عندما ألقى ترامب خطاباً في تجمع انتخابي في كارولاينا الجنوبية في آب الماضي، حشد الدعم لمرشحته لمجلس الشيوخ دارلين غراهام، وحث الرئيس الجمهوري أنصاره قائلاً: “تخيلوا أن اسمي على ورقة الاقتراع”. ومنذ ذلك الحين، تجول ترامب في الولايات وفي تجمعاته الانتخابية، وكرر طلبه من الجمهوريين حوالي أربعين مرة: تخيلوه عند التوجه إلى صناديق الاقتراع.
أظهرت نتائج انتخابات التجديد النصفي أن الناخبين الأمريكيين استجابوا لنصيحته. فقد اكتسح الديمقراطيون الولايات المتحدة وألحقوا خسائر تاريخية. مثلاً، لن ترث غراهام مقعد شقيقها المتوفى لنتسي في الولاية التي تعتبر معقلاً للجمهوريين.
لم يكتمل حتى الآن فرز الأصوات في كل الدوائر الانتخابية في الولايات الخمسين، لكن النتيجة واضحة، كان رد الفعل العنيف على سنتي رئاسة ترامب هائلاً، وأحدث انقلاباً تاريخياً في مجلسي الكونغرس. خسر الحزب الجمهوري في ولايات لم يكن أحد يتخيل خسارته فيها قبل سنة واحدة فقط. وفي انتخابات نظر إليها بشكل واسع على أنها استفتاء على الرئيس، حصل ترامب على صفعة قوية من الناخبين.
للتوضيح، ولايات كارولاينا الجنوبية والشمالية وآيوا وكنساس هي ولايات دعمت ترامب ضد كمالا هاريس بفارق كبير. الأمر نفسه ينطبق على تكساس، حيث استثمر الديمقراطيون مبالغ طائلة ولم يحققوا أي فوز منذ العام 1988. في هذه المرة، فضل ناخبون الحزب الجمهوري في الولايات أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين أو مرشحي اليسار – وسط الذين ترشحوا كمستقلين. الأهم وجود كونغرس يستطيع إحباط بعض تحركات الرئيس المتطرفة. لقد نجح ترامب وحده في إعادة رسم حدود الخارطة السياسية في أمريكا قبيل انطلاق السباق للرئاسة في العام 2028.
استراتيجية الديمقراطيين الذكية
النتيجة الليلة في المقام الأول هي هزيمة ساحقة لترامب، لكنها أيضاً ثمرة استراتيجية ديمقراطية ذكية. حاول جو بايدن وكمالا هاريس في 2024 جعل الديمقراطية محور الحملة الانتخابية. هذه المرة، قررا التركيز على الفساد وغلاء المعيشة. ربط المرشحون في كل أرجاء الولايات المتحدة بين التعريفات الجمركية الحمائية والحرب في إيران وفساد ترامب. كانت رسالة الديمقراطيين للناخبين الأمريكيين واضحة: ترامب فاسد، لذلك جيوبكم فارغة. على شاكلة معارضة فيكتور أوربان في المجر، ظهرت قضية الفساد في الاستطلاعات، وكانت القضية الأكثر إلحاحاً لدى الناخبين.
لم يكن ميل ترامب إلى اختيار مرشحيه أقل ضرراً على الجمهوريين. فقد أدت هيمنة ترامب على حزبه الذي حوله إلى طائفة لعبادة الشخصية، إلى ظهور مجموعة من المرشحين، مشكوك في كفاءتهم وغير الناجحين. كانت هذه الحال في ولاية كارولاينا الجنوبية، حيث تدخل ترامب لإبعاد سياسيين قدامى لصالح غراهام عديمة الخبرة. لقد تم حسم مصيرها في مناظرة عندما سئلت عما ستفعله إذا غزت الصين تايوان، وقالت: “لا أهتم بالأمن القومي”.
في المقابل، أظهر الديمقراطيون براعة سياسية واختاروا مرشحين مناسبين في الولايات المحافظة. فقد خاض السناتور في ولاية تكساس، جيمس تريليكو، وهو خريج كلية مسيحية، حملة انتخابات تقوم على المصالحة والوحدة، وجذب بذلك ناخبين مسيحيين ملتزمين. وفي ولاية كنساس برز الواعظ الميثودي آدم هاملتون كمرشح مناسب لهزيمة السناتور الحالي روجر مارشال. سيكون هاملتون أول سناتور ديمقراطي في كنساس منذ العام 1932.
فلوريدا مثالاً
أصبح انتصار الديمقراطيين في الولايات الجمهورية القضية الرئيسية على جدول الأعمال الأمريكي. ولكن يجدر التوقف عند الولايات الأخرى أيضاً. فلم يكن فوز الديمقراطيين في الولايات الزرقاء مفاجئاً، لكن النتائج الأولية توضح أن غالبيتهم العظمى فازت بفارق أكبر. حتى في السباقات التي خسرها الديمقراطيون، أوضح الفرق مع خصومهم الموجة الزرقاء التي اجتاحت الولايات المتحدة. انتخابات التجديد النصفي لا تعتبر خسارة للجمهوريين فقط، بل هزيمتهم الكبرى.
قبل أربع سنوات فقط، فاز رون ديسانتس في فلوريدا وانتخب حاكماً للولاية الجنوبية بفارق 19 في المئة، أيضاً ترشح ماركو روبيو وفاز بولاية أخرى في مجلس الشيوخ بفارق 16 في المئة. أمس، انتخب سكان فلوريدا عضو الكونغرس المؤيد لترامب بايرون دونالدز، الذي سيخلف ديسانتس في منصب الحاكم. ولكن فوزه كان قليلاً. خسر منافسه الديمقراطي ديفيد جولي، بفارق صغير لا يتجاوز نقطة أو نقطتين في المئة.
النتيجة الليلة في المقام الأول هي هزيمة ساحقة لترامب لكنها أيضاً ثمرة استراتيجية ديمقراطية ذكية
إضافة إلى ذلك، انتخبت الجمهورية اشلي مودي سناتورة عن ولاية فلوريدا، بفارق صغير بلغ 2.9 في المئة فقط. ويزداد هذا الرقم، للدهشة؛ لأن منافستها كانت انجي نيكسون، وهي امرأة سوداء وعضوة في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (دي.اس.إي) التي تخرج منها زهران ممداني، رئيس بلدية نيويورك. فلوريدا ليست نيويورك.
وبشرت الموجة الزرقاء التي اجتاحت الولايات المتحدة بالكثير من الانتخابات التاريخية، لا سيما لدى النساء. فكيشا لانس بوتومز، الحاكمة المنتخبة لولاية جورجيا، أول امرأة سوداء في تاريخ أمريكا تنتخب لرئاسة حكومة ولاية. وانتخبت جينا هينوجوسا حاكمة لولاية تكساس، لتكون بذلك أول أمرة من أصل لاتيني تشغل هذا المنصب. وستكون اشلي اكتون أول امرأة تتولى منصب حاكم ولاية أوهايو.
لم يفاجئ أحداً اعادة انتخاب زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفرز، لتمثيل دائرته الانتخابية في نيويورك. سيبدأ تاريخه الشخصي في 3 كانون الثاني 2027 عندما سيخلف رئيس مجلس النواب مايك جونسون الجمهوري. سيكون جيفرز أول شخص أسود يترأس الهيئة التشريعية في أمريكا. وقد أعلن في خطاب فوزه: “أمريكا عادت، اليوم تبدأ عودة الولايات المتحدة”.
سيضطر جيفرز إلى قيادة الديمقراطيين في الكونغرس، ويتناقشون بشأن كيفية معاقبة ترامب. البعض يطالبون بتقديمه لمحاكمة عزل، وهي خطوة قد تقرر في مجلس النواب، لكنها لا تملك أي فرصة للحصول على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ. في حين يعتقد آخرون أن الصحيح هو فتح تحقيق لتحديد مدى فساد ترامب وعائلته ومساعديه.
من استمتع برؤية النائبة الجمهورية المنتهية ولايتها،أاليس ستيفانيك، وهي تحقق مع رؤساء الجامعات الكبيرة في تلة الكابيتول، لن يفرح برؤية المشرعين الديمقراطيين وهم يحققون مع كبار المسؤولين في إدارة ترامب. وفي أوساط الديمقراطيين، يعتبر وزير الدفاع بيت هغيست، المرشح البارز لجلسات الاستماع في الكونغرس القادم. بشكل عام، قد تصبح لجان الكونغرس المختلفة ما يشبه برنامجاً تلفزيونياً متواصلاً، الأمر الذي سيوفر فرصة ظهور لكل المشرعين الذين يطمحون إلى الترشح للرئاسة في العام 2028.
في الأسابيع القادمة، سيتم استكمال فرز الأصوات في كل السباقات الانتخابية، وعندها ستتضح صورة انهيار تحالف ترامب. وتعتبر هذه البيانات مهمة لمعرفة إذا كانت الموجة الزرقاء مؤقتة، أم دليلاً على تحول جذري في الخارطة السياسية في أمريكا. من الواضح بالفعل، وفقاً للعينات، أن الأقليات التي ساعدت الجمهوريين على الفوز في الانتخابات للرئاسة قبل سنتين، قد تخلت عن الرئيس. وحسب العينات، فإن 65 في المئة من الشباب من أصل لاتيني، الذين صوتوا لترامب، فضلوا المرشحين الديمقراطيين هذه المرة. بعد سنتين من اضطهاد المسؤولين عن الهجرة للأشخاص الملونين ووضعهم في مراكز الاحتجاج، خسر الجمهوريون أصوات الناخبين من أصل لاتيني.
الاستنتاج الأول الذي يخطر بالبال من نتائج الانتخابات هو أن غالبية الناخبين أبعدوا أنفسهم عن المرشحين الذين قاموا بحملات انتخابات سلبية وتحريضية. فبعد أن زعم روبرت كنيدي الصغير في تجمع انتخابي في ولاية ميتشغان أن العرب ليسوا أذكياء، أثارت أقواله ردود فعل غاضبة لصالح الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن السيد، الطبيب الحائز على منحة رودوس، التي أعطيت أيضاً من قبل بيل كلينتون وبيت بودجيج. حملة عنصرية صارخة معادية للإسلام. في ميتشغان، حقق السيد نتيجة معاكسة؛ فقد أثار الناخبون المترددون اشمئزازاً إزاء منافسه مايك روجرز، ومنحوا المرشح الديمقراطي الفوز في انتخابات مجلس الشيوخ بفارق يزيد عن 6 نقاط في المئة.
أما إعلان فيفيغ روماسوامي في أوهايو، فقد أصبح بالفعل مادة للسخرية السياسية في أوساط الجمهوريين. فقد استعان المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أوهايو بوالدة منافسته الديمقراطية إيمي إكتون، في إعلان وصفت فيه ابنتها بالكاذبة والمتخلفة عقلياً. وبسرعة، تبين أن زوج الأم الثاني قام باغتصاب إكتون وهي في التاسعة وحتى الثانية عشرة من عمرها، وأيضاً شقيقها فيليب.
وأظهرت الاستطلاعات أن هذه الحادثة كانت نقطة انعطافة في سباق أوهايو، وحسمت خسارة راماسوامي. وحتى الإعلانات المعادية للمتحولين جنسياً، التي كانت ناجعة في 2024، فشلت في تغيير الوضع الآن. الكراهية في عام 2026 ليست الأمر الذي بحث عنه الناخبون في الولايات المتحدة.
بدأ الجمهوريون بالفعل في مراجعة أنفسهم، حتى في أوساط بعض المعلقين المحافظين في “فوكس نيوز”. وبالطبع، هذا لا يشمل أي مراجعة من ناحية الرئيس. ففي منشور نشره في شبكته “تروث سوشيال”، تجاهل كل ما قاله خلال الحملة. واستنتج بما يعرفه “لم أكن على ورقة الاقتراع. لو كنت لفزنا فوزاً ساحقاً! شكراً لاهتمامكم بهذه القضية”.
نتنئيل شلوموفيتس
هآرتس 5/11/2026