كيف عادت اليونان بثوب البعبع الجديد بعد غياب أكثر من عقدين؟


لندن ـ «القدس العربي»: بعد غياب دام أكثر من عقدين، وتحديدا منذ الجلوس على عرش كرة القدم الأوروبية في يورو 2004، تفاجأ الكثير من عشاق كرة القدم بالعروض المميزة التي قدمها المنتخب اليوناني في بداية بطولة دوري الأمم الأوروبية، بدأت بانتصار هيتشكوكي على صربيا خارج القواعد بهدفين مقابل هدف، ثم بتجاوز المنتخب الألماني بقيادة يورغن كلوب بهدف نظيف في عقر داره، وبعد ذلك تعادل مع المنتخب الهولندي في ثالث اختبار رسمي للمدرب الجديد الآخر تشافي هيرنانديز، وآخر مع الناسيونال مانشافت في ختام مواجهات الجولة الرابعة لهذه المجموعة، ليتقاسم المنتخب اليوناني صدارة هذه المجموعة مع الطواحين البرتقالية ولكل منهما ثماني نقاط، ويتبعهما أبطال العالم 4 مرات بخمس نقاط، ثم المنتخب الصربي في مؤخرة المجموعة بلا نقاط، والسؤال الذي يراود الكثير من المتابعين في الوقت الحالي هو ما أشرنا إليه في العنوان: كيف عادت اليونان في صورة المنتخب المقلق لعمالقة أوروبا والعالم؟ هذا ما سيجيب عليه التقرير الآتي.

الغياب الطويل

لا يخفى على أحد أن وطن الفلاسفة في العصور القديمة، لم يظهر أي إشارة أو علامة لعودته إلى الساحة الدولية منذ الإنجاز التاريخي الذي تحقق على يد المدرب الألماني أوتو ريهاغل، بقيادة خاريستياس ورفاقه لخطف لقب اليورو من أنياب لويس فيغو وكريستيانو رونالدو في بداية ظهوره على الساحة، حيث اكتفى المنتخب اليوناني، بمشاركة خجولة في يورو 2008، انتهت بالخروج من الدور الأول، رغم أنه كان حامل اللقب، ومشاركة أخرى للنسيان في مونديال البرازيل 2014، أما غير ذلك، فلم يكن لممثل الجنوب الأوروبي أي حضور قاري أو عالمي طيلة تلك الفترة، بما في ذلك الفشل الذريع في حجز أحد المقاعد المؤهلة لكأس العالم أمريكا الشمالية 2026، ويرى بعض النقاد والمتابعين، أن السبب الرئيسي وراء غياب اليونان طيلة هذه الفترة، هو فشل كل المدربين الذين تعاقبوا على تدريب المنتخب في تطبيق إستراتيجية المدرب أوتو ريهاغل، التي كانت ترتكز على استنساخ أسياد الدفاع الطليان في الثمانينات وبداية حقبة التسعينات، كمنتخب يرفع شعار «الدفاع خير وسيلة للهجوم»، كواحد من الأسباب التي جعلت المنتخب اليوناني، يلقب بالبطل «الأقبح» في تاريخ اليورو، لمبالغته في تضييق المساحات أمام الخصوم، مع الاعتماد على فرصة واحدة أو اثنتين طوال الـ90 دقيقة، كما تفننوا في تعذيب ضحاياهم على مدار البطولة، أبرزهم المنتخب المضيف الذي تجرع من مرارة الهزيمة أمام الحصان الأسود مرتين، الأولى في المباراة الافتتاحية والثانية في النهائي، فقط كان الاستثناء اليوناني الوحيد في الفترة الماضية، هو الاقتراب من التأهل ليورو 2024، لولا الخسارة المؤلمة أمام جورجيا في الملحق المؤهل للبطولة التي استضافتها ألمانيا قبل أكثر من عامين، تماما كما حدث في التصفيات الأخيرة المؤهلة لكأس العالم، التي شهدت خروج هذا الجيل من دائرة المنافسة قبل جولتين من نهاية التصفيات، وذلك بعد التعرض لهزائم مفاجئة على يد اسكتلندا والدنمارك بعد البداية الخادعة التي أسفرت عن انتصار كاسح على بيلاروسيا.

بداية الإصلاح

يقول موقع «جول» العالمي في تحقيق خاص، انه في اللحظة التي فشل فيها المنتخب اليوناني في حجز مكانه ضمن المشاركين في المونديال، بدأ اتحاد الكرة في تفعيل ما وُصفت بـ«خطة الإصلاح الشاملة لمنظومة كرة القدم»، بهدف تغيير مسار المنتخب على المدى القصير أو المتوسط، وفي رواية أخرى مبادرة «الولادة الجديدة»، وهي إستراتيجية تعمل على تطوير وإعداد أصحاب المواهب الحقيقية، نقلا عن البيان الذي نشره اتحاد الكرة اليوناني في بداية العام الجاري، وجاء نصه: «يُعد برنامج ‘الولادة الجديدة المُصمم خصيصا ليتماشى الواقع اليوناني، مبادرة طموحة للغاية ينفذها الاتحاد، وترتكز على التعليم السليم والمنهجي للفتيان والفتيات منذ خطواتهم الأولى في عالم كرة القدم، كما يعكس الخيار الاستراتيجي للاتحاد لبدء حقبة جديدة، وفي إطار النهج الشامل للبرنامج، أرسى الاتحاد اليوناني دعائم تعاون واسع النطاق مع المدربين الإقليميين، الذين تولوا بالفعل مهمة نقل مبادئ البرنامج إلى اتحادات كرة القدم الإقليمية؛ وذلك لضمان الإعداد السليم لجميع الأطراف المعنية بتغيير وتطوير عملية التدريب على مستوى القواعد الشعبية»، وسرعان ما انعكس هذا التوجه على خطط الأندية المحلية، التي بدورها سارعت بمنح الفرصة بشكل حقيقي للعديد من أصحاب المواهب المبشرة من الجيل الحالي، وبين هذا وذاك، أظهر الاتحاد رغبة جدية لإنهاء أزمة انفصال منتخبات وفرق الشباب عن الكبار، وذلك بعد الإنجازات التي حققها فريق أولمبياكوس للشباب على المستوى القاري، إلى جانب الخبرة التي اكتسبتها الفرق اليونانية من الاحتكاك بالمدارس الأوروبية المختلفة في بطولة المؤتمر الأوروبي، كواحد من أسباب خروج أسماء من نوعية سالونيك وتزوليس وأسماء أخرى بدأت تكسر القاعدة المتعارف عليها في آخر عقدين، بانحصار فرصة الاحتراف مع أندية متوسطة أو مغمورة في أوروبا، إلى استهداف اللعب مع أعتى وأشهر الفرق الإنكليزية وباقي الدوريات الأوروبية الكبرى، بقيادة حكيمة من المدرب إيفان يوفانوفيتش، الذي يوصف في الإعلام المحلي بالعقل المدبر لعملية إعادة هيكلة المنتخب اليوناني منذ وصوله إلى سُدّة القيادة الفنية عام 2024، ولهذا بدأ مغامرته مع أحفاد الفلاسفة باستدعاء لاعبين مثل خاريتساس وزافيريس وبعض أصحاب الجنسية المزدوجة الذين نشأوا في الخارج، لتبدأ المجموعة الجديدة في اكتساب ما يكفي من خبرات واحتكاك، قبل الوصول إلى المستوى أو المرحلة المتفق عليها بين المدرب الصربي واتحاد الكرة، برؤية اليونان في غضون عامين بثوب المنتخب الذي لا يتمنى أحد مواجهته أو الوقوف أمامه في مباراة رسمية.
كان واضحا وضوح الشمس، أن ثورة التغيير الشاملة التي شهدتها الكرة اليونانية في الآونة الأخيرة، ساهمت في تدفق العديد من اللاعبين إلى الدوريات الأوروبية الكبرى، منهم ست جواهر من الأسماء الواعدة في الميركاتو الصيفي الأخير، في القلب منهم اكتشاف نادي كلوب بروج البلجيكي تزوليس، الذي كلف خزينة حامل لقب البريميرليغ أرسنال ما يزيد على 35 مليون جنيه إسترليني نظير نقله إلى ملعب «الإمارات»، بالإضافة إلى انضمام غيانيس كونستانتيلياس وكونستانتينوس كاريستاس إلى بوروسيا دورتموند من باوك وجينك على التوالي، بصفقة إجمالية بلغت 56 مليون يورو، كذلك الأمر للحارس كونستانتينوس تزولاكيس ولاعب الوسط كريستوس موزاكيتيس، اللذين تركا أولمبياكوس للعب في مستوى تنافسي أعلى مع هال في الدوري الإنكليزي الممتاز. وفي إنكلترا أيضا، قام برايتون بتحويل أنظاره تجاه المهاجمين الشابين الواعدين ستيفانوس تزيماس وخارالامبوس كوستولاس. بينما في الدوريات الأوروبية الأخرى الكبرى، فانتقل قلب الدفاع كونستانتينوس كولييراكيس من فولفسبورغ إلى روما الإيطالي، وكل ما سبق في الوقت الذي يتنافس فيه بافليديس ومواطنه إيوانيديس على صراع الهدافين في الدوري البرتغالي مع بنفيكا وسبورتنغ لشبونة، دليلا على التغير الجذري في وضع المواهب اليونانية المتفجرة في أوروبا، من غياب عن الساحة وقلة في الطموح على مدار سنوات، إلى منافسة حقيقية ولعب بانتظام في أعلى مستوى تنافسي في العالم، والشيء المطمئن للمشجعين، أن المنتخب يملك ما يكفي من عمق وتوازن في التشكيل، متمثلة في وجود أسماء أخرى من نوعية الحارس العشريني تزولاكيس والاسم البارز مع لاتسيو مانداس وصاحب الخبرات فلاخوديموس، وفي الدفاع يبرز أيضا لاعب وستهام كونستانتينوس مافروبانوس، الذي يشكل ثنائيا متناغما مع باناغيوتيس ريتسوس أو خريج أكاديمية باوك، كولييراكيسن ولديهم أيضا لاعب ليفربول كوستاس تسيميكاس في مركز الظهير الأيسر، وفي الوسط تعلق الآمال على الفتى المراهق موزاكيتيس والعشريني كريستوس زافيريس، وصاحب الإمكانات الكبيرة نيكتاريوس تريانتيس، وصاحب البشرة السمراء أندرياس تيتي. وفي الهجوم حدث ولا حرج عن الأسماء منهم كوستولاس وبافليديس، فقط تحتاج هذه المجموعة لمزيد من التفاهم والانسجام، معها ربما تكون الكرة الأوروبية على موعد مع ميلاد جيل يوناني تاريخي على طريقة الجيل الذهبي للمنتخب البلجيكي في العقد الماضي، وهي المؤشرات التي بدأت تظهر بعد عروضهم المميزة في بداية حملة دوري الأمم الأوروبية الجديدة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *