لم يحدث شيء يذكر. فرغم استمرار التحركات الدبلوماسية – إذ زار صدام حفتر واشنطن في نهاية يونيو، كما زارها عبد السلام الزوبي، الرجل القوي الجديد في قوات طرابلس – لم تتضح معالم خطة بولس أكثر. وبعد الآمال الأولى، بدأ الشك يتسلل إلى المشهد.
أليست نقطة ضعف مبادرة مسعد بولس هي أنها تركز بصورة مفرطة على الشخصيات، في البحث عن اتفاق، في حين تفضل الأمم المتحدة، التي أطلقت مبادرة جديدة عام 2025، التشاور مع أكبر عدد ممكن من الأطراف؟ تتساءل “لوموند”.
يقول أنس القماطي، مدير “معهد صادق”، وهو مركز أبحاث مقره طرابلس: “ما سيؤدي إلى إفشال الصفقة بين خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة هو أنهما، في الأساس، لا يريدان العمل معا. يمكنهما، في الخفاء، التوصل إلى ترتيبات بشأن مشاريع اقتصادية.
لكنهما، سياسيا، لا يريدان تقاسم السلطة. لأنهما لا يثقان ببعضهما بعضا”. وكان غياب الثقة هذا واضحا خلال مناورات سرت، حيث إن القوتين “لم تدمجا لا هيكل القيادة ولا نظام الاتصالات الخاص بهما”، يضيف القماطي.
وقد تجلت صورة أخرى للهوة السياسية والعسكرية المستمرة يوم 9 أغسطس، خلال احتفالات منفصلة في طرابلس وبنغازي بالذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي. ففي حين شدد عبد الحميد الدبيبة على أن الجيش يجب “ألا يتدخل” في المجال السياسي، دعا المشير حفتر، على العكس من ذلك، القوات المسلحة إلى “احتلال موقع مركزي في عملية صنع القرار”.
وما تزال الهوة سحيقة، وسيكون من الضروري على الأرجح بذل أكثر بكثير من نفوذ مسعد بولس وعلاقاته لردمها.