كيف أصبح على واشنطن إيجاد بدائل تقبلها طهران؟


“اتفاق وشيك مع إيران، السلام لكم”، كان من الممكن أن يكون هذا هو العنوان الجديد لزاوية ايستي ورؤوفين من برنامج “أرض رائعة”، لولا واقعيته الشديدة. ففي مرحلة “الاتفاق الوشيك” تعمل جميع العقول المبدعة على ابتكار أفكار تتخطى العقبات. هدفهم هو تزويد إيران وترامب بصورة النصر دون تحقيق النصر فعلياً؛ وإخراج إيران من البرنامج النووي دون تفكيك البرنامج النووي نفسه؛ وتعويض إيران عن أضرار الحرب دون الاعتراف بالتراجع، وفتح الملاحة البحرية في مضيق هرمز بـ “ترتيب” لا يبدو وكأنه تراجع.

ومن الأمثلة على هذه الأفكار تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” حول إمكانية إنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية والطاقة في إيران. يبدو أن الصندوق، الذي يفترض استخدامه لإعادة تأهيل الأضرار الناجمة عن الحرب هو جزء من الإغراءات التي تقدمها الولايات المتحدة مقابل التوصل إلى اتفاق. ودون التصريح بذلك صراحة، يفترض أن يلبي الصندوق مطالب إيران بالتعويض، وربما يجبرها أيضاً على التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز وتحصل رسوم العبور من أي سفينة تعبره.

هذه ليست فكرة جديدة. ففي أواخر شباط، عشية الحرب، أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أنه وكجزء من اتفاق مع الولايات المتحدة، ستسمح إيران للشركات الأمريكية باستثمار مبالغ طائلة في البلاد، “تصل إلى تريليون دولار”، شريطة رفع جميع العقوبات وطمأنة إيران بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهاجماها. ولم يكن هذا المقترح جديداً أيضاً؛ فقبل ذلك بعام تقريباً، في نيسان 2025، قبيل جولة من المحادثات مع الولايات المتحدة، غرد عراقجي بإغراء بنفس الروحية: “خطتنا هي بناء 19 مفاعلاً نووياً إضافياً على الأقل. ومن المتوقع أن تدر هذه المفاعلات مليارات الدولارات بعقود محتملة”.

لم يكن هذا الابتكار وليد الصدفة. فقبل أسابيع، اقترح معلقون وأعضاء في البرلمان الإيراني استغلال “ضعف” ترامب لأغراض تجارية، وعرض صفقة مغرية عليه مقابل التخلي عن الحرب. ووفقاً لبعض التقارير الواردة من إيران، فقد حظي الاقتراح بدعم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي اعتبره مخرجاً، مؤكداً أنه “لا غبار عليه”.

كما أعيد إحياء فكرة إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران كجزء من اتفاق شامل الشهر الماضي، وذلك في مقال مبرر جيداً نشر في مجلة “فورين افيرز” (الشؤون الخارجية). وقدم الدبلوماسي المخضرم توم بيكرنيغ (الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي)، والباحثة غبريئيل ريفكند، والخبير في منع انتشار الأسلحة النووية بول اينغرام، للولايات المتحدة سبلاً للالتفاف على المطالب المتشددة التي يتمسك بها كل طرف، من خلال اليات تسمح بعرض الاتفاق على أنه انتصار.

هؤلاء الكُتّاب يعيدون طرح فكرة إنشاء رابطة إقليمية لتخصيب اليورانيوم: ستشارك فيها، إلى جانب إيران عدة دول من المنطقة مما سيتيح إشرافاً أدق على عمليات إنتاج اليورانيوم وتخصيبه، فضلاً عن الاعتراف بحق إيران في امتلاك اليورانيوم للأغراض المدنية. وفي ما يتعلق بالخلاف القائم في مضيق هرمز، كتبوا: “سيتعين على الولايات المتحدة أن تقر بأنه في غياب عملية عسكرية ضخمة ومكلفة، ستحتفظ إيران بالقدرة على إغلاق المضيق”. لكن بإمكان الولايات المتحدة التحايل على مطالبة إيران بتحصيل رسوم عبور. يقترح هؤلاء الكُتّاب أن تفرض الدول المصدرة للنفط في الخليج بدلاً من ذلك “رسوم نقل” على النفط ومشتقاته. على سبيل المثال، يمكنهم فرض “رسوم” قدرها 5 دولارات للبرميل من النفط، و20 سنتاً لكل ألف قدم مكعب من الغاز، و25 – 30 دولاراً للطن من المواد الكيماوية.

المبالغ المحصلة بهذه الطريقة تشابه المبالغ التي يمكن لإيران تحصيلها من رسوم العبور التي تسعى لفرضها والتي تقدر بنحو 80 مليار دولار سنوياً. لكن هذه المبالغ ستحول إلى صندوق خاص تديره الأمم المتحدة، وسيخصص جزء منها لإعادة إعمار إيران وجزء آخر للدول العربية المحتاجة والمشاريع الإنسانية. ويرى معدو هذا المقترح أنه يحيد مطلب إيران باحتكار رسوم العبور، وفي الوقت نفسه، يلبي مطلبها بالحصول على تعويض عن اضرار الحرب.

ويبدو أن هذا المقترح ممكن مثله مثل إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار. ومن الناحية العملية، فإن هذه الأفكار مشروطة برفع العقوبات المفروضة على إيران، لا سيما تلك المفروضة على البنوك وغرف المقاصة الدولية الممنوعة من عقد صفقات مع إيران. وسيطلب من إيران سن قائمة طويلة من القوانين الجديدة التي تضمن الاستثمارات الأجنبية وتنظم نظام الدفع، وترسخ الضمانات الحكومية وتمنع غسل الأموال، وتضمن المساواة أمام القانون. هذا يعني إجراء إصلاحات قانونية ودستورية من شأنها في حال تطبيقها أن تلحق ضرراً بالغاً بالاحتكارات الاقتصادية التي تسيطر على البلاد، بما في ذلك الحرس الثوري الذي يمتلك أكثر من نصف الاقتصاد، والجيش والشرطة والمؤسسات الدينية.

لقد كان هناك سابقة جزئية: فبعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، سارعت إيران إلى سن العديد من القوانين التي تهدف إلى تسهيل الأمور على المستثمرين الأجانب، وسن قائمة من الإعفاءات من الضرائب والرسوم، بل وحتى سن قانون لمكافحة غسيل الأموال وشن حرب اقتصادية على الإرهاب. يعد هذا التشريع خطوة سهلة نسبياً في بلد يخضع فيه البرلمان لقرارات المرشد الأعلى، لكن على إيران أن تدرس مدى توافق الاستثمارات والمزايا التي ستوافق على منحها للمستثمرين الجدد مع الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعتها مع الصين وروسيا، وهي اتفاقيات تمنحها الأولوية بل والحصرية، في مجالات البنية التحتية والطاقة والاتصالات.

مع ذلك، لا يزال هذا الأمر في مراحله الأولى. ويبدو أن دراسة المقترحات والأفكار التي من شأنها الالتفاف على مطالب إيران، لا تعدو كونها تمارين نظرية في التفكير الإبداعي. لم تتخلّ إيران بعد عما تعرفه بحقها السيادية في السيطرة على مضيق هرمز وتحديد قواعد المرور عبره، بحكم موقعه في مياهها الإقليمية. وتؤكد إيران موقفها بأن أي عرض مالي مهما كان مغرياً، لا يغني عن حقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها.

في الوقت نفسه، إذا صح تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” فإنه يشير إلى الانقلاب في الأدوار بين إيران والولايات المتحدة. فقد انبثق الاقتراح الإيراني الأصلي بالسماح بالاستثمار الأمريكي في البلاد من نقطة ضعف دفعت إيران للبحث عن إغراءات لوقف الحرب. أما الآن فالولايات المتحدة مطالبة بإيجاد بدائل وتقديم حلول وسط مقبولة لإيران لتجنب حرب لا ترغب بها واشنطن ويصرح ترامب بأنه “يملك الوقت” وأن انتخابات التجديد النصفي لن تؤثر على قراره بخوض الحرب أو الموافقة على اتفاق “سيئ” مع إيران. تشير وسائل الإعلام الأمريكية إلى المعاناة الاقتصادية الهائلة التي تسببها الحرب للمواطنين الإيرانيين، وتفيد بأن احتياطيات إيران من العملات الأجنبية لن تكفي إلا لثلاثة أشهر.

لكن هذه الحرب كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين ما بين 25 و30 مليار دولار. ووفقاً لتحليلات أجرتها معاهد بحثية في الولايات المتحدة، قد تكلف الحرب كل عائلة ألفي دولار بالمتوسط إذا استمرت لمدة عام على وتيرتها الحالية. لذا، من الأفضل في الوقت الراهن عدم المراهنة على الفائز في المنافسة بين “الوقت المتاح للولايات المتحدة والوقت المتاح لإيران.

تسفي برئيل

هآرتس 1/6/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *