كنا معاً… حين بدا السلام ممكناً ذات يوم


جدعون ليفي

صورة مصفرة: عدد من النساء والرجال الأنيقين يقفون على درج. في الوسط رجل طويل القامة، فيليب السادس، ملك إسبانيا الحالي، الذي كان في حينه ولي العهد. يقف إلى جانبه في الصفوف عشرة أعضاء من الكنيست الإسرائيلية وعشرة أعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني. هذه نهاية رحلة استغرقت حوالي أسبوع في ستراسبورغ وفالنسيا. صورة جماعية التقطت، ليس فقط من زمن آخر بل من كوكب آخر. تذكرت عشية الانتخابات في إسرائيل هذه الصورة، وتذكرت الواقع الذي كان هنا، والذي لن يعود على الأرجح. ها هو مروان البرغوثي خلف غابي ليسكي، وزير شؤون الأسرى قدورة فارس بين حاييم رامون ومن خلفه المستوطن يهودا هرئيل، ومن أمامه إسحق فاكنين من حزب “شاس”، أما مكسيم ليفي (الليكود) ودافيد تال وهما من حزب “شاس” أيضاً فيقفان من خلف أمير إسبانيا؛ وهذا هشام عبد الرازق، الذي تشوه وجهه ويداه بسبب عبوة ناسفة يقف أمام تيدي زوكر وايتان كابل في أقصى اليمين. كان الإسرائيليون ممثلين عن “العمل” و”الليكود” و”شاس” و”الطريق الثالث” و”ميرتس”. تقريباً كل الأحزاب السياسية، باستثناء الأحزاب العربية، في العام 1997، وهو عام الأحلام والسلام، قبل ثلاثين سنة تقريباً.

كان المساء يوشك أن يحل على ستراسبورغ، وكنا جميعاً على وشك العودة إلى الفندق في سيارة عمومية. فضل اثنان فقط العودة سيراً. أخرج أحدهما خريطة للمدينة من جيب معطفه المريح جداً، في حين مسك الآخر الخريطة بيديه المحترقتين، وسارا معاً وعبرا الجسر وابتعدا، حتى أصبحا مجرد شخصين في الظلام. من بعيد، ظهر أنهما يغرقان في حديث عميق. الظلام أخفى أثر الحروق على وجه هشام عبد الرازق، عضو المجلس التشريعي من غزة. وكان صديقه في الجولة عضو الكنيست يهودا هرئيل، وهو مستوطن من هضبة الجولان وعضو في ائتلاف الليكود عن حزب الطريق الثالث. رحلتهما لم تثر أي اهتمام خاص بين أصدقائهما، (مقال لي في “هآرتس”، 28 شباط 1997).

الضفة الغربية تحترق وقطاع غزة مدمر، إسبانيا لن تستضيف أعضاء كنيست إسرائيليين الآن، ولن يفكر ممثلو حزب “شاس” وحزب الليكود حتى في الانضمام، ومشكوك فيه أن يفعل ذلك ممثلو حزب الديمقراطيين

هكذا كنا جميلين ومتنورين وإنسانيين ومعتدلين، بل وطبيعيين جداً. أقوى ذكرى أحتفظ بها من هذه الرحلة الرائعة هي ذكرى الحياة الطبيعية: يتحدث مكسيم ليفي عن السعر الجيد الذي اشترى به ملابس داخلية من محل تجاري، واشترى حاييم رامون ملابس “هوغو بوس” بسعر زهيد، ويعرضها على الفلسطينيين الذين أرادوا شراء مثلها أيضاً. لم يعتقد أحد أن هناك شيئاً مثيراً في رحلة مسائية في ستراسبورغ قام بها مخرب سابق من غزة ومستوطن من هضبة الجولان.

أحصينا حوالي 100 سنة من السجن والتهجير لفلسطينيين، هشام عبد الرازق 21 سنة، وهي فترة حاول رامون عبثاً أن يعرف منه كيف يتجاوزونها. لم تكن هناك لحظة توتر واحدة، أو كراهية أو مشاعر انتقام، ولم نلاحظ حتى غيابها عن حديثنا. رحلة منظمة لأوروبا الكلاسيكية لمجموعة أشخاص في منتصف عمرهم، لم يعرف أحدهم الآخر من قبل في معظمهم، مثل أي رحلة منظمة أخرى، اندمجوا بالتدريج في مجموعة واحدة دون أي اختلاف في الدين والعرق والجنس، والأكثر إثارة للدهشة أنهم لم ينتبهوا لذلك.

ضحكنا عندما انحنى مكسيم ليفي لحارس في القصر كان يرتدي ملابس واقية مغطاة بالذهب، لاعتقاده بالخطأ أنه الأمير. قمنا بهز الأكتاف عندما سأل أحد أعضاء الكنيست في البرلمان الأوروبي عن بلادنا، وأجبنا ببساطة “من إسرائيل ومن فلسطين”. وعندما حيّانا رامون وقال “شبات شالوم”، صححه البرغوثي وقال: “لم يبدأ السبت حتى الآن”. في إحدى الأمسيات ضحكنا من حديث جرى بين عضوين من حزب “شاس” ودلال سلامة، العضوة في المجلس التشريعي من مخيم بلاطة، التي كانت ترتدي حجاباً أبيض.

توفي الكثيرون منهم منذ ذلك الحين. بعد خمس سنوات على هذه الرحلة، تم اعتقال البرغوثي وحكم عليه بالسجن المؤبد خمس مرات وأربعين سنة. الضفة الغربية تحترق وقطاع غزة مدمر، إسبانيا لن تستضيف أعضاء كنيست إسرائيليين الآن، ولن يفكر ممثلو حزب “شاس” وحزب الليكود حتى في الانضمام، ومشكوك فيه أن يفعل ذلك ممثلو حزب الديمقراطيين. ولكنني لن أنسى هذه الرحلة أبداً، التي أثبتت، على الأقل لكل من شارك فيها، أن السلام ممكن.

 هآرتس 18/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *