كيف خدع ميسي العالم بمقولة الجسد لا يرحم؟


لندن ـ «القدس العربي»: «الجسد لا يرحم. مع مرور الوقت يصبح الأمر أكثر صعوبة، وتصبح حركة الجسم أبطأ من قبل»، بهذه المقولة المأثورة التي أطلقها الأسطورة ليونيل ميسي يوم تسلمه جائزة «البالون دور» كأفضل لاعب في العالم من مجلة «فرانس فوتبول» للمرة السادسة في تاريخه مطلع ديسمبر/كانون الأول 2019، اعتقد البعض أن البرغوث لا ينوي الاستمرار في الملاعب حتى نهاية عقد الثلاثينات، على اعتبار أنه بعد عام أو اثنين سيتخذ القرار الصعب بتعليق حذائه بعد انتهاء دوره مع منتخب الأرجنتين في مونديال 2022، وهو ما بالفعل ما ألمح إليه في أكثر من مقابلة صحافية، بأن ظهوره في الدوحة سيكون بمثابة الرقصة الأخيرة على الأقل في مسيرته الدولية، وما عزز هذا الاعتقاد نجاحه في فك عقدته الأزلية مع منتخب بلاده، بقيادته لحمل اللقب العالمي للمرة الثالثة في تاريخ البلاد، لكن ما حدث، أنه تراجع عن تلك الفكرة، ليكون المونديال الحالي هو رقصته الأخيرة في عالم الساحرة المستديرة، وعلى النقيض من الآراء والتوقعات التي كانت ترجح ظهوره بنسخة أقل من المعروفة عنه، تفاجأ الجميع بالنسخة البراقة التي يقود بها منتخب بلاده في رحلة البحث عن اللقب الرابع في تاريخ الوطن والثاني على التوالي، والسؤال الذي يفرض نفسه.. كيف يحافظ هذا الفضائي على إبداعه ولحظاته الخارقة؟ وماذا بعد انفراده بصدارة هدافي كأس العالم في كل العصور بعد كسر رقم أسطورة الكرة الألمانية ميروسلاف كلوزه؟ هذا وأكثر سيجيب عنه التقرير التالي.

الضغوط والقيود

لا يُخفى على أحد، أن ميسي كان يحمل برشلونة على كتفيه بالمعنى الحرفي للكلمة في سنواته الأخيرة في «كامب نو»، لا سيما بعد اعتزال رفاقه في الجيل الذهبي تشافي هيرنانديز وأندرياس إنييستا وتراجع مستوى من صمدوا حتى فترة ما قبل وبعد جائحة كورونا مثل مهندس الوسط بوسكيتس وجوردي ألبا والبقية، وهذا الأمر في حد ذاته كان يستنزف الكثير من طاقته على مدار الموسم، وأحيانا كان يتسبب في نفاد طاقته كما كان الحال في فترة ما قبل 2018، حين اعتاد المنتخب الأرجنتيني على خسارة النهائيات الحاسمة، التي بدأت بالسقوط المؤلم أمام ألمانيا في نهائي نسخة البرازيل 2014، وما تبعها من هزائم أمام تشيلي مرتين في المباراة النهائية لكوبا أمريكا، الأمر الذي تسبب في صدمة لميسي وجعله يتخذ قراره الشهير باعتزال اللعب على المستوى الدولي، قبل أن يتراجع عن قراره وتبدأ حياته الدولية تأخذ منحى آخر، وحدث ذلك منذ اللحظة التي قرر خلالها إنهاء قصة الحب مع ناديه الكتالوني، صحيح قرار الرحيل جاء رغما عنه، بسبب القيود المالية التي أجبرت الإدارة على تركه يغادر بموجب قانون بوسمان في صيف 2021، لكنه كان سببا رئيسيا وراء عودته القوية مع منتخب بلاده، ليكتب المجد على المستوى الدولي بالطريقة التي أرادها لنفسه، وكانت البداية بالمكافأة الفورية التي تحصل عليها بمجرد انتقاله إلى باريس سان جيرمان، بقيادة منتخب التانغو لمعانقة لقب كوبا أمريكا من قلب قلعة «الماراكانا» بفضل هدف أنخيل دي ماريا الشهير في شباك المنتخب البرازيلي في نهائي نسخة 2021 الصامتة.

منحى آخر

منذ اللحظة التي نجح فيها في إنهاء عقدته مع الألقاب الدولية في أول عام بعد جائجة كورونا، بدا وكأنه قد تخلص من المشاكل والضغوط التي كانت تعيقه على اللعب بأريحية بقميص منتخب بلاده، بالأحرى طوى صفحة الهجوم عليه ووصفه بميسي الكتالوني، وما ساعده أنه تعامل مع تجربة باريس سان جيرمان على أنها مرحلة مؤقتة في نهاية مشواره الاحترافي، وذلك في عصر «بي إي جي» الذي كان يدلل نجومه الكبار كيليان مبابي ونيمار جونيور والبقية، قبل أن يتغير إلى باريس المخيف بالشباب الجائع تحت قيادة اللوتشو لويس إنريكي، وهذا الأمر في حد ذاته، كان بمثابة طوق النجاة لليو، حتى يكون مؤهلا وجاهزا لتقديم أفضل ما لديه مع منتخب بلاده في السنوات الأربع الماضية، على غرار الراحة التي كان يتفنن في الحصول عليها في بعض مباريات الدوري المحلي في فرنسا قبل الذهاب إلى قطر للدفاع عن ألوان الأرجنتين في كأس العالم، في ما يمكن وصفها بالرفاهية التي كان من رابع المستحيلات والحصول عليها في أي وقت مع برشلونة، هي الرفاهية التي تضاعفت أكثر من أي وقت مضى بعد هجرته إلى بلاد العم سام لارتداء قميص إنتر ميامي الأمريكي، وفي رواية أخرى، كانت الخطوة المحورية التي ساهمت في مد عمره في ملاعب كرة القدم، رغم الحملات التي كانت تستهدفه من فترة لأخرى، بسبب الانهيار البدني الذي وصل إليه في بعض الأوقات مع فريقه الأمريكي، خاصة في فترة ما قبل مونديال العالم للأندية الموسع، لكن كالعادة عاد بمنتهى القوة، وكانت البداية من الشوط الثاني في مباراة ميامي أمام الأهلي، متقمصا دور البطولة المطلقة المعتادة منه، ولولا غياب التوفيق عن رفاقه وتألقه الشناوي من جانب آخر، لتمكن من قيادة فريقه لخطف هدف الثلاث نقاط، لكن في النهاية قاده للتأهل إلى دور الـ16 على حساب أندية بحجم الأهلي وبورتو البرتغالي، قبل أن يودع البطولة بهزيمة ساحقة على يد باريس سان جيرمان، وصل قوامها إلى رباعية نظيفة أمام أنظار ليو، الذي اكتفى كباقي رفاقه بمشاهدة الاكتساح الباريسي على أرض الملعب.
وتكررت نفس الشكوك قبل انطلاق المونديال الحالي، بعاصفة من الشكوك والتساؤلات حول جاهزيته من الناحية البدنية وقدرته على اللعب بالإبداع المعروف عنه، بعد معاناته مع الإصابة التي أبعدته عن الملاعب في نهاية موسم «الميجور ليغ» الأخير، لكن بمجرد أن أطلق الحكم صافرة بداية مواجهة الجزائر في افتتاح مباريات المجموعة العاشرة في كأس العالم، ظهرت نسخة ميسي «غير المتوقع»، أو ذاك الإنسان الخارق الذي يسبق كل من هو بشري في قراره الأخير في الثلث الأخير من الملعب، بدعم من كل زملائه في المنتخب بدون استثناء، يكفي أنه بالعودة إلى أهدافه الخمسة التي سجلها في شباك محاربي الصحراء والنمسا سنجد أنها جاءت بتضحيات نادرة من اللاعبين، فقط ليجد الكرة أمامه في الوضعية التي تساعده على تحطيم معنويات المنافسين، وهذا في حد ذاته، كان آخر وأسوأ سيناريو كان يتوقعه الكبار الطامحين والطامعين في الجلوس على عرش كرة القدم حتى نهاية هذا العقد، لصعوبة الوقوف أمام هذا النسخة الذهبية من ليو، وهو يستمتع ويُمتع عالم كرة القدم بما يقدمه في رقصته الأخيرة الاستثنائية في المونديال، وبطبيعة الحال، إذا واصل على نفس المنوال، سنكون على موعد مع تحطيم العديد من الأرقام القياسية الصامدة منذ عقود، لعل أبسطها تجاوز أهداف رونالدو الظاهرة وكيليان مبابي بثمانية أهداف لكل منهما في مونديالي 2002 و2022، وما يميز البرغوث عن باقي نظرائه العواجيز الذين يشاركون في المونديال للمرة الأخيرة، أنه لا يمثل عبئا على منتخبه، بل لا يزال العلامة الفارقة والأكثر تأثيرا في الأداء والنتائج، وذلك كما أشرنا في المقدمة أعلاه، بعد مرور ما يقرب من السبع سنوات من تصريحه المفخخ بأن «الجسد لا يرحم»، ذاك التصريح الذي لم تعود حياته بعدها كما كانت من قبل، بالأخص على المستوى الدولي، بتتويجه بـ3 ألقاب مع منتخب بلاده (و8 ألقاب مع أنديته)، أبرزها وأهمها على الإطلاق المونديال القطري، بالإضافة إلى 70 هدفا على المستوى الدولي من أصل 120 هدفا طوال مسيرته، وبالإضافة إلى كل ما سبق نال «الكرة الذهبية» السابعة والثامنة، ما يعني أنه بعدما تقدم في العمر، نجح في تحقيق الكثير مما عجز عنه في ريعان شبابه، فهل يا ترى سيستمر بنفس النسق العالي والتأثير الكبير مع منتخبه حتى نهاية المونديال؟ أم مع ارتفاع مستوى المنافسة في الأدوار الإقصائية سيخسر جزء من السحر الذي بدأ به المونديال؟ دعونا ننتظر ونستمتع بالمحتوى المختلف الذي يقدمه ليو في آخر ظهور له في كأس العالم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *