يوعنا غونين
“انظروا كم من الناس يريدون أن نعود للاستيطان في غزة”، أعلن أول أمس وزير المالية سموتريتش بحماسة، في مسيرة لحركة “نحلا” نحو جدار القطاع. الإجابة، إذا أردنا أن نحاكم الأمور حسب المشاركين في الحدث، فالمعنى كم هناك من آلاف المجانين. هدف المسيرة كان الدعوة لاستئناف الاستيطان في شمال قطاع غزة، في المنطقة الشمالية التي كان يقع فيها ذات يوم مستوطنات “نيسانيت” و”اليسيناي” و”دوغيت”.
جرت المسيرة تحت شعار “السماء ترسخ خط الفصل” – وهو شعار ذو رائحة بيروقراطية، يبدو كمبادرة للتجديد الحضري وليس كخطة ضخمة للسيطرة على منطقة طرد سكانها بالدبابات والطائرات. حتى الحرب، كان شمال غزة منطقة مكتظة تنبض بالحياة، وسكنها مئات الآلاف من الناس. اليوم، هناك أنقاض، بنى تحتية مدمرة وأشخاص نازحون، عادوا ويحاولون البقاء بين الأنقاض. “كيف تشعر وأنت تفتقد أي حل لواقع وجود ملايين الأشخاص في غزة؟ سألت إحدى المشاركات وزير الأمن القومي بن غفير، الذي حضر المسيرة أيضاً. “سنشجع الهجرة”، أجابها بن غفير بابتسامة مصطنعة، قبل أن يتم دفعها إلى الخلف من قبل دائرة رجال الشرطة التي أحاطت به.
الطريق إلى السياج أشبه بلعبة رمي الكرة على الكثبان الرملية. أغلق الجيش والشرطة الطريق، وواصل المتظاهرون التقدم عبر الرمال. لم يكن الأمر صعبًا للغاية: فقد وُضعت نقاط تفتيش هناك لكي تتمكن الدولة لاحقًا من الادعاء بأنها حاولت جاهدة. وصل مئات الفتيان إلى الطريق الأمني قرب السياج، حيث رقصوا في دوائر وأنشدوا: “انتقموا لإحدى عيني من الفلسطينيين، وليُمحَ اسمهم”. على التلة فوقهم، أعلنت دانييلا فايس: “نحن هنا لنعيد غزة يهودية… لن يكون هناك عرب في غزة بعد الآن”. خلفها، امتدت أنقاض القطاع تحت غروب شمس أرجواني – خلفية رومانسية للحظات التوحد مع أرض إسرائيل الكاملة.
يكاد يكون مريحاً التعامل مع هؤلاء الناس على أنهم حفنة من الأشخاص الموهومين، لكن الحقيقة أنهم الوجه العاري للنظام. سار معهم العديد من الوزراء وأعضاء الكنيست، وسمحت لهم الشرطة بتجاوز نقاط التفتيش بثقة أنهم أصحاب المنازل، ووزع ا عليهم لجنود زجاجات المياه، وأعادوا بعضهم إلى نقطة الانطلاق في مركبات مدرعة. عندما حاول متظاهرون مناهضون للحرب الاقتراب من السياج في الماضي، قوبلوا بعنف شديد واعتقالات؛ أما المستوطنون، فقد استقبلهم أفراد خدمة عملاء يرتدون الزي العسكري. هذا ما يحدث عندما يسير وزير الشرطة على رأس احتجاج ضد حكومة هو نفسه عضو فيها.
هذا هو الجنون الخالص لهذا الحدث: ليس الإسرائيليون هم من يحلمون بالاستيطان في غزة، بل الدولة كأم ترافقهم في رحلة إلى وهم التطهير العرقي. لم يدخل المتظاهرون القطاع هذه المرة، لكنه تفصيل لا يُذكر. فقد توغلت رؤيتهم بالفعل إلى أعماق أبعد: إلى الحكومة، وإلى التيار السياسي السائد، وإلى صفوف الجيش والشرطة. قال يحيئيل غرينبلوم، أحد المشاركين: “قطاع غزة بأكمله جزء لا يتجزأ من إسرائيل”. وقال وزير الاتصالات شلومو كرعي: “شعب إسرائيل يعشق آثار هذه الأرض المقدسة”. وقال الوزير بن غفير: “ستُقام مستوطنات يهودية في غزة كلها”. وقال الجنود للمتظاهرين: “أحسنتم صنعًا”.
وكالإله الروماني يانوس، لدولة إسرائيل وجهان: وجه تتجه به إلى العالم متظاهرةً بالتقوى وتتحدث عن مناطق عازلة وخطوط صفراء؛ ووجه آخر ترقص أمام أنقاض غزة، وتُنشد أغاني الانتقام. لم يأتِ المتظاهرون للترويج لسياسةٍ مختلفة عن سياسة الحكومة، بل لنفس السياسة دون طبقات الدعاية كلها. خلف السياج، يواصل الجيش قتل الأطفال، وجعل غزة مكانًا غير صالح للسكن؛ وأمامه، تُحدد دانييلا فايس هدفها ببساطة: لن يكون هناك عرب هنا.
هآرتس 21/7/2026