طرابلس – «القدس العربي»: عادت اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة المعروفة باسم لجنة «6+6» إلى واجهة المشهد السياسي الليبي بعد إعلانها استئناف الاجتماعات التشاورية لمناقشة القضايا المتعلقة بالقوانين الانتخابية، في خطوة تأتي قبل أيام من الإعلان المرتقب لمخرجات الحوار المهيكل الذي تيسره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وسط استمرار الجدل حول المسار الدستوري والانتخابي والآليات الكفيلة بإنهاء المراحل الانتقالية التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
وأكد طرفا اللجنة خلال اجتماع عقد الثلاثاء، تمسكهما بمسار الحوار الليبي – الليبي، باعتباره السبيل الأمثل للوصول إلى توافقات وطنية تفضي إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة تنهي حالة الانقسام السياسي والمؤسسي، وتسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم جهود بناء مؤسسات الدولة وتعزيز مسارات التنمية.
وقال المجلس الأعلى للدولة في بيان، إن الاجتماع يأتي في إطار الاختصاصات الممنوحة للجنة بموجب الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي الليبي، مع الأخذ في الاعتبار المقترحات التي تضمنها تقرير اللجنة الاستشارية المعروفة باسم لجنة العشرين، والتي شكلتها البعثة الأممية للمساهمة في معالجة القضايا الخلافية المرتبطة بالعملية الانتخابية.
ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة كونه يأتي بعد أشهر من الجمود الذي طبع عمل اللجنة المشتركة نتيجة استمرار الخلافات بين مجلسي النواب والدولة بشأن عدد من البنود المتعلقة بالقوانين الانتخابية، إلى جانب التباين حول بعض الملفات السياسية الأخرى المرتبطة بالمرحلة الانتقالية وشكل السلطة التنفيذية المقبلة وآليات إدارة العملية السياسية.
وكان المجلس الأعلى للدولة قد صوّت في الخامس من أيار/مايو الماضي على إعادة تشكيل ممثليه في لجنة «6+6»، في خطوة هدفت إلى إعادة تفعيل قنوات التواصل مع مجلس النواب واستئناف النقاشات المتوقفة بشأن القوانين الانتخابية. ونص القرار على أن تضم اللجنة الجديدة ستة أعضاء من جانب المجلس، بينهم ثلاثة أعضاء من اللجنة السابقة وثلاثة أعضاء من لجنة التواصل مع مجلس النواب التي شكلها رئيس المجلس محمد تكالة.
وجاءت إعادة التشكيل في ظل تحركات سياسية مكثفة شهدتها الساحة الليبية خلال الأشهر الماضية، تزامنت مع جهود أممية ودولية لدفع الأطراف الليبية نحو التوافق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية طال انتظارها، بعد تعثر عدة محاولات سابقة بسبب الخلافات السياسية والقانونية.
وخلال جلسة التصويت على إعادة تشكيل اللجنة، شدد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة على أهمية الحفاظ على وحدة المجلس وتماسكه، مؤكدًا أن الإجراءات التنظيمية التي اتخذت تهدف إلى تعزيز عمل المؤسسة وضمان استمرار دورها في العملية السياسية. كما أشار إلى تشكيل لجنة تواصل مع مجلس النواب تضم أعضاء من مختلف الدوائر، بهدف تهيئة الظروف لاستئناف الحوار بين المجلسين حول الملفات العالقة.
وتشمل الملفات المطروحة للنقاش بين المجلسين جملة من القضايا السياسية والدستورية، من بينها الإطار الدستوري المنظم للانتخابات، والقوانين الانتخابية، والمناصب السيادية، والميزانية العامة، وتوحيد المؤسسات، بالإضافة إلى مستقبل السلطة التنفيذية وآليات إدارة المرحلة المقبلة.
وفي موازاة ذلك، يواجه المجلسان ضغوطًا متزايدة من قبل البعثة الأممية وعدد من الأطراف الدولية للإسراع في التوصل إلى تفاهمات تسمح بإجراء الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام التي تعانيها البلاد. وتؤكد البعثة الأممية باستمرار أن التوافق على القوانين الانتخابية يمثل أحد أهم الشروط اللازمة للمضي نحو الاستحقاق الانتخابي. ويأتي هذا الحراك أيضًا في وقت تتواصل فيه النقاشات بشأن وضع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى محور جدل سياسي بين مختلف الأطراف. وفي هذا السياق، كان رئيس المفوضية عماد السايح قد اعتبر أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في تشكيل مجلس المفوضية أو شرعيته القانونية، بل في استمرار الخلاف حول القوانين الانتخابية نفسها.
وأوضح السايح في تصريحات سابقة، أن التركيز على تغيير مجلس المفوضية أو إعادة تشكيله أدى إلى إبعاد الأنظار عن جوهر المشكلة المتمثلة في غياب التوافق السياسي بشأن القواعد المنظمة للانتخابات. كما حذر من أن إدخال المفوضية في دائرة التجاذبات السياسية قد ينعكس سلبًا على قدرتها في إدارة أي عملية انتخابية مستقبلية.
وأشار إلى أن استكمال مجلس المفوضية يعد مسارًا قانونيًا واضحًا لا يحتاج إلى تعديلات دستورية، في حين أن إعادة تشكيله تتطلب توافقًا سياسيًا وتعديلات قانونية ودستورية، ما يزيد من تعقيد المشهد بدلًا من المساهمة في حله.
ويرى مراقبون أن استئناف اجتماعات لجنة «6+6» قد يمثل مؤشرًا على عودة قنوات الحوار بين المجلسين بعد فترة من التوتر والخلاف، إلا أن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف السياسية على تجاوز نقاط الخلاف الرئيسية والتوصل إلى تفاهمات عملية بشأن القوانين الانتخابية وشروط الترشح وآليات تنفيذ الاستحقاق الانتخابي.
كما يترقب الشارع الليبي ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج، خصوصًا مع اقتراب موعد الإعلان عن توصيات الحوار المهيكل الذي تشرف عليه البعثة الأممية، والذي ينظر إليه باعتباره محاولة جديدة لكسر الجمود السياسي ودفع الأطراف نحو توافقات تسمح بفتح الطريق أمام الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، يبقى ملف القوانين الانتخابية أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الليبي، باعتباره البوابة الأساسية لأي عملية انتخابية مستقبلية. وبينما تؤكد لجنة «6+6» تمسكها بالحوار كخيار وحيد للوصول إلى حلول توافقية، يظل نجاح هذا المسار مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المختلفة لتقديم تنازلات متبادلة تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية الضيقة، وتفتح المجال أمام انتقال سلمي ومستقر للسلطة عبر صناديق الاقتراع.