طرابلس – «القدس العربي»: دخلت الأزمة السياسية الليبية مرحلة جديدة من التعقيد، مع انتقال مشاورات لجنة الحوار المصغرة «4+4» إلى العاصمة البريطانية لندن، الأربعاء، لبحث ملف توحيد السلطة القضائية وإعادة تنظيم المجلس الأعلى للقضاء، في خطوة تفتح واحدًا من أكثر الملفات المؤسسية حساسية في البلاد، وسط اعتراضات قضائية وتحذيرات من أن تتحول محاولات إنهاء الانقسام إلى مدخل للتدخل السياسي في شؤون العدالة، في وقت تواصل فيه البعثة الأممية مساعيها لدفع العملية السياسية نحو تسوية تتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة.
ويعقد الاجتماع الحادي عشر للجنة بمشاركة ممثلين عن الأطراف السياسية والعسكرية المعنية، إلى جانب أعضاء من لجنة الوساطة التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لمناقشة مقترحات تتعلق بتغيير رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، ومراجعة القانون المنظم لعمله، وإدخال تعديلات على بعض مواده، فضلًا عن بحث الآليات الكفيلة بمعالجة الانقسام داخل المؤسسة القضائية.
القضاء الليبي أمام اختبار جديد في لندن
ومن المنتظر إحالة أي تفاهمات يجري التوصل إليها إلى مجلسي النواب والدولة للنظر في اعتمادها، غير أن هذه الخطوة تثير تساؤلات بشأن مدى قدرة اللجنة على تجاوز الخلافات القائمة بين المؤسستين، خصوصًا أن الاتفاقات السياسية السابقة لم تحظَ بإجماع الطرفين، رغم الجهود الدولية الرامية إلى تقريب وجهات النظر.
ويأتي اجتماع لندن بعد يوم واحد من إعلان الجمعية العمومية لمحكمة استئناف طرابلس رفضها أي محاولات لتعديل القوانين المنظمة للسلطة القضائية عبر إجراءات استثنائية أو قرارات أحادية، مؤكدة ضرورة الالتزام بالمسار الدستوري والقانوني، وعدم السماح لأي جهة بالتدخل في استقلال القضاء أو التأثير في أعماله. وشددت الجمعية، في بيان الثلاثاء، على أن استقلال السلطة القضائية يمثل حصانة دستورية أصيلة، وليس امتيازًا ممنوحًا للقضاة، داعية إلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات، والالتزام بأحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بوصفها المرجعية المختصة بالفصل في المسائل المتعلقة بالشرعية الدستورية.
كما حذرت من محاولات الالتفاف على المسار الدستوري لتعديل التشريعات القضائية، سواء من خلال لجنة «4+4» أو عبر قرارات منفردة، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات قد تمس وحدة المؤسسة القضائية وتهدد الضمانات الأساسية لاستقلالها، في ظل حالة الانقسام المؤسسي والسياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
ويعكس هذا الموقف حجم التعقيدات التي تواجه محاولات إعادة تنظيم السلطة القضائية، خاصة أن الخلاف لم يعد محصورًا في التنافس على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، بل امتد إلى المرجعيات القانونية والدستورية التي تحكم عمل المؤسسات القضائية، وحدود صلاحيات الجهات السياسية في التدخل لإعادة تشكيلها.
وتزداد حساسية الملف في ظل استمرار الانقسام بين شرق البلاد وغربها، وما صاحبه من خلافات بشأن الاختصاصات القضائية والمرجعيات الدستورية، خصوصًا بعد إنشاء محكمة دستورية في بنغازي، وهو ما أثار جدلًا قانونيًا حول وحدة القضاء والجهة المختصة بالفصل في النزاعات الدستورية.
ولا تنفصل مشاورات لندن عن المسار السياسي الذي شهد توقيع اتفاق في الثلاثين من أغسطس/ آب الماضي بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، في إطار الجهود الرامية إلى استكمال المتطلبات المؤسسية لتنفيذ خريطة الطريق السياسية التي طرحتها البعثة الأممية.
وتضم لجنة «4+4» ممثلين عن مجلس النواب والقيادة العامة في شرق ليبيا، والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد، في محاولة للوصول إلى تفاهمات بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.
لكن الاتفاق السابق واجه عقبات سياسية وقانونية بعدما أعلن مجلس النواب اتخاذ إجراءات لاعتماد مخرجاته، فيما رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق والقرارات المرتبطة به، معتبرًا أنها تجاوزت الأطر الدستورية والتوافقية المنظمة للعملية السياسية، الأمر الذي أعاد طرح التساؤلات بشأن قدرة اللجنة على إنتاج اتفاقات قابلة للتنفيذ.
وفي موازاة ذلك، تسعى البعثة الأممية إلى توسيع قاعدة المشاركة في العملية السياسية، إذ أكدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، أن لجنة «4+4» ليست الآلية الوحيدة التي ستعتمد عليها البعثة، مشيرة إلى بحث إنشاء آلية وطنية أوسع تمثيلًا، بالتشاور مع الأطراف المعنية ومجلس الأمن.
ويحمل انتقال المشاورات إلى لندن دلالات سياسية تتجاوز مكان انعقاد الاجتماع، في ظل اهتمام دولي متزايد بإيجاد تسوية للانقسام الليبي، غير أن هذا الاهتمام يواجه تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين دعم التفاهمات السياسية واحترام استقلال المؤسسات القضائية.
ويرتبط توحيد القضاء بصورة مباشرة بمستقبل الانتخابات الليبية، باعتبار أن أي استحقاق انتخابي يحتاج إلى مؤسسة قضائية موحدة قادرة على الفصل في الطعون والنزاعات وضمان تطبيق القوانين بصورة متساوية في مختلف أنحاء البلاد.