إذا قُدّر لك أن تستمتع بالحدود المفتوحة، وأن تجرب أن تصل إلى العاصمة الفرنسية باريس بواسطة الحافلة السفرية من أي بلد أوروبي آخر فسوف تتفاجأ بالمكان البائس، الذي يفترض أنه موقف الحافلات الدولية. هو موقف فعلا، لكن بلا موظفين ولا كثير خدمات، وإذا احتجت أن تبحث عن دورة مياه مثلا بعد رحلة طويلة فسوف تكتشف أنها في الغالب غير موجودة أو متعطلة. هذا سوف يفسّر لك سر الرائحة الكريهة، التي ستكون في استقبالك عند خطواتك الأولى.
هذه الرائحة سوف ترافقك وأنت تتخذ طريقك إلى المترو. محطات المترو، التي تتحول في آخر النهار لمأوى للمشردين، هي في أغلبها قديمة، خاصة تلك التي تقع في قلب العاصمة، والتي لا يتوفر فيها حتى سلم كهربائي بسيط لتسهيل الحركة، ما يجعل الوصول إلى أحياء الوسط، خاصة إذا كنت تحمل حقائب ثقيلة، أمرا صعبا ومعقدا.النفايات ومشاهد الناس الذين يجوبون الشوارع بلا مأوى وتردي البيئة بشكل عام كلها تدل على قلة الإنفاق الحكومي، الذي يظهر في أكثر من مرفق وينعكس على أكثر من جانب، ما يجعلك تستوعب لماذا تتأخر المعاملات وتأخذ وقتا أطول من اللازم، أو لماذا لا تستطيع فرنسا أن تقوم بواجبات بسيطة كالالتزام بإيواء اللاجئين، الذين تستقبلهم.
أردت أن أبدأ بهذه البداية حتى أضع القارئ ضمن الصورة، لأن كثيرين يتعاملون مع التظاهرات الفرنسية وكأنها فوضى بلا سبب، أو يرون، وهم الذين تأتي على بالهم صورة الإعلانات والدعاية السياحية، أن بلد الحرية وبرج إيفل وشارع الشانزليزيه ليس فيها ما يدفع لولادة حالة غضب، وأن على الفرنسيين المدللين أن يحمدوا ربهم على النعمة وأن يشكروه.
الخطورة أن هذا النوع من الغضب الشعبي لا تستطيع احتواءه اللعبة الديمقراطية، بل هو غضب بالدرجة الأولى على هذه اللعبة، التي لا تملك سوى أن ترفدك بأسماء جديدة لكن من النادي القديم نفسه
في الحقيقة فإن هذا هو ما كان يحدث فعلا خلال السنوات الماضية. أغلب الناس كان يفضل الصبر معلقا الفشل على عاتق الحكومة أو الرئيس. لكن الذي حدث هو أنه في الآونة الأخيرة بات الصبر أصعب. لم يعد الأمر يقتصر على قلة الإنفاق الحكومي أو على تزايد الأسعار وثبات الأجور، بل بات يضغط بشكل لا يحتمل على حياة المواطنين البسطاء، الذين يمثلون غالبية الشعب الفرنسي من الذين لم يعد طموحهم هو شراء منزل أو التوفير من أجل قضاء إجازة فاخرة، بل مجرد العيش بشكل كريم.
بسبب هذا فإن الشعب كان يلجأ للتظاهر بين فترة وأخرى من أجل إيصال رسالة للحكومة وللسياسيين بأن هناك ما يستحق المعالجة وأن الوضع بات لا يطاق. تجاهل الرئيس والحكومة لهذه الأصوات ومحاولة شغل الناس بقضايا جانبية كالهجرة والحجاب هو ما دفع لأن تتخذ التظاهرات الطابع القوي، الذي ظهرت به يوم السبت السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، الذي ظهر كعلامة فارقة من علامات الرفض الشعبي للواقع السياسي والاجتماعي. أراد المنظمون بهذا التحشيد أن تكون رسالتهم أعلى من أن تنسى، أو أن يتم تجاهلها وأن تقود التظاهرة، التي لم تقتصر فقط على باريس، بل عمت كل أنحاء فرنسا، إلى أن يفكر صناع القرار بشكل جاد في إيجاد حل. توقيت التظاهرات أيضا ذو دلالة، حيث لا يفصلنا عن الانتخابات سوى بضعة أشهر، وقد يتبادر إلى الذهن أنه مهما كان مستوى انعدام الرضا عن السياسات الماثلة، فإن في الانتخابات فرصة لتغيير كل النخبة السياسية. إظهار الغضب في هذا الوقت كان يحمل رسالة قوية مفادها، أن الضيق يتجاوز الرئيس والحكومة الحاليين للنظام نفسه. مئات الآلاف، الذين احتلوا الشوارع وعبثوا بمباني وأيقونات رمزية، أرادوا القول إن مشكلتهم أكبر من مجرد تغيير لأسماء حكومية. الخطورة هي أن هذا النوع من الغضب لا تستطيع احتواءه اللعبة الديمقراطية، بل هو غضب بالدرجة الأولى على هذه اللعبة، التي لا تملك سوى أن ترفدك بأسماء جديدة لكن من النادي القديم نفسه. قادة التظاهرات كانوا طلاب الثانوية، الذين أثر التقشف وانعدام الدعم على مدارسهم، فصارت بلا تدفئة في برد الشتاء وبلا تبريد في حر الصيف، كما صارت تفتقر للعدد الكافي من المدرسين. مع انتصاف اليوم بدأ هذا الاحتجاج الغاضب بضم الجميع بدءا من أولياء أمور أولئك الطلاب ومرورا بنقابات العمال والموظفين والأحزاب اليسارية. حالة الغضب العارمة هذه ساهمت أيضا في إحياء ما يعرف بأصحاب «السترات الصفراء»، الجماعة الاحتجاجية، التي كانت قد سبقت إلى إنهاك النظام بواسطة التظاهرات والإضرابات الشاملة.
مشاهد الأحداث، التي نقلتها القنوات والمواقع الإخبارية، كان فيها عنف كثير، كما كانت توضح أن كثيرا من الغاضبين قد لجؤوا بالفعل للعنف وللتخريب، الذي وصل حد تكسير محلات كبيرة وتخريب مبانٍ تاريخية وأقسام شرطة. حزب «فرنسا الأبية» اليساري الداعم للمظاهرات يقول في هذا الصدد، إنه يدين العنف، لكنه يعتبر أن الصورة اكتفت بنقل سلوك المتظاهرين المرفوض، ولكنها لم تنقل لنا الجانب الآخر المتمثل في توحش الشرطة، التي بالغت هي أيضا في استخدام العنف والقوة لدرجة أن متظاهرا فقد عينه بسببها. يقول جان لوك ميلانشون، أحد أهم وجوه الحزب، أن المظاهرات كانت تمضي بهدوء وسلام في كل مكان لا تتدخل الشرطة فيه.
يدعم كثير من شهود العيان هذه الرؤية، حيث يقولون في إفاداتهم، التي نقلتها وسائل الإعلام، إنهم لاحظوا أن استخدام القوة المفرطة والغاز المسيل للدموع، بدأ قبل أن يكتمل تجمع المتظاهرين في باريس، وقبل أن يتجهوا لممارسة أي عنف، وكأن الغرض كان إخافتهم وثنيهم عن متابعة ما كانوا ينوون فعله، لكن الذي حدث كان العكس، حيث أدى ذلك لزيادة حماسهم ولاقتناعهم بضرورة استكمال مسيرتهم.
حينما تتابع القراءات المختلفة للمشهد تكتشف أننا لسنا إزاء فرنسا واحدة، بل «فرنساوات» متعددة. من جهة لدينا فرنسا الطبقة الاقتصادية والسياسية، التي لا تتضرر كثيرا من ارتفاع الأسعار، ولا تشعر بفوارق غلاء الوقود، لكنها تتضرر من مثل هذه الاضطرابات وما يصاحبها من إغلاق وتوتر أمني. هذه الطبقة تضغط من أجل أن تكون الشرطة والأجهزة الأمنية أكثر حسما في قمع المتظاهرين، وألا تسمح بمزيد من الفوضى أو تعطيل الحياة العامة. أما من الجهة الأخرى فثمة عامة الفرنسيين، الذين وصل ببعضهم الأمر درجة أنهم فقدوا الأمل في مستقبل أفضل، ولم يعودوا يشعرون حتى بالانتماء للمكان. أولئك باتوا اليوم يتقدمون نحو خيارات صفرية، وكأنهم يقولون إنه لم يعد لديهم ما يخسرونه.
من الناحية السياسية يحاول الفرقاء، الذين يتطلعون للقفز على السلطة ويقدمون أنفسهم كبديل للنظام الحالي، الذي أثبت فشله، لاستغلال الأحداث في التقرب إلى الجماهير. هكذا، وبينما يقدم اليسار المتطرف نفسه كجزء من عملية الرفض والتظاهر، وكمنحاز لرغبات ومصالح الشعب، يقوم اليمين المتطرف باستخدام حيلة أخرى يقول عبرها، إن الأحداث أثبتت أنه كان على حق، وأن اليسار ومن يدعمهم من المهاجرين واللاجئين والغرباء، الذين كانوا وقود هذه التظاهرات، هم سبب الأزمة. هذا هو رأي اليمين الفرنسي، الذي حاول التأكيد عليه من خلال إبراز صور المشاركين من أصول عربية أو افريقية، وهو أيضا رأي اليمين العالمي، كما ظهر في منشور لدونالد ترامب أوصى فيه فرنسا بإغلاق حدودها.
كاتب سوداني