كيف تتحرك نواكشوط لتفادي ارتدادات الانهيار المتوقع في مالي؟


نواكشوط – “القدس العربي”: في الساحل الإفريقي، حيث تتآكل الحدود بين الأزمات الأمنية والانهيارات السياسية، لم تعد التطورات في مالي حدثاً بعيداً بالنسبة لموريتانيا، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي مفتوح يفرض على نواكشوط إعادة صياغة أولوياتها الأمنية والدبلوماسية والإنسانية في آن واحد.

فمع تصاعد الهجمات المسلحة، واتساع دائرة التوتر داخل باماكو، وارتفاع منسوب الصراع بين السلطة العسكرية وخصومها، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على الاستقرار الداخلي دون أن تنجر إلى دوامة الفوضى الإقليمية التي تبتلع تدريجياً عدداً من دول الساحل؟

لقد أعادت التحولات الأخيرة في مالي إلى واجهة الأحداث بشكل قوي، مفهوم “الحياد المسلح”، بوصفه المقاربة الأكثر ملاءمة لنواكشوط في بيئة إقليمية شديدة التقلب، تقوم على تجنب الاصطفافات الحادة، مقابل تعزيز الجاهزية الأمنية والعسكرية وحماية العمق الداخلي للدولة.

الشيباني: “الأزمة المالية تجاوزت منذ فترة بعدها الأمني التقليدي، لتتحول إلى نموذج لفشل إدارة الدول عبر المقاربة العسكرية الصرفة”

ويرى زهير بلّ الشيباني، وهو من المراقبين الموريتانيين الخبراء، أن “الأزمة المالية تجاوزت منذ فترة بعدها الأمني التقليدي، لتتحول إلى نموذج لفشل إدارة الدول عبر المقاربة العسكرية الصرفة”، معتبراً أن “السلطة في باماكو وقعت في الخلط بين إدارة المعركة وإدارة الدولة”.

حسب القراءة المتداولة للمشهد المالي، فإن السلطة العسكرية بقيادة عاصيمي غويتا بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها على خطاب استعادة السيادة الوطنية والتحرر من النفوذ الخارجي، خاصة الفرنسي.

غير أن هذا الخطاب، وفق متابعين، اصطدم سريعاً بتعقيدات الواقع الميداني، حيث أظهرت الهجمات المتكررة واتساع نشاط الجماعات المسلحة أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لا يكفي لإدارة دولة متعددة الأعراق والتوازنات.

ويشير الشيباني إلى أن ما يحدث في مالي يعكس “اختلالاً عميقاً في الرؤية الاستراتيجية”، موضحاً أن الرهان على الحلول الأمنية والقوى المساعدة يمنح أحياناً مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يفتح الباب أمام هشاشة سيادية طويلة الأمد.

ويستحضر مراقبون في هذا السياق التحذيرات الكلاسيكية في الفكر الاستراتيجي، من سان تسو إلى ميكيافيلي، بشأن مخاطر إدارة الدول بعقلية الحرب الدائمة أو الارتهان للقوى العسكرية غير النظامية.

بالنسبة لموريتانيا، لا تتوقف تداعيات الأزمة عند البعد الجيوسياسي، بل تمتد إلى الأمن الداخلي وحركة السكان والاقتصاد الحدودي

بالنسبة لموريتانيا، لا تتوقف تداعيات الأزمة عند البعد الجيوسياسي، بل تمتد إلى الأمن الداخلي وحركة السكان والاقتصاد الحدودي وحتى الاستقرار الاجتماعي.

فالحدود الطويلة مع مالي، وتنامي النشاط المسلح في بعض المناطق، إضافة إلى حركة النزوح المستمرة، تجعل أي انهيار واسع في الجارة الشرقية تهديداً مباشراً للأمن القومي الموريتاني.

لكن التحدي الأكثر حساسية حالياً يتمثل في أوضاع الجالية الموريتانية في مالي، خاصة في باماكو، حيث تتزايد المخاوف من دخول البلاد مرحلة أكثر اضطراباً قد تنعكس على الأجانب والمقيمين.

ويرى الشيباني أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتم بعقلية استباقية، محذراً من أن “الانتظار في البيئات المضطربة قد يحول المخاطر المحتملة إلى أزمات فعلية”.

تنقل وخيارات إجلاء

وحسب معطيات متداولة داخل الجالية، فإن عدداً متزايداً من الموريتانيين في مالي باتوا مستعدين للمغادرة، غير أن المشكلة الأساسية تتعلق بوسائل العبور والتنقل.

فالكثير من الموريتانيين اعتادوا التنقل البري داخل فضاء غرب إفريقيا باستخدام البطاقة الوطنية فقط، لكن تشديد الإجراءات الأمنية في المعابر الحدودية جعل جواز السفر شرطاً أساسياً لعبور الحدود نحو السنغال أو ساحل العاج وغيرها.

