من أجمل القطع الموسيقية الكلاسيكية التي يستمتع بها الكبار والصغار، «كرنفال الحيوانات» للموسيقار الفرنسي كامي سان صانس، وهي متتالية موسيقية تتكون من 14 حركة ويستغرق عزفها 25 دقيقة تقريباً، ألفها عام 1886 أثناء وجوده في قرية من قرى النمسا. باتت هذه المتتالية التي تخوف صاحبها من ذيوعها وهو على قيد الحياة، كي لا تهتز صورته كموسيقار جاد رصين، من أشهر مؤلفاته وأكثرها انتشاراً وجماهيرية، وتحولت بعد وفاته إلى باب سهل جميل، يدخل من خلاله الأطفال والبالغين، على حد سواء إلى عالم الموسيقى الكلاسيكية.
ولد كامي سان صانس في فرنسا عام 1835 وتوفي في الجزائر عام 1921، وهو من أعلام الموسيقى الكلاسيكية والحقبة الرومانتيكية. هو موزارت فرنسا كما يلقبه البعض، وأحد الذين جعلوا الموسيقى الفرنسية تقف إلى جانب الموسيقى الألمانية والنسماوية والمجرية، وتعلن عن ذاتها. وهو صاحب «الكونشيرتو المصري» الذي ألفه عام 1895، أثناء إحدى زياراته المتكررة إلى مصر، وتحديداً إلى مدينة الأقصر التي كان يقضي فيها فصل الشتاء. ظهرت موهبة سان صانس ومهارته في العزف والتأليف منذ الطفولة وسنوات الصبا، وقدم أولى حفلاته، عندما كان في العاشرة من عمره. إلى جانب التأليف الموسيقي كان يعزف على البيانو والأرغن ببراعة، ويقود الأوركسترا بنفسه في بعض الأحيان، ومن أشهر أعماله الخالدة أيضاً أوبرا شمشون ودليلة، ورقصة المقابر، وشباب هرقل.
المرح الرفيع
نتأمل كرنفال الحيوانات فنتخيل ذلك الموسيقار العظيم عندما كان يجلس أمام البيانو، يمرح مرحاً فنياً رفيعاً أنتج تلك القطعة الفريدة الخالدة، وعندما كان يضع أفكاره الموسيقية الطريفة، ويعبر عن بعض الآراء ويرسل بعض الرسائل أيضاً، وكل ما وصل إلينا وبات معروفاً متداولاً. وقد أنتج هذا المرح فناً مبهراً في قدرته على إنتاج الخيال ومخاطبة وإثارة خيال السامع، ولا يقتصر الأمر على طرافة المحاكاة النغمية للحيوانات وحسب، بل يتضمن العمل إشارات ساخرة خفيفة وظفها سان صانس بذكاء شديد. نستمع إلى المقطوعة فتأخذنا إلى خيالها الخاص، وتدخل بنا إلى الغابة، حيث يقام الحفل الموسيقي الكبير، وحيث تجتمع الحيوانات بأعداد كبيرة من كل الفصائل لمتابعة الحفل، أما الحيوانات المشاركة بالعزف والرقص والغناء، فتتخذ أماكنها وتلتزم بأدوارها. يبدأ الحفل بحضور الأسد ملك الغابة، ونكون مع الحركة الأولى «مارش الأسد الملكي». في افتتاحية تليق بالملك وتقديم مهيب لحضوره، نستمع إلى أنغام تعبر عن الترقب وتنبه السامع أو الحضور إلى اللحظة المنتظرة، ثم يظهر الأسد في موكب كبير هائل، وتتوالى نغمات البيانو مع تدفق الوتريات المتسارع. لم يرسم سان صانس صورة مخيفة أو وحشية للأسد، وإنما قدمه كملك في كامل هيبته، يستعرض سلطانه أمام رعيته في الغابة، فهو ملك أتى ليحضر حفلاً لا ليبحث عن فريسة. بعد انتهاء الموكب الملكي ينتقل سان صانس من أجواء العظمة التي أحاطت بالأسد، إلى أجواء مغايرة تماماً، إلى «الدجاج والديكة» في الحركة الثانية حيث الموسيقى التي تعج بالحياة والحركة والضجيج، ومحاكاة صوت الدجاج، من خلال صوت الكمان المتسارع للغاية. كما تتبادل الآلات الموسيقية النغمات القصيرة المتقطعة التي تصور نقرات الدجاج وحركاته السريعة غير المنظمة، ثم تدخل نغمات أخرى أكثر قوة تصور الديك وتعلن حضوره من حين إلى آخر.
تصور الحركة الثالثة «الحمير الوحشية» حيث ينطلق البيانو بنغماته السريعة المتدافعة، كأننا نرى مجموعة من تلك الحيوانات تندفع بأقصى سرعة في الغابات الشاسعة، تمر هذه الحركة سريعاