فلما جن الليل، هرعت إلى القنوات التلفزيونية المصرية، لأرى كيف عالجت الإعلان الرئاسي بعدم السماح بالمساس بالدستور وتعديله، بما يعني أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيكتفي بالدورة الحالية في 2030، وهو بذلك يقطع الطريق على الذين يطالبون بتعديله، بما يسمح له الترشح لولاية جديدة، وربما ولايات، كما فعلها الرئيس السادات، الذي كان الدستور في زمانه ينص على الرئاسة دورتين، فعدل النص إلى مدد، وهو فأل سيئ، لأنه لم يستفد من هذا التعديل!
لقد كانت الأصوات قد بدأت في الارتفاع على الجانبين، بين فريق يطالب بالتعديل، وآخر يعترض عليه، ولم يعد من الولاية الحالية الكثير، فقد قاربت على الانتهاء، في أمد يراه المؤيدون قريبًا، ونراه بعيدًا، لكن إجراءات التعديل تحتاج إلى بضعة شهور على الأقل، وقد عودنا النظام الحالي أنه يحتاط لنفسه فلا ينتظر الوقت بدل الضائع للعب، وقد جرى التعديل الأخير قبل انتهاء الفترة الرئاسية بثلاث سنوات، حيث تم الاستفتاء على التعديل في سنة 2019، في حين أن نهايتها كانت في منتصف سنة 2022.
مفاجأة الرئيس والتعامل الإعلامي معها
وقد فاجأنا الرئيس بهذا الإعلان دون مقدمات، وذلك في الدورة التثقيفية في القوات المسلحة، وقد صفق له الجمع الكريم بحرارة، كاشفًا عن الرغبة العارمة في عدم المساس بالدستور، وعدم قبول ترشح الرئيس لدورة جديدة، وأن يكتفي بهذا القدر، فخمسة عشر عامًا من الحكم تكفي وتفيض(2015-2030) !
ولأن الإعلان مثل مفاجأة، فقد اعتقدت أن الإعلام «في الصورة» ويمكن لنا من خلال مقدمي الـ»توك شو» أن نستشرف ما وراء الأكمة، وكانت البداية بـ»القاهرة الإخبارية»، فلم أجد على النار هدى، ومنها إلى قنوات القوم الإخبارية الأخرى، حتى قناة «النيل للأخبار»، ومنها إلى قنوات بعينها، من «صدى البلد» إلى «أم بي سي مصر»، فلم أجد أي اهتمام يذكر، ولو في التعامل مع الإعلان نفسه في شريط الأخبار، فيبدو أنها المفاجأة التي لم يبلغوا بها، وظني أنهم كانوا في انتظار التعليمات، ومصدرها على ما يبدو كان في «حيص بيص»!
وحدها قناة «تن» التي كانت تعقد ندوة لمناقشة مجمل تصريحات الرئيس في هذا اليوم، فتعرضت لهذا الإعلان دون عمق، وكان محمود مسلم، الإعلامي المقرب من المرحلة وأحد رجالها، في الاستوديو، فذكر أن الرئيس أجهض فتنة تعديل الدستور، وحمى مصر من عواصف الداخل والخارج!
والاتجاه الآن أنه لم تكن هناك نية لتعديل الدستور أصلًا، ولكن من كان يروج هذا لاستنفار الناس ضد النظام هم الإخوان، فلم تعد هناك مشكلة لم يتسبب فيها الإخوان، تقريبًا، سوى الأزمة الروسية ـ الأوكرانية، فكل الأزمات منذ سقوط الأندلس، السبب الرئيس والوحيد فيها هو جماعة الإخوان!
هل الرئيس جاد في هذا الإعلان؟ أم هي مناورة رئاسية محسوبة؟ وما حدود هذه المناورة؟ فكثيرون لا يسلمون البتة أن الرئيس يمكنه أن يغادر الرئاسة. وهذا ليس موضوع هذه الزاوية، لكني أعتقد أن الأذرع الإعلامية في حالة فقدان اتزان، ومن حسن حظها أن اليوم التالي كان الخميس، فالجمعة، فالسبت، حيث العطلة الأسبوعية، فهل يسايرون محمود مسلم في ما ذهب إليه بأن تعديل الدستور فتنة أجهضها الرئيس بهذا الإعلان؟!
لا استسلام… ولا تراجع
بعد أن تذهب السكرة وتحل الفكرة، لا أظن أن الأذرع الإعلامية للنظام سوف تستسلم لذلك، حتى وإن كان الرئيس جادًا في إعلانه، لأنهم أصحاب مصلحة في استمرار الوضع القائم، واستمرار الرئيس السيسي هو الضمانة الوحيدة لاستمرارهم في مواقعهم الإعلامية، إذا استبعدنا عمرو أديب، لأنه يعمل في قناة تلفزيونية غير مصرية، ولست متأكدًا من استمرار قناة «تن»!
بل إن موقف عمرو نفسه سيكون على كف عفريت، فالأوضاع الحالية هي التي مكنته من أن يعمل بالمخالفة لقانون نقابة الإعلاميين، وأن تعمل قناته بالمخالفة لقانون تنظيم الإعلام، وليس مؤكدًا أن الرئيس الجديد يمكن أن يبقي هذه الأوضاع على ما هي عليه الآن!
والرئيس الجديد، ولو كان اختيار الرئيس الحالي، ستحكمه قواعد اللعبة، ولن يحمل نفسه أوزارًا من زينة القوم، فما الذي يجعله يبقي على الأذرع الإعلامية للسلطة الحالية؟ والاستغناء عن خدماتهم من شأنه أن يحدث ارتياحًا لدى الناس دون أن يكون مطلوبًا منه إنجازًا على أرض الواقع!
ولم يعد سرًا أن هذه الأبواق الإعلامية لا تحظى بشعبية ولو في الأوساط المؤيدة للنظام، واستمرارهم عنوان من عناوين الفشل الذي يستسلم له أهل الحكم، وكأنهم مفروضون عليه من قوى سفلية، فهؤلاء هم رجال النظام البائد، والأصل أنه لا ثقة فيهم، وقد باعوه عند أول منعطف، في ما عرف بظاهرة المتحولين، وهي ظاهرة كتب عنها كثيرون في وقتها، وهم الإعلاميون الذين انتقلوا من أذرع لنظام مبارك إلى ثوار يستضيفون في برامجهم شباب الثورة ويعاملونهم بكل تقدير واحترام، ويتبنون خطابهم!
ولم يكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحاجة إلى تغيير الرئاسات في الإعلام بعد تنحي مبارك، ليكون الخطاب الإعلامي مطابقًا للثورة، فقد حدث التحول في عهد الرئاسات التي صنعها صفوت الشريف على عينه!
وفي بداية عمل هذا النظام تخلص من كل الإعلاميين ومقدمي البرامج الذين ينتسبون للثورة، ولم ينتسبوا لنظام مبارك، وكل الوافدين الجدد عادوا لبيوتهم، وبعضهم وجد الزمن ليس زمانه فتقاعد من تلقاء نفسه، فأين ريم ماجد، وحافظ المرازي، ويسري فودة، ودينا عبد الرحمن، وباسم يوسف؟ فالبقاء في المرحلة الجديدة لأبناء النظام البائد رغم خيانتهم له، فهل يتصور أهل الحكم أنهم لن يبيعوهم كما باعوا مبارك؟!
خالد الجندي بالذات!
إن المرء في دهشة عندما ينظر فيجد أن من اجتباه أهل الحكم، ومدوا له مدًا، ومنحوه مساحة كبيرة في قناتهم «دي أم سي» من المشايخ هو خالد الجندي بالذات، وهو الذي انبرى في اليوم الأول للثورة مدافعًا عن مبارك، وبسقوطه تخلى عنه، ونظر للثورة فهتف: «هذا ربي هذا أكبر»، وذهب يقبل أعتاب الحكم الإخواني، ويعتذر عن خطابه في تأييد مبارك، ويطلب من الثوار الصفح والغفران!
فمن أين جاءت ثقة النظام الحالي بهم؟ وهذا سؤال ليس موضوعنا الآن الإجابة عليه، فما يعنيني أن هؤلاء الإعلاميين) ويحسب خالد الجندي كإعلامي وليس على صنف رجال الدين) يدركون أن نهايتهم ستكون بنهاية عمر هذا النظام، لذا فسوف نسمع في آتي الأيام خطابًا مقاومًا لفكرة الاكتفاء بالحكم لغاية 2 أبريل/نيسان 2030 فقط، فالرئيس هو أملهم الوحيد للاستمرار، وعزلهم هو صدقة جارية يتصدق بها أي نظام جديد، فينال تأييدًا جماهيريًا غير مكلف، وسوابقهم لا تجعل نظامًا يطمئن إليهم، ولا توجد لديهم مصداقية في الشارع تدفع للتنازل والتمسك بهم!
هل يتصور إنس ولا جان أن خالد الجندي، الذي فتحت له قناة «دي أم سي» على مصراعيها، يملك مصداقية تدفع لتحمله، أو أنه يحسب على علماء الأزهر، أو أهل العلم، وهو الذي يبالغ في تمجيد أهل الحكم حتى يهدر مقام النبوة ليجعل منهم أنبياء، وقد عرف بالمبالغة في التأييد والتطرف في التراجع؟!
الظاهر والغاطس من المشهد الإعلامي
الى جانب الظاهر من المشهد الإعلامي هناك الغاطس منه، وهم من يديرون الإعلام وراء حجاب، الذين ينظرون للمشهد الديني كله، فلا يروق لهم إلا حلو الملامح خالد الجندي، فيتبنونه، لأنه يسمعهم من وصلات النفاق ما لا يتفوق عليه أحد في المجال، وقد اختلطت في ذهنه الأمور، فظن أنهم الوطن، وأنه طبال لهذا الوطن، وكأن الأوطان غوانٍ في ملاهٍ ليلية لكي «تتحزم» وترقص، يلزمها طبال وهو هذا الطبال الوطني!
إن هؤلاء من يتصدرون المشهد الإعلامي، والذين يديرونهم كما يديرون عرائس الماريونيت، سيحتشدون ويجعلون من الإعلان الرئاسي بالاكتفاء بالدورة الحالية تمثيلية، عندما ينطلقون ويرفضونه، وكأننا أمام مسرحية التنحي!
ولا نزال نعيش حالة الاستقطاب حول قرار الرئيس جمال عبد الناصر بالتنحي بعد هزيمة يونيو/حزيران سنة 1967، والتي لا تزال عرضة للاستقطاب السياسي حتى الآن، والناس على طرفي نقيض، فمنهم من يرى أن خروج الجماهير ترفض التنحي خروجًا صحيحًا مئة في المئة، ومنهم من يراها مسرحية مكتملة الأركان، مع أن الحقيقة أنها خليط بين هذا وذاك!
إن هؤلاء الإعلاميين سيحتشدون دفاعًا عن مصالحهم المرسلة، وأوضاعهم المستقرة، ولهذا سيستبسلون دفاعًا عن استمرار الحكم الحالي، ولو أساءوا لمقام الرئاسة برفض تعديل الدستور، لأنه سيقال إن كل شيء متفق عليه! إنهم يدافعون عن أنفسهم!
صحافي من مصر