إليك بعض التفاصيل من مسودات سابقة لروايتي الأحدث، تفاصيل انتهى بها الأمر خارج النسخة النهائية، أطفال العائلة الصغار، وهما أخ وأخت عزلتهما فجوة العمر عن إخوتهما الأكبر، ينفصلان عن والديهما، اللذين يديران سلسلة متاجر منخفضة الأسعار من زمن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، ليفتتحا متجرا ضخما مخصصا للناجين والاستعداد للكوارث، بشعار ”الأمر أقرب مما تظن!”.
وقبل ذلك بسنوات حين كانت الأخت في التاسعة من عمرها، راحت تعبثُ على هامش حفلة مشحونة يقيمها والداها، ثم شربت الكحول فسكرت وتقيأت. حسنا أقدِّرُ حكمة حذف تلميذة في الصف الثالث ثملة من مخطوطي، ثم وقد أثارها غضب أخيها، تضربه وتصرخ فيه بأنه ”كهل حقير وغبي”. وفي مرحلةٍ ما كانت هناك زاوية سرد كاملة لم تصل إلى النسخة النهائية، منظور المرأة التي تحبها كبيرة العائلة، وهي امرأةٌ جميلةٌ وعملية، تعمل أيضا في مشروع العائلة. وبهذا اختفى صوتٌ وعالم كاملان، وأيضا نفسيةٌ كاملة.
معظم ما ينتهي بي الأمر إلى حذفه من كتابتي هو من قبيل العابر والزائل، تلك التفاصيل والدقائق الخاصة بالشخصيات والحكاية، التي نكتبها في المسودة الأولى، فتشكِّل حجارة الرصف الأولى للسرد، وتؤسِّسُ عالمه المبكر بما يكفي من الصلابة، قبل أن يُمهَّد فوقها لاحقا. وهذا العابر كيان ذو وجهين عند كاتب الرواية، وأدق تعريف لهذه الأشياء العابرة، أنها أشياء لا يُراد لها أن تدوم؛ تؤدي غرضها ثم تُلقى جانبا، أشياء ورقية كتذاكر السينما، ومنشورات المسرح، وعلب أحمر شفاه فارغة، والخواتم التي تترك آثارا على الأصابع، والقصص ممتلئة بهذا النوع الحرفي من الأشياء العابرة، بما ترتديه الشخصيات وتحمله وتشتريه، وتدسه في جيوبها. لكن هناك أيضا ما هو عابر بالمعنى الحِرفي/الفني للكتابة.. الملاحظات والأشياء الزائدة التي تُقصُّ من أجل جملة أوضح أو عدد كلمات أقل. كثيرا ما يكون هذا العابر كاشفا للحياة الداخلية للشخصية، معادلا حيّا نابضا لما في قلبها، أرِني درج خردة شخصية ما، أقل لك بدقةٍ كيف ستسقط أو كيف ستنجو. ومن الأشياء العابرة التي بقيت في الكتاب.. قطعة مطاطية أرجوانية تضعها البطلة على إبهامها لتعد النقود، ثم تتحول لاحقا إلى علامةٍ بصريةٍ تتركها لحبيبها.
هناك الابن الأصغر، الذي يكون عادة الأكثر انفلاتا وتحررا، في ارتشاف القهوة الباردة بنهمٍ وهو يشاهد برنامج ”ذا جونج شو”. وهناك سيارة الكاديلاك التي تشتريها لنفسها إحدى الشخصيات الرئيسة المسرفة كل عامين، باللون الأبيض، لأن ”الأحمر لون العاهرات”. وهناك أيضا ”مكعَّب روبيك” الذي لا تستطيع كبيرة العائلة، المفرطة في الإحساس بالواجب إلى حدِّ العيب، أن تمنع نفسها من إنقاذه من ممرِّ مفارش البيت وإعادته إلى مكانه الصحيح.
تخبرنا هذه التفاصيل من تكون الشخصيات حقّا، ومن تتمنى أن تكون، وتكشف مسؤولياتها، وأشباحها، ورغباتها. وإذا أمعنت النظر بما يكفي في الأشياء العابرة التي تُبقيها، وتلك التي تحذفها، ستجد أن هذه التفاصيل غالبا ما تكون مؤشرات على التوق والاندفاع، علامات طريق تقودُ إلى المنعطفات المهمة في الحبكة التي يحتاجُ الكاتب إلى بنائها وصياغتها. لكن من زاوية الإنتاجية، تبدو هذه الأشياء العابرة غالبا ضد الكفاءة والوصول إلى قصةٍ متماسكة على الورق، وجاهزة للنشر في أسرع وقت ممكن، فكل شيء في ثقافتنا يطالب بهدفٍ ومنتجٍ نهائيٍّ، لكن الحقيقة هي الآتية من منظور الحرفة، لا بد أن تكتب طريقك عبر هذه التفاصيل، وأن تقبل بحقيقة الحذف، هذا هو الطريق الوحيد، وليس طريقا سريعا بست حارات؛ بل طريقٍ ريفيٍّ مليء بالمنعطفات الحادة، ولا علاقة للكفاءة بالأمر، ما يهم هو أن تتبع ذلك الطريق، بأكبر قدر من الصبر يسمحُ به إيمانك.
لكن الأشياء العابرة ليست مجرد تفاصيل، وليست فقط الهيكل العظمي للمسودات الأولى الخفية؛ إنها أقرب إلى مفهوم الناقد جون وود عن ”خصوصية الشيء”، أي تلك التفاصيل الحسية في القصة التي تبلغُ من التحديد حدّا يكاد القارئ يلمسها، ومن المباشرة والحياة حدّا يجعلها كأنها تُدخل القارئ بجسده إلى التجربة، تصنع هذه الأشياء العابرة الجسر الذي يلتقي عنده القارئ والكتاب، ويبدآن التعاون معا.
هناك أسباب وجيهة كثيرة لذلك، لكن أبسطها وأكثرها إنسانية هو السبب الأقوى.. الأشياء العابرة هي الباقية حين يتساقطُ كل ما عداها من ذكرى أو تجربة، فهي بياناتنا الغريزية؛ وما تنقله إلينا حواسنا، ومعلومات تُحفظ في فهرس البقاء البدائي في رؤوسنا، ذلك الذي يضمُّ كل شيءٍ، من ”الموقد ساخن؛ لا تلمسه”، إلى الطريقة التي كانت تبدأ بها نغمات ”أجراس لندن” في الرنين من ساعة جدَّيك القديمة، مع دوران تروسها الخافت في الداخل، تمتصُّ أشد هذه التفاصيل العابرة أثر حواسنا من غير أن ندري، ثم تطفو بعد عقودٍ بطريقةٍ تجعلُ شعر ساعديك يقف.
كان تقديري المكتسَب للأشياء العابرة أشبه ببركةٍ يغذيها نبعان الأول علاقة حب بدأت في سنوات الجامعة مع الشعر، فالكتابة القصصية تتعلمُ الكثير من الشعر، الذي يتكئ على الأشياء العابرة في صورة تفاصيل حسية مكثفة كي يدفع المحرك إلى الدوران؛ والثاني ذلك النوع من تمارين اليقظة الذهنية التي يلجأُ إليها الأشخاص شديدو القلق حين يشعرون بأنهم يبدأون في الانزلاق داخل دوامةٍ. عندما أقلعت عن الشرب للمرة الأولى قبل واحد وعشرين عاما، كنت مشدودة إلى كل تفصيلةٍ عابرة، ألاحظ كل شيءٍ.
التعافي نوعٌ من الولادة الثانية. في الأيام الأولى من الصحو، ينكشفُ أخيرا ذلك الجزء من نفسك الذي ظل مغطى بقشور المواد المخدرة طويلا، مرتجفا وبلا حمايةٍ، أمام الحياة في أقصى درجات الصحو، هل كان انجذابي إلى هذه التفاصيل الصغيرة العابرة، التي كانت تثبتني حين شعرت بأنني أغرق أو أنهار، نابعا من كوني أتحول إلى كاتبةٍ، أم من كوني أتعافى من إدمان الكحول، أم من الاثنين معا؟ أن تمد يدك إلى التفاصيل الصغيرة حيلةٌ شائعة.. ملمس كمِّ سترة، سطح مكتب، قلادة في عنقك، كي تذكِّر نفسك بأنك هنا، في هذا المكان أي في هذه اللحظة وحدها، لا منجرفا في دوامة الهلع واليأس التي تكاد تسحبك إليها، توجه الأشياء العابرة الدماغ إلى أصغر النتوءات الملموسة في الوعي، فتهدِّئ الذهن المرتجف وتعيدنا إلى أنفسنا.
يدرك البشر في عام 2026، ربما أكثر من أي جيلٍ سبقهم، الطبيعة الزائلة للذاكرة، فنحن واقعون تحت رحمة مؤثرات كثيرة تستنزف الذاكرة والقدرات الذهنية، إلى حدٍّ يثيرُ الدهشة أننا ما زلنا نؤدي وظائفنا بهذا القدر من الكفاءة نُجبَر على تعدد المهام طوال اليوم، كل يومٍ، في العمل والبيت، وغالبا بينما تحيطُ بنا شاشات عديدة مغرية في متناول اليد؛ حتى إذا وصلنا إلى نهاية اليوم، كانت أدمغتنا منهكة إلى درجة أن معظمنا لا يتمنى إلا أن يستلقي على ظهره، ويسلِّم مهمة المعالجة إلى تلك المرآة الصغيرة المضيئة والمزدحمة بالإشعارات أمامه. فنحن نفقدُ القدرة على التهجئة، وعلى حفظ أرقام الهواتف، ونفقد أيضا الخبرة الحسية المناظر، والأصوات، والروائح. نفقد أشياءنا العابرة.. ما يسد شقوق ذاكرتنا وإحساسنا بذواتنا، ويُبقيهما متماسكين.
وأنا لست أقل ذنبا من غيري في العبث بهاتفي بلا هدف، مع أن عطشي إلى الأشياء العابرة ما زال واضحا، خصوصا في منتدياتي المفضلة على ريديت.. منتدى ”مخزن الجدة”، حيث ينشر الناس أغراضا منزلية متفرقة انتهت صلاحيتها منذ زمنٍ طويل، عثروا عليها في خزائن أقاربهم الأكبر سنّا؛ تخيَّل علب ”جيلو 1-2-3” المصفرة، أو فوط ”كوتكس” الصحية من عام 1971، كاملة بحزامها البلاستيكي المخيف؛ ومنتدى ”نبش ضفاف الأنهار”، حيث يبحثُ الناس على ضفاف الأنهار عن أشياء قديمة ثم ينشرون ما وجدوه؛ ومنتدى ”سبعمئة شطيرة» أتعرف؟ لن أفسده عليك؛ ادخل واكتشف غرابته بنفسك. لكن قدرتي على الخروج والعثور على أشيائي العابرة الخاصة آخذة في التراجع. فإذا كنت تحوم حول خمسة أشياء مختلفة، ولا تمنح كلّا منها إلا عشرة في المئة من انتباهك، فإن أول ما يضيع هو المدخل الحسي الصغير.
أشعرُ بالإحباط مثل أي كاتبةٍ حين لا تنضج كتابتي بالسرعة التي أتمناها. لكن ما يغيظني أكثر أن قِصر مدى انتباهي، ورغبتي التي لا تُقاوَم في التحديق في كل شاشةٍ أراها، قد أضعفا تلك الصلة بالعالم التي صنعتها قبل سنوات طويلة، حين كنت أشعر بأنني أفقد كل شيء. في المسودات الأخيرة من المشروع ـ حين عرفت أخيرا أنه سيصير كتابا ـ اضطُررت إلى أن أراجع بصرامةٍ عاداتي مع الأشياء العابرة، وأن أتأمل في قرارات الحبكة النهائية تلك الأشياء العابرة التي منحت شخصياتي صلابتها. فلنعد إذن إلى ”ويندي”، التي ضاع منظورها في المسودات الأولى، لكن ظلَّ صوتها يترددُ في القصة النهائية.
في مرحلةٍ متأخرة من العمل، وضعت هاتفي في غرفةٍ أخرى، فكَّرت طويلا وبجديةٍ، ثم جاءني الجواب. كانت ملامح الفصل الأخير مدفوعة بقربي الحميم منها.. من الوجبة الخفيفة التي تعدها لابنتها كل يوم، ”نملٌ على جذع شجرة”، إلى ألبومها المفضل ”تاسك”، لفرقة ”فليتوود ماك”، إلى نوع المسدس الذي كانت تملكه. كان التفصيلان الأولان علامة على ذلك الدفء البيتي الذي يشدُّ حبيبتها إليها، مرارا وتكرارا، أما التفصيل الأخير فكان علامة على أنها لن ترضخ للترهيب حين تأتي القوى النافذة لتهددها، وعلى قدرتها على إلهام الشخصيات الأخرى لمقاومة بطش المتنمر، وهكذا عثرتُ على الفعل الأخير والحاسم بالكتاب.
أن تكتب مادة تعرف أنك ستحذفها لاحقا هو تعبير عن قبول الذات، مدعوما بإيمان بأن هذه التفاصيل مكتوب لها أن تُطرح جانبا، وأن تقود القصة في الوقت نفسه إلى وجهتها النهائية، وأن تحمي استقلال عقلك فهو تعبيرٌ عن حب الذات، من حقنا أن تكون لنا حياة داخلية تتلذذ بكل النفايات الحسية الجميلة التي نستطيع احتمالها، الأشياء العابرة هي الطريقة التي تذكِّر بها نفسك أنك إنسان.. لست رقميّا، أو جامدا. فمخزونك الحي هناك، في داخلك، يمدك بالقوة وأنت تعبر الزمن.
*كايلا راي كاتبة أمريكية ولدت ونشأت في كنتاكي. تخرجت في جامعة كنتاكي، كما تخرجت في برنامج الماجستير في الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك، التي التحقت بها بصفتها باحثة دراسات عليا ضمن برنامج ”جاك كِنت كوك”. تعيش في لويفيل، وروايتها الأولى ”مخرجو الرسوم المتحركة”.
**سارة حواس..كاتبة ومترجمة مصرية