عدد متزايد من الموريتانيين في مالي باتوا مستعدين للمغادرة، غير أن المشكلة الأساسية تتعلق بوسائل العبور والتنقل

وفي هذا السياق، يبرز مقترحان للتعامل مع الوضع، أولهما أن يتحرك رجال الأعمال والتجار الموريتانيون لاستئجار طائرة خاصة تُستخدم في تنظيم عملية إجلاء تدريجية، بالتنسيق مع السفارة الموريتانية في باماكو، مع إعداد قوائم دقيقة للعالقين حسب وضعياتهم القانونية.

أما المقترح الثاني، فيتمثل في تحرك عاجل من السلطات الموريتانية لإصدار جوازات سفر أو وثائق عبور استثنائية للمواطنين الموجودين في مالي، بما يسمح بخروجهم قبل أي تدهور أمني محتمل.

ذاكرة 1989

ولا تنبع المخاوف الحالية من التطورات الأمنية الراهنة، بل من الذاكرة التاريخية الثقيلة في المنطقة، كذلك.

ففي كل مرة تتصاعد فيها التوترات في مالي، يعود إلى الواجهة شبح أحداث 1989، التي شهدت أعمال عنف واضطرابات طالت موريتانيين في عدد من المدن، بينها باماكو وسيغو.

تبدو نواكشوط مطالبة ببناء استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على ثلاثة محاور أساسية

ورغم اختلاف السياقات السياسية والأمنية اليوم، فإن استحضار تلك الأحداث يعكس حجم الحساسية المرتبطة بأوضاع الجاليات في لحظات الانفلات الإقليمي.

في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو نواكشوط مطالبة ببناء استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على ثلاثة محاور أساسية، أولها التأمين الاستباقي للحدود، ويشمل ذلك تعزيز الحضور العسكري والاستخباراتي على الحدود الشرقية، والثاني منع أي تسلل محتمل للجماعات المسلحة أو شبكات التهريب، والثالث اعتماد سياسة ردع واضحة تجاه أي خرق أمني.

وتحاول موريتانيا الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، دون الانجرار إلى محاور متصارعة، سواء أكانت فرنسية أم روسية أم غير ذلك.

ويعتبر هذا التوازن ضرورياً لتجنب تحويل الأراضي الموريتانية إلى ساحة صراع بالوكالة أو منطقة استنزاف إقليمي.

إدارة ملف النزوح

بات ملف اللاجئين والنازحين من مالي يمثل تحدياً متزايداً للدولة الموريتانية، ليس فقط إنسانياً، بل أمنياً واقتصادياً أيضاً.

بات ملف اللاجئين والنازحين من مالي يمثل تحدياً متزايداً للدولة الموريتانية

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعبئة دعم دولي أكبر لموريتانيا، باعتبارها إحدى آخر نقاط الاستقرار النسبي في الساحل.

ولعل أهم الدروس المستخلصة من التجربة المالية هو ضرورة الحفاظ على “وحدانية السلاح” تحت سلطة الجيش الوطني، وتجنب الانجرار إلى نماذج الميليشيات أو القوى شبه العسكرية التي أثبتت التجارب الإقليمية أنها تتحول غالباً إلى مصدر إضافي للفوضى.

أزمة مستمرة

وعلى المستوى السياسي، لا تبدو الأزمة المالية قريبة من الحل، في ظل تزايد الدعوات المطالبة بإسقاط النظام القائم.

ويبرز ضمن هذا السياق اسم محمود ديكو، الذي يواصل الدعوة إلى تغيير سياسي واسع في باماكو، بالتوازي مع تصعيد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، لهجماتها وخطابها المعادي للسلطة.

بعض البيانات الأخيرة الصادرة عن الجماعات المسلحة، والمحررة باللغة الفرنسية، تضمنت دعوات مباشرة لعزل ما وصفته بـ”الدكتاتور”

كما أن بعض البيانات الأخيرة الصادرة عن الجماعات المسلحة، والمحررة باللغة الفرنسية، تضمنت دعوات مباشرة لعزل ما وصفته بـ”الدكتاتور”، في إشارة إلى عاصيمي غويتا، وهو ما يعكس انتقال الصراع من المواجهة العسكرية إلى معركة شرعية سياسية مفتوحة.

حتى الآن، تبدو موريتانيا متمسكة بسياسة تقوم على “الاحتواء المرن” للأزمة المالية، وتتمثل بـ”لا انخراط مباشراً في الصراع، ولا تهاون في حماية الأمن الداخلي”. لكن في منطقة تتغير فيها موازين القوى بسرعة، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو فقط تجنب الحرب، بل أيضاً القدرة على الاستعداد المبكر للفوضى قبل أن تعبر الحدود.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *