“لا عودة لواقع ما قبل الحرب”


د. راز تسيمت

لا يزال الحصار البحري الأمريكي يُلحق ضررًا اقتصاديًا بالغًا بإيران. وتشير بيانات نشرها مؤخرًا الخبير الاقتصادي الإيراني مسعود نيلي، إلى تدهور ملحوظ في المؤشرات الاقتصادية؛ فبين عامي 2018 و2026، قفز سعر الصرف قرابة 50 ضعفًا، وارتفع مستوى الأسعار أكثر من 19 ضعفًا، وانضم 16 مليون شخص إلى السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر. وانضم نحو 5 ملايين شخص إلى السكان في سن العمل، بينما لم يزد عدد العاملين إلا بمقدار 400 ألف شخص. وفي الأشهر الأخيرة، تجاوز معدل التضخم الرسمي عتبة 70 في المئة، وانخفض عدد العاملين في الصناعة بنحو 630 ألف شخص.

ومع ذلك، لا يوجد، على الأقل في هذه المرحلة، ما يدل على أن القيادة الإيرانية تعتزم تخفيف حدة مواقفها للعودة إلى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة وتخفيف الأعباء الاقتصادية برفع الحصار البحري، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. بل على العكس؛ شهدت الأسابيع الأخيرة تشدداً ملحوظاً في المواقف الإيرانية. لم تعد إيران تكتفي بالمطالبة برفع الحصار البحري مقابل فتح مضيق هرمز، حتى في حال التوصل إلى اتفاقات في المحادثات مع عُمان بشأن الترتيبات المستقبلية للمضيق. بل تطالب الآن بتنفيذ الالتزامات الأمريكية بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران 2026، بما في ذلك الإفراج عن الأموال وتخفيف العقوبات بشكل كبير، كشرط مسبق لفتح المضيق.

وصفت افتتاحية نشرتها وكالة أنباء فارس، المقربة من الحرس الثوري، إضافة مطلب وقف إطلاق النار في الساحة الفلسطينية بأنه خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الردع والتوضيح للعدو أنه سيواجه مطالب وشروطاً أكثر صرامة

علاوة على ذلك، تطالب إيران بوقف إطلاق النار على جبهات أخرى، لا سيما في لبنان والساحة الفلسطينية. وصفت افتتاحية نشرتها وكالة أنباء فارس، المقربة من الحرس الثوري، إضافة مطلب وقف إطلاق النار في الساحة الفلسطينية بأنه خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الردع والتوضيح للعدو أنه سيواجه مطالب وشروطاً أكثر صرامة من تلك التي وُضعت عشية الحرب في كل مرة يفرض فيها حرباً جديدة على إيران.

كما تُنذر سلسلة التعيينات التي أقرها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، مؤخراً، بتغير في التصور الأمني ​​نحو الاستعداد لنزاع طويل الأمد وتصعيد الهجوم. وهذه التعيينات التي تنضم إلى تعيين قائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد في المجلس، تعكس استمرار استخلاص العبر من “زئير الأسد”، وتنقل ثلاث رسائل رئيسية:

أولًا، كان الهدف من قرار دمج قيادة خاتم الأنبياء للطوارئ مع هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة هو تحسين عملية صنع القرار والحد من الازدواجية الناتجة عن وجود قيادتين متوازيتين: إحداهما مسؤولة عن بناء القوات والتخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين الحرس الثوري والجيش النظامي، والأخرى عن استخدام القوة في حالات الطوارئ.

ثانيًا، تؤكد وثائق التعيين على التحول نحو عقيدة أكثر هجومية. ففي الوثيقة التي عُيّن فيها أحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري، طالب خامنئي بعدم الاكتفاء بالردع الأقصى، بل الحفاظ على الجاهزية لشن “عمليات هجومية قوية ضد العدو”. وصرح كبير مستشاري قائد الحرس الثوري، محمد رضا نقدي، بأن على المنظمة أن تكون مستعدة لنقل القتال إلى أراضي العدو كلما اقتضت الظروف ذلك، وذلك في إطار تبني عقيدة عسكرية هجومية، وعدم الاكتفاء بعقيدة قتالية دفاعية بحتة تهدف إلى حماية البلاد من أي تهديد. وصرح إسماعيل كوثري، عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي، بأن الحرب الأخيرة أثبتت فعالية العمليات الهجومية الإيرانية في الأردن والكويت والبحرين، وأن إيران ستواصل تبني عقيدة هجومية.

ثالثًا، على الصعيد الداخلي، يُعدّ تعيين حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز المخابرات التابع للحرس الثوري، قائدًا لقوات الباسيج، خطوةً هامة. ويشير تعيين طائب، الذي يمتلك خبرة واسعة في القمع السياسي والمدني، إلى مسعى لتعزيز الاستعدادات لاحتمال تجدد الاحتجاجات، لا سيما في ظل تدهور الوضع الاقتصادي. ويتطلب ذلك تقوية “شبكة استخبارات شعبية”، وتوسيع نطاق استخدام التقنيات الحديثة، وتوسيع نشاط شبكات الباسيج في مختلف القطاعات والمناطق الحضرية. وقد تُسهم هذه الخطوة في تعزيز التعاون بين الباسيج وأجهزة الاستخبارات، وتحسين السيطرة على المجال العام في أعقاب الإخفاقات الاستخباراتية التي كُشِف عنها خلال الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

لا يعني هذا أن إيران غير راغبة في العودة إلى المفاوضات، بل وحتى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في المستقبل، رغم أن فرص ذلك تبدو ضئيلة في المستقبل القريب. مع ذلك، من الواضح أن طهران لا ترغب في العودة إلى الوضع الراهن الذي سبق الحرب. فهي عازمة على ترسيخ مكاسبها، ولا سيما سيطرتها على مضيق هرمز وقدرتها على إلحاق خسائر فادحة بجيرانها العرب والقوات الأمريكية في المنطقة، وذلك لمنع أي هجوم آخر. ومع تزايد الضغط عليها، تتبنى القيادة الإيرانية نهجًا أكثر صرامة وتحديًا وهجومية، مستعدة لمواجهة وتصعيد مطولين، حتى وإن كان ذلك على حساب تضحيات جسيمة، لضمان أنه إذا ما انتهت الحملة، فلن يكون ذلك بوقف إطلاق نار مؤقت، بل على أساس الاعتراف بقدرة إيران على الردع.

 يديعوت أحرونوت 16/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *