الأمم المتحدة- “القدس العربي”: حذّرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال، نجاة معلا مجيد، من أن انعدام الأمن الغذائي والنزوح والأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة تزيد من تعرّض الأطفال لأشكال متعددة من العنف والاستغلال، بما في ذلك الزواج المبكر وعمالة الأطفال والتجنيد في الأنشطة الإجرامية.
وفي حديثها عن قطاع غزة، قالت معلا مجيد إن ما يتعرّض له الأطفال الفلسطينيون، من فقدان طفولتهم إلى الأضرار النفسية التي يعانون منها، «أمر غير مقبول»، مشددة على ضرورة مساءلة مرتكبي الانتهاكات، بمن فيهم المنتمون إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وجاءت تصريحات معلا مجيد خلال إحاطة صحافية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، اليوم الإثنين، خصصتها لعرض تقريرها السنوي أمام الجمعية العامة، بالتزامن مع مرور عشرين عاماً على اعتماد الدراسة العالمية للأمم المتحدة بشأن العنف ضد الأطفال.
واستهلت المسؤولة الأممية عرضها بالتذكير بأن الدراسة التي أُقرّت قبل عقدين شكلت محطة مهمة في الجهود الدولية لمكافحة العنف ضد الأطفال، ورسخت مبدأين أساسيين، هما أن العنف قابل للمنع دائماً، وأنه لا يمكن تبريره. لكنها أشارت إلى أن العالم يواجه اليوم أزمات متداخلة، تشمل النزاعات والنزوح والفقر والتمييز وانعدام الأمن الغذائي، إلى جانب المخاطر المتزايدة المرتبطة بالتوسع السريع في استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقدّرت معلا مجيد عدد الأطفال الذين نزحوا بسبب النزاعات والكوارث الطبيعية وأزمة المناخ بنحو 45 مليون طفل، مشيرة إلى أن طفلاً واحداً من كل خمسة أطفال يعيش حالياً في فقر مدقع. وحذّرت من أن التكنولوجيا، رغم ما تتيحه من فرص، فتحت أيضاً مجالات جديدة للاستغلال الجنسي للأطفال والتنمر الإلكتروني والتزييف العميق واستدراج الأطفال إلى أنشطة إجرامية.
وقالت إن السنوات الماضية شهدت إصلاحات قانونية وسياسات وطنية وخدمات متكاملة في عدد من الدول، لكن التحدي لا يزال يتمثل في ضمان تنفيذ هذه الإصلاحات على أرض الواقع، وتوفير الخدمات للأطفال ومقدمي الرعاية لهم، ولا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى الموارد اللازمة.
وشددت على أن حماية الأطفال تحتاج إلى التزام سياسي على أعلى المستويات، يترجم إلى خدمات واضحة وميزانيات مخصصة، بدلاً من الاكتفاء بالتعهدات. واستناداً إلى تقديرات أوردتها في عرضها، قالت إن التكلفة المباشرة وغير المباشرة للعنف ضد الأطفال قد تصل إلى 11 في المائة في بعض البلدان، وإن تكلفة العنف قد تبلغ 85 ضعف تكلفة حزمة الخدمات اللازمة للوقاية منه والاستجابة له على المستوى المحلي.
وفي ردها على سؤال «القدس العربي» بشأن حدود ولايتها مقارنة بولاية الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، أوضحت معلا مجيد أن مهمتها أوسع من الانتهاكات المرتبطة بالحروب، إذ تشمل العنف الذي يتعرّض له الأطفال في المنازل والمدارس والمؤسسات والمجتمعات المحلية، وكذلك عبر الإنترنت.
وقالت إن ولاية الأطفال والنزاع المسلح تركز على الانتهاكات الجسيمة الستة المرتكبة بحق الأطفال في النزاعات، وعلى رصدها وإدراج الأطراف المسؤولة عنها في التقارير المقدمة إلى مجلس الأمن، والعمل على وضع خطط للمنع وإعادة الإدماج. أما ولايتها، فأوضحت أنها تقوم على مساعدة الدول على التقدم في حماية الأطفال، وبناء الجسور معها، مع توجيه الانتقادات عند الضرورة، من دون اعتماد نهج يقوم على التشهير أو التصنيف.
ثم أثارت «القدس العربي» مسألة سقوط أكبر عدد من الضخايا من الأطفال خلال عامي 2024 و2025 وأن كثيراً منهم سقطوا في غزة، “فكيف تناول التقرير ما تعرّض له الأطفال في القطاع؟”.
وقالت معلا مجيد إنها عملت مع أطفال فلسطينيين قبل تولي منصبها الحالي، وإنها لا تزال على تواصل مع أطفال من فلسطين وغزة. وأوضحت أن تقريرها تناول أوضاع الأطفال النازحين، بمن فيهم الأطفال الفلسطينيون، مشيرة إلى أنها سلطت الضوء على معاناتهم أيضاً عبر منصاتها، رغم أن بعض هذه الملفات لا يقع مباشرة ضمن نطاق ولايتها.
وأضافت أن حرمان الأطفال من طفولتهم وما يتعرّضون له من أضرار نفسية ومعاناة إنسانية «أمر غير مقبول»، مؤكدة أنها لا تستطيع التزام الصمت إزاء ما يجري في غزة أو في جنوب السودان أو في مناطق أخرى تشهد انتهاكات بحق الأطفال.
وفي هذا السياق، تحدثت عن توليها مهام الممثلة الخاصة المؤقتة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح خلال العام الماضي، وقالت إن عملها آنذاك تركز على الدعوة إلى وقف الحرب. كما أشارت إلى الصعوبات المرتبطة بالمساءلة، معتبرة أن مسألة ازدواجية المعايير تطرح تحدياً أمام ضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات، حتى عندما يكونون تابعين لدول أعضاء في الأمم المتحدة.
وشددت على أن إدراج الانتهاكات ضمن التقارير الدولية يظل مهماً، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة معاناة الأطفال أو ضمان المساءلة، داعية إلى التعامل مع حماية الأطفال باعتبارها مسؤولية مشتركة داخل منظومة الأمم المتحدة.
وفي سؤال ثانٍ عن الاحتياجات النفسية للأطفال في غزة، ولا سيما في ظل تضرر الخدمات الصحية والقيود التي تواجه المؤسسات الإنسانية، طلبت «القدس العربي» توضيح التوصيات العملية لمعالجة الصدمات النفسية التي خلفتها الحرب والنزوح المتكرر.
وقالت معلا مجيد إنها تعمل مع شبكات ومنظمات متخصصة في الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب جهات تقدم المساعدة الإنسانية للأطفال الفلسطينيين، بهدف تحسين الاستجابة لهذه الاحتياجات في ظل الأزمات واسعة النطاق.
وأوضحت أن تعطل الخدمات الصحية وصعوبة وصول مؤسسات مثل الأونروا وغيرها من المنظمات إلى المحتاجين يفرضان البحث عن وسائل دعم إضافية، من خلال تمكين المستجيبين الموجودين في الخطوط الأمامية، ومن بينهم أفراد المجتمعات المحلية والآباء والمعلمون والمتطوعون، وتزويدهم بالمعرفة والمهارات اللازمة لمساندة الأطفال.
وأكدت أن الاستثمار في الصحة النفسية والرفاه النفسي يجب ألا يقتصر على علاج المشكلات بعد وقوعها، بل ينبغي أن يشمل الوقاية وتعزيز قدرة الأطفال على التكيف، مشيرة إلى أن الصحة النفسية للأطفال لا تحظى بالاهتمام والاستثمار الكافيين على مستوى العالم.
وفي ختام عرضها، شددت المسؤولة الأممية على أن معالجة العنف ضد الأطفال تتطلب تحويل الالتزامات السياسية إلى خدمات ممولة وقابلة للتنفيذ، وتعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية، وإشراك الأطفال أنفسهم في صياغة الحلول. وقالت إن الأطفال ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى الحماية، بل هم أيضاً جزء من الحل، مشيرة إلى أن مكتبها جمع أكثر من 700 مبادرة يقودها أطفال وشباب في مناطق مختلفة، بهدف ربط هذه المبادرات وتعزيز قدرتها على التأثير في السياسات العامة.
كما أشارت إلى أن تحالفاً عالمياً لإنهاء العنف ضد الأطفال، أُطلق خلال مؤتمر وزاري في بوغوتا، يضم حالياً 55 دولة، مع توقع انضمام دول أخرى، ويهدف إلى تبادل الخبرات والتحديات وتعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف في هذا المجال.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه أعداد كبيرة من الأطفال حول العالم مخاطر متداخلة ناجمة عن النزاعات والنزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي، وهي عوامل قالت معلا مجيد إنها تجعل الوقاية من العنف وتوفير خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي أكثر إلحاحاً.