لماذا انقلبت دبي على النخبة الإجرامية الأوروبية التي لجأت إليها؟


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “ديلي تلغراف” تقريرا أعده ماكس ستفينز قال فيه إن الإمارات العربية المتحدة بدأت تتحرك ضد العصابات الإجرامية المنظمة التي وجدت ملجأ آمنا على أراضيها.

وقال فيه إن دبي كانت بمثابة المقر المثالي لعائلة كينهان الإجرامية، فعلى مدى عشر سنوات، أدار كريستي كينهان الأب، الملقب بـ”الرجل الأنيق”، وابناه دانيال وكريستي الابن، إمبراطوريتهم لتجارة الكوكايين التي بلغت قيمتها مليار جنيه إسترليني من شقق فخمة في نخلة جميرا، وهي أرخبيل اصطناعي يمتد على مساحة 1380 فدانا، صمم على شكل نخلة. وقد سمحت شبكة من المسؤولين الفاسدين للعصابة بغسل الأموال القذرة دون رادع عبر سوق العقارات المحموم في المدينة.

وعلى الرغم من رصد السلطات الأمريكية مكافأة قدرها 5 ملايين دولار (3.8 مليون جنيه إسترليني) لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه عام 2022، إلا أن دانيال كينهان، الزعيم الفعلي للعائلة، كان يختلط بحرية مع أقوى أباطرة المخدرات في أوروبا في بطولات الملاكمة وفي المطاعم الحائزة على تصنيف “ميشلان” المعروف.

لكن في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024، تغير الوضع، فقد ألقت شرطة دبي القبض على شون ماكغفرن، أقرب المقربين لدانيال كينهان ومستشاره العائلي. وفي وقت سابق من الشهر الماضي، ألقي القبض على دانيال كينهان نفسه، وهو ينتظر تسليمه إلى أيرلندا، حيث يواجه اتهامات تتعلق بالجريمة المنظمة. ويحتجز حاليا في سجن العوير المركزي، الذي يطلق عليه نزلاء سابقون لقب “ألكاتراز دبي”.

كشفت مصادر أمنية أن قرار الإمارات العربية المتحدة بالتصدي لـ”ساحل الجريمة” في دبي لم يأت إلا في العامين الماضيين، نظرا لتفاقم الإحراج الذي لحق بسمعتها

وكشفت مصادر أمنية أن قرار الإمارات العربية المتحدة بالتصدي لـ”ساحل الجريمة” في دبي لم يأت إلا في العامين الماضيين، نظرا لتفاقم الإحراج الذي لحق بسمعتها، ما حال دون إبرامها اتفاقيات تجارية مع دول أخرى.

وقال دبلوماسي بريطاني سابق إن هذه البؤرة الإجرامية أصبحت قضية “ذات أهمية وطنية” للإمارات.

وعقدت شخصيات بارزة في حكومة أبوظبي اجتماعات متكررة لمناقشة “الضرر الذي لحق بسمعتها” على الساحة الدولية. وقال الدبلوماسي السابق: “إذا كنت مسؤولا تجاريا أو دبلوماسيا، وذهبت إلى مكان مثل ألبانيا أو أيرلندا، فلن يكون الوضع جيدا، لأن كل ما كانوا يتحدثون عنه هو أن أخطر مجرميهم يرتادون حانات مدينتك”.

وترى الصحيفة أن الأمر يتجاوز مجرد بعض العناوين السلبية، صحيح أن الإمارات قادرة على تجاوز هذه العناوين، إلا أنها باتت تشكل مصدر إزعاج كبير للعلاقات الثنائية، وبات عليها تغيير نهجها لصعوبة ممارسة الأعمال التجارية في العديد من الأماكن.

وأضاف الدبلوماسي السابق: “إذا كنت زعيم عصابة إجرامية منظمة أو مجرما ثريا وناجحا، فحتى عام 2024، كانت دبي أفضل مكان يمكنك اللجوء إليه، لأنها لم تكن تعتقل الناس إلا إذا كان هناك دافع سياسي وراء ذلك”.

وأشار المحللون أيضا إلى التداعيات السلبية على سمعة الإمارات العربية المتحدة جراء إدراجها في “القائمة الرمادية” لفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، وهي هيئة رقابية عالمية لمكافحة غسل الأموال، في عام 2022.

وتضم القائمة الرمادية مجموعة من الدول التي ينظر إليها بأنها لا تبذل جهودا كافية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد استغرق الأمر عامين قبل أن يرفع المحققون اسم الإمارات من القائمة.

وأدى انتشار وفرة المحلات التي تبيع ماركات المصممين والفنادق الفخمة في دبي، ومكانتها كمركز لتجارة الذهب، وانخفاض تكلفة المعيشة فيها، إلى تحويل الإمارة إلى جنة للعصابات.

وقد تباهى المجرمون بنمط حياتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، والتقطوا صورا لأنفسهم أمام سيارات فارهة وشقق فاخرة مطلة على أفق المدينة. كما سمح نظام “الحوالة” المصرفي، المتوارث في الإمارة، بتحويل مبالغ طائلة من الأموال دون ترك أي أثر، ولم تستفسر السلطات عن مصدر أموال عائلة كينهان.

وكان الشرط الوحيد هو إبقاء عمليات تهريب المخدرات والأسلحة خارج دولة الإمارات.

وكانت المدينة جذابة بشكل خاص لقادة الجريمة في البلقان، وتشير تقديرات “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود” إلى أن ما يقدر بنحو ثلثي تجار المخدرات في ألبانيا قد فروا إلى دبي خلال العقد الماضي.

فقد كانت قائمة المدعوين لحفل زفاف دانيال كينهان في عام 2017 في فندق جميرا برج العرب “ذي السبع نجوم” تضم تقريبا قائمة بأبرز المطلوبين لدى الإنتربول. وضمت المجموعة إدين غاشانين، وهو تاجر مخدرات بوسني يعرف باسم “إسكوبار أوروبا”، ورافاييل إمبيريال، وهو عضو بارز في عصابة كامورا الإيطالية المرتبطة بسرقة لوحات فان غوخ، وفيصل تاجي، نجل قاتل يحمل الجنسيتين الهولندية والمغربية، وأليخاندرو سالغادو فيغا، أكبر تاجر كوكايين في إسبانيا.

وأكد مخبر سري تسلل إلى حفل الزفاف وسجله لصالح إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية شكوك أجهزة إنفاذ القانون بأن عائلة كينهان والمجموعة قد تحالفوا لتشكيل “عصابة إجرامية ضخمة”.

وتعتقد الشرطة أن المجموعة كانت تسيطر مجتمعة على ثلث إجمالي إمدادات الكوكايين السنوية لأوروبا، والبالغة 14.8 مليار جنيه إسترليني، والقادمة من أمريكا الجنوبية.

وبحلول عام 2026، تم تسليم جميع زعماء العصابات من الإمارات أو إلقاء القبض عليهم. وكانت نقطة التحول هي اعتقال ماكغفرن، المطلوب بموجب النشرة الحمراء للإنتربول، في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024.

بدأت دبي باستهداف أولئك الذين يعيشون حياة مترفة. أولئك الذين يحضرون مباريات الملاكمة أو ينشرون منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي وهم مطلوبون بموجب النشرة الحمراء؛ إذ اعتبر ذلك استخفافا بدبي

وعلق أحد المسؤولين على اعتقال ماكغفرن قائلا: “بدأت دبي باستهداف أولئك الذين يعيشون حياة مترفة. أولئك الذين يحضرون مباريات الملاكمة أو ينشرون منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي وهم مطلوبون بموجب النشرة الحمراء؛ إذ اعتبر ذلك استخفافا بدبي”، و”قد فتح اعتقال ماكغفرن الباب على مصراعيه. ونفذت الشرطة ذلك ببطء وحذر، ولم تفصح عن الكثير من المعلومات، فقد كان الأمر برمته شديد الحساسية”.

وتم تسليم ماكغفرن، البالغ من العمر 39 عاما، في أيار/مايو 2025، وهو ينتظر الحكم في محكمة دبلن الجنائية الخاصة، بعد أن أقر الشهر الماضي بذنبه في تهمتين تتعلقان بتوجيه أنشطة منظمة إجرامية.

وقد كانت عائلة كينهان قد نقلت مقرها الرئيسي في ماربيا بإسبانيا إلى دبي عقب محاولة اغتيال دانيال كينهان في 5 شباط/فبراير 2016، حيث أطلق مسلحون متنكرون بزي الشرطة الأيرلندية النار على كينهان ومرافقيه أثناء عملية وزن أحد أبطال الملاكمة في فندق ريجنسي بدبلن. ونفذت الهجوم عصابة هاتش المنافسة خلال حرب عصابات للسيطرة على عالم الجريمة في أيرلندا.

ويخوض زعيم العصابة المزعوم، جيري هاتش، البالغ من العمر 63 عاما، أو “الراهب” كما أطلقت عليه الصحافة الأيرلندية بسبب أسلوب حياته الزاهد، الانتخابات الفرعية في دائرة دبلن المركزية كمستقل. ونفى هاتش تزعمه لعصابة إجرامية منظمة. وفي أعقاب حادثة إطلاق النار، قتل 19 شخصا في شوارع دبلن، من بينهم مدنيان اثنان في حادثة اشتباه خاطئ.

وفي أثناء وجوده في دبي، سعى كينهان إلى إعادة تقديم نفسه كمروج للملاكمة، وقد أشاد به تايسون فيوري، بطل العالم السابق في الوزن الثقيل، لمساعدته في التوسط لإقامة مباراة بينه وبين أنتوني جوشوا. ورغم أن المباراة لم تقم، إلا أن قائمة أبطال العالم المتعاقدين مع شركته “إم تي كي غلوبال” أثنت كثيرا على كينهان لحصوله على صفقات لم يسبق لها مثيل.

ووصف بوب أروم، قطب الملاكمة البالغ من العمر 94 عاما من لاس فيغاس، والذي ضمت شركته الترويجية “توب رانك” أسماء لامعة مثل محمد علي وجورج فورمان وفلويد مايويذر جونيور، كينهان بأنه “قائده” وقال إنه كان دائما “نزيها”.

وأغلقت شركة “إم تي كي غلوبال” في عام 2022، وهو العام نفسه الذي رصدت فيه الحكومة الأمريكية مكافأة قدرها 5 ملايين دولار (3.7 مليون جنيه إسترليني) لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال كينهان.

ونأى أروم بنفسه علنا عن كينهان، مصرحا بأنه لو كان على علم بأنشطته الإجرامية “لما فعل ذلك”.

وقال دانيال هابرلي، المحاضر البارز في مركز دراسات الفساد بجامعة ساسكس: “تسعى دبي جاهدة لتصبح أحد أهم المراكز المالية العالمية على المدى البعيد”، و”هناك ضغوط دولية عليها للالتزام بالقواعد، فهي تمتلك نفس البنية الأمنية الغربية وليست دولة مارقة وعليها أن تتعاون”.

ولا يزال من غير الواضح أين ستتخذ النخبة الإجرامية الأوروبية مقرا لها.

وأشارت مصادر أمنية إلى السودان أو موسكو كملاذات محتملة، نظرا لصلات حكومتيهما بالفساد وإيواء الهاربين، لكنها أكدت أن أيا منهما لا يضاهي روعة دبي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *