باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “ليمانيتي” الفرنسية إنه بين الدعم السياسي والعسكري المعلن للنيجر، والتقارب مع دول تحالف دول الساحل (AES)، والتوترات الدبلوماسية مع أطراف إقليمية مثل المغرب والإمارات العربية المتحدة، شهدت الجزائر خلال أسابيع قليلة عودة استراتيجية واسعة النطاق، في تحول تحركه بالدرجة الأولى اعتبارات أمنية، إلى جانب دوافع اقتصادية.
هزة سياسية وعسكرية
ففي 30 أغسطس/آب الماضي، غداة فشل محاولة الانقلاب في النيجر، التي نفذها جزء من الجيش ضد نظام الجنرال عبد الرحمن تياني، أرسلت الجزائر ست طائرات، من بينها أربع مقاتلات قاذفة من طراز “سوخوي 30″، إلى العاصمة نيامي. وكانت الرسالة واضحة: الجزائر عادت إلى الساحة الجيوسياسية. ليس فقط في منطقة الساحل، وإنما على مستوى القارة أيضًا، تضيف الصحيفة الفرنسية.
غداة فشل محاولة الانقلاب في النيجر، أرسلت الجزائر ست طائرات، من بينها أربع مقاتلات قاذفة من طراز “سوخوي 30″، إلى العاصمة نيامي
نقلت “ليمانيتي” عن إبراهيم أومانسور، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) ومدير مرصد المغرب العربي، قوله إن “هذا الانتشار العسكري، الذي جاء بعد إرسال عدة مروحيات، يمثل حدثًا غير مسبوق في تاريخ السياسة الخارجية الجزائرية”. ويضيف الباحث القول: “إنه أيضًا تحول نوعي، لأنه ليس تدخلاً متحفظًا أو سريًا، بل يتعلق بترسانة عسكرية كبيرة، ترافقها عملية اتصالية وإعلامية واضحة”.
في اليوم نفسه، تتابع “ليمانيتي”، عملت الجزائر ونيامي على إظهار هذا الدعم إلى العلن، من خلال مراسم رسمية وعرض للطائرات. وتوجه الرسالة في الوقت ذاته إلى المتمردين، وإلى الجماعات الجهادية، وإلى الدول الأخرى في منطقة الساحل، ولا سيما الدول الأعضاء في تحالف دول الساحل (AES)، أي بوركينا فاسو ومالي، الشريكتين للنيجر.
غير أن هاتين الدولتين لم تتدخلا لدعم نيامي، رغم أن القاعدة 101، التي استهدفها الضباط المتمردون، تضم مركز قيادة القوة المشتركة لتحالف دول الساحل.
رهانات اقتصادية وأمنية
في يوم الاثنين 14 سبتمبر/أيلول، كان التقارب يُستعرض في باماكو؛ حيث استقبل رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا نظيره الجزائري سيفي غريب، بعد أشهر من القطيعة الدبلوماسية. وكان ذلك أول لقاء من هذا النوع منذ عام 2016، وتناول قضايا اقتصادية، لكنه ركز خصوصًا على المسائل الأمنية، في إطار ما وصفه رئيس الحكومة الجزائرية بأنه سعي إلى “مزيد من الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار في الفضاء الإقليمي والقاري”.
في الواقع، تقول الصحيفة الفرنسية، فإن هذا التحول في التوجه بدأ منذ عدة أشهر، ويمثل الدعم المقدم للنيجر ــ ولبلدان تحالف دول الساحل ــ مرحلة جديدة وأكثر إثارة للانتباه؛ ويكمن السبب الرئيسي في تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل بأكملها.
فقد أقامت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (GSIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة، تحالفًا ظرفيًا مع الطوارق التابعين لجبهة تحرير أزواد، وأصبحت تهدد باماكو بشكل مباشر؛ فيما تواصل الجماعة الجهادية الأخرى، وهي تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (EIGS)، شن هجمات في المنطقة، وصولًا إلى شمال نيجيريا. وتنمو هذه الجماعات مستفيدة من بيئة تعاني من صعوبات اجتماعية، وغالبًا ما تستند إلى مطالب محلية.
ويحلل إبراهيم أومانسور الوضع قائلًا: “السياق يتمثل في تطور مقلق للغاية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتمثل في تصاعد قوة الجماعات الجهادية، وزعزعة استقرار منطقة الساحل بأكملها، مع تزايد الانقلابات العسكرية. والجزائر تعتبر منطقة الساحل جزءًا من عمقها الاستراتيجي، لأسباب تتعلق بالمشاريع الاقتصادية وبالسعي إلى ترسيخ مكانتها الإقليمية”.
القطيعة المفاجئة مع أبوظبي
بعد نحو أربع سنوات من انتهاء عملية “برخان” التي قادتها فرنسا، ثم الرحيل النهائي للقوات الفرنسية عقب إخفاق مدوٍ، تشهد منطقة الساحل بأكملها إعادة تشكيل سريعة لموازين القوى. فقد حل الروس، إلى جانب قوى أخرى، محل الفرنسيين؛ فيما تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية مقاربة مختلفة، لكنها ليست غائبة عن المنطقة، توضح “ليمانيتي”.
تدخل الجزائر في النيجر يمثل أيضًا رسالة قوية موجهة إلى القوى الأجنبية الموجودة بكثافة والتي تتصرف بعدوانية في منطقة الساحل
ورغم الحضور الإعلامي المكثف لمجموعة فاغنر ثم “فيلق إفريقيا”، فإن ذلك لم يغير جوهر المعادلة، إذ يبدو الفشل واضحًا، وأصبحت المنطقة ساحة تتداخل فيها قوى دولية عديدة، على الرغم من الدعم العسكري والتسليح المقدم، وعلى الرغم من شدة المعارك التي كثيرًا ما شابتها اتهامات بارتكاب انتهاكات.
بحسب إبراهيم أومانسور، فإن “تدخل الجزائر في النيجر يمثل أيضًا رسالة قوية موجهة إلى القوى الأجنبية الموجودة بكثافة والتي تتصرف بعدوانية في منطقة الساحل: روسيا، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، وإسرائيل، والمغرب…” كما يعدد الباحث.
ومع المغرب، الخصم التاريخي للجزائر، تتابع الصحيفة الفرنسية، تكتسب المنافسة في منطقة الساحل بُعدًا مرتبطًا بالطاقة، ولا سيما التنافس بين مشروعي خطي أنابيب للغاز انطلاقًا من نيجيريا: أحدهما تدعمه الجزائر، والآخر تدعمه الرباط.
وهناك قطيعة أخرى لافتة، وهي القطيعة مع الإمارات العربية المتحدة، إذ قررت الجزائر يوم 10 سبتمبر/أيلول الجاري، قطع علاقاتها بالكامل مع أبوظبي. وهنا أيضًا، كانت قضية منطقة الساحل، حيث تؤدي الإمارات دورًا غامضًا ومزعزعًا للاستقرار، بمثابة الشرارة التي فجرت الأزمة، تقول “ليمانيتي”. لكن مصادر التوتر متعددة، وتشمل خصوصًا قضية الصحراء الغربية، وليبيا والسودان، توضح الصحيفة.
وهكذا، انتقلت الجزائر خلال أسابيع قليلة من موقعها التقليدي كوسيط إلى تغيير عقيدتها السياسية الخارجية. وأصبحت تؤكد نفسها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاهله بالنسبة إلى جميع دول المنطقة، بدءًا من منطقة الساحل وصولًا إلى بوابات الشرق الأوسط، تقول “ليمانيتي”.