نواكشوط – “القدس العربي”: في منطقة الساحل والصحراء التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر بؤر الهجرة غير النظامية تعقيداً، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية. فهي، من جهة، مطالبة بتعزيز أمنها الحدودي ومواجهة شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً أوروبية ودولية متزايدة للحد من تدفقات المهاجرين نحو الضفة الشمالية للمتوسط، الذين تتصاعد الأسئلة الحقوقية والإنسانية المرتبطة بظروفهم وآليات التعامل معهم.
ومع تصاعد أعداد المهاجرين القادمين من دول غرب إفريقيا والساحل، أصبحت موريتانيا محطة عبور رئيسية نحو أوروبا، ما دفع السلطات إلى تكثيف إجراءاتها الأمنية والرقابية، وأطلقت حملات لمكافحة الهجرة غير النظامية، وسط إشادة من بعض الشركاء الدوليين، وانتقادات من منظمات حقوقية تتحدث عن تحديات تتعلق بالترحيل وظروف الاحتجاز وحماية الفئات الهشة.
حكومة نواكشوط أمام اختبار دقيق يتجاوز البعد الأمني التقليدي
ويضع هذا الواقع حكومة نواكشوط أمام اختبار دقيق يتجاوز البعد الأمني التقليدي، ليطرح تساؤلات أعمق حول قدرة الدولة على صياغة مقاربة متوازنة تحافظ على استقرارها الداخلي، وتراعي التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، دون أن تتحول إلى مجرد حارس متقدم للحدود الأوروبية في منطقة تعاني أصلاً من الهشاشة الأمنية والاقتصادية.
اختبار سياسي وحقوقي
ولم يعد ملف المهاجرين والأجانب في موريتانيا مجرد قضية مرتبطة بضبط الحدود أو مكافحة الهجرة غير النظامية، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى اختبار سياسي وحقوقي معقد يضع الدولة الموريتانية أمام أسئلة ثقيلة تتعلق بصورة البلاد الخارجية، وحدود المقاربة الأمنية، ومستقبل التعايش الاجتماعي، وطبيعة العلاقة مع المنظمات الحقوقية الدولية والإفريقية.
نواكشوط تخوض حرباً ضد شبكات تهريب البشر والهجرة السرية العابرة للحدود
ففي الوقت الذي تؤكد فيه نواكشوط أنها تخوض حرباً ضد شبكات تهريب البشر والهجرة السرية العابرة للحدود، تتصاعد اتهامات حقوقية تتحدث عن “انتهاكات ممنهجة” و”طرد جماعي” و”تضييق على النشطاء”، في مشهد يكشف حجم التوتر المتزايد بين الرواية الرسمية والرواية الحقوقية.
وقد جاء أحدث تصعيد في هذا الملف من العاصمة الغامبية بانجول، حيث أدان منتدى المنظمات غير الحكومية، خلال الدورة العادية الـ87 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ما وصفها بـ”الاعتقالات التعسفية والملاحقات القضائية” ضد مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء مناهضين للعبودية في موريتانيا.
لكن خطورة البيان لا تتعلق فقط بانتقاد الاعتقالات أو التضييق على النشطاء، بل في كونه أعاد فتح ملفات شديدة الحساسية بالنسبة لموريتانيا، على رأسها العبودية، والتمييز الاجتماعي، والتعامل مع المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء.
اتهامات متعددة
ولم يكتف المنتدى الحقوقي بإدانة ما اعتبره تضييقاً على النشطاء، بل رسم صورة قاتمة عن الوضع الحقوقي في موريتانيا خلال 2025 ـ 2026، متحدثاً عن “انتهاكات خطيرة موثقة” تشمل التعذيب، والاغتصاب، والاحتجاز التعسفي، والطرد الجماعي “اللاإنساني” نحو مالي والسنغال.
وذهب المنتدى إلى القول إن هذه الممارسات طالت أكثر من 28 ألف شخص، في رقم يعكس اتساع حملة الترحيل والتوقيفات المرتبطة بالمهاجرين غير النظاميين.
اتهام لموريتانيا بممارسة “قمع منهجي” ضد من يدينون ما وصفها بـ”العبودية القائمة على النسب”
كما اتهم المنتدى السلطات الموريتانية بممارسة “قمع منهجي” ضد من يدينون ما وصفها بـ”العبودية القائمة على النسب” والتمييز الطبقي، رغم وجود ترسانة قانونية تجرّم العبودية في موريتانيا.
ولم يكن لافتاً فقط حجم الاتهامات، بل أيضاً طبيعة المطالب والتي حملت أبعاداً سياسية وقانونية عميقة، من بينها الإفراج عن نشطاء حقوقيين، خاصة نشطاء حركة “إيرا”، ووقف الملاحقات القضائية التي وصفها بالتعسفية، ومراجعة قوانين التظاهر، واعتماد تشريع خاص بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والحظر الصريح لعمليات الطرد الجماعي للمهاجرين.
كما دعا المنتدى إلى إنشاء آلية وطنية مستقلة لمتابعة أوضاع المهاجرين ومجموعة “الحراطين”، والتصديق على البروتوكول الإفريقي المتعلق بالعبودية الحديثة.
لماذا يتصاعد الضغط الحقوقي؟
ولا يعتبر تصاعد هذا النوع من الانتقادات معزولاً عن التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة، فموريتانيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة نقطة عبور مركزية للمهاجرين القادمين من مالي وغينيا والسنغال وساحل العاج ودول الساحل، خاصة بعد تشديد الرقابة في ليبيا والمغرب وتونس.
ارتفاع أعداد قوارب الهجرة المتجهة نحو جزر الكناري الإسبانية انطلاقاً من السواحل الموريتانية
ومع ارتفاع أعداد قوارب الهجرة المتجهة نحو جزر الكناري الإسبانية انطلاقاً من السواحل الموريتانية، دخلت نواكشوط في تعاون أمني واسع مع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا، يشمل مراقبة الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وتعزيز قدرات خفر السواحل.
غير أن هذا التعاون الأوروبي الموريتاني خلق أيضاً شكوكاً لدى منظمات حقوقية ترى أن أوروبا تدفع دول العبور الإفريقية إلى لعب دور “الحارس الحدودي”، مقابل الدعم المالي والسياسي.
ومن هنا، أصبحت كل حملة أمنية ضد المهاجرين في موريتانيا محل متابعة وتدقيق من المنظمات الدولية والإفريقية.
تنظيم قانوني لا استهداف
في المقابل، ترفض الحكومة الموريتانية الرواية الحقوقية بشكل كامل، وتؤكد أن ما يجري لا علاقة له بالاستهداف العرقي أو التمييز ضد الأفارقة.
وقال وزير الداخلية الموريتاني، محمد أحمد ولد محمد الأمين، إن موريتانيا “بلد منفتح على الأجانب والمهاجرين”، لكن ذلك يجب أن يتم “في إطار احترام القوانين والسيادة الوطنية”.
ترى السلطات أن جزءاً من الانتقادات الحقوقية يتجاهل الضغوط الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد
وأكد أن المرحلين “تم التعامل معهم بطريقة قانونية وإنسانية”، نافياً بشكل قاطع وجود عمليات طرد جماعي خارج القانون أو انتهاكات ممنهجة كما تتحدث بعض المنظمات الحقوقية.
كما شدد على أن الدولة تميز بين اللاجئين المحميين بالقانون الدولي، والمقيمين الشرعيين، والمهاجرين غير النظاميين الذين دخلوا البلاد دون وثائق أو عبر شبكات التهريب.
وترى السلطات أن جزءاً من الانتقادات الحقوقية يتجاهل الضغوط الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، خاصة في ظل هشاشة الوضع الإقليمي في الساحل، وتصاعد نشاط الجماعات الإجرامية وشبكات الاتجار بالبشر.
تداخل الهجرة مع العبودية
وكان أبرز أبعاد بيان المنتدى الإفريقي هو ربطه بين ملف المهاجرين وملف العبودية والتمييز الاجتماعي، فهذا الربط يعكس توجهاً متزايداً داخل بعض الأوساط الحقوقية الدولية، يرى أن مشاكل الهشاشة الاجتماعية والتمييز البنيوي في موريتانيا ما تزال قائمة، رغم القوانين الرسمية التي جرّمت العبودية وأنشأت محاكم متخصصة لها.
وتعتبر السلطات الموريتانية أن البلاد قطعت أشواطاً كبيرة في هذا المجال، عبر تجريم العبودية، وإنشاء محاكم خاصة، وبرامج مكافحة الفقر والهشاشة، وسياسات الدمج الاجتماعي.
لكن خصوم الحكومة والمنظمات الحقوقية يرون أن الإطار القانوني لم يتحول بعد إلى تحول اجتماعي كامل، وأن بعض الممارسات التقليدية والتراتبية الاجتماعية ما تزال تؤثر على الواقع اليومي لفئات واسعة.
المعضلة الأساسية التي تواجهها موريتانيا اليوم هي أن ملف الهجرة لم يعد شأناً داخلياً صرفاً
ولعل المعضلة الأساسية التي تواجهها موريتانيا اليوم هي أن ملف الهجرة لم يعد شأناً داخلياً صرفاً، بل أصبح جزءاً من صورتها الدبلوماسية وعلاقاتها مع أوروبا وإفريقيا والمنظمات الدولية.
فأي اتهامات بانتهاكات ضد المهاجرين أو النشطاء الحقوقيين يمكن أن تؤثر على صورة البلاد الحقوقية، وعلى علاقاتها مع الشركاء الدوليين، وعلى برامج الدعم والتمويل الخارجي.
وفي المقابل، تخشى الدولة من أن يؤدي أي تراخٍ أمني إلى تحويل الأراضي الموريتانية إلى منصة مفتوحة للهجرة السرية والجريمة المنظمة.
ولهذا، تبدو نواكشوط وكأنها تتحرك داخل منطقة شديدة الحساسية، فهي مطالبة بتأمين حدودها، ومكافحة شبكات التهريب، واحترام الالتزامات الحقوقية في الوقت نفسه.
إلى أين يتجه الملف؟
توحي المؤشرات الحالية بأن ملف المهاجرين والأجانب سيظل واحداً من أكثر الملفات حساسية في موريتانيا خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار أزمات الساحل وتزايد الضغوط الأوروبية المتعلقة بالهجرة.
كما يبدو أن الجدل لن يبقى محصوراً في الجانب الأمني، بل سيتوسع أكثر نحو قضايا الحريات العامة، ووضعية النشطاء الحقوقيين، والتمييز الاجتماعي والطبقي.
الجدل لن يبقى محصوراً في الجانب الأمني، بل سيتوسع أكثر نحو قضايا الحريات العامة
وفي ظل هذا المشهد، تبدو موريتانيا أمام اختبار صعب: كيف يمكنها حماية أمنها وحدودها دون أن تتحول إلى هدف دائم للانتقادات الحقوقية؟ وكيف تستطيع إقناع الخارج بأن إجراءاتها تدخل ضمن سيادة الدولة والقانون، بينما تتزايد التقارير التي تتحدث عن تجاوزات وانتهاكات؟
ذلك هو السؤال الذي سيظل مطروحاً بقوة، ليس فقط داخل أروقة المنظمات الحقوقية الإفريقية، بل أيضاً في قلب النقاش السياسي الموريتاني نفسه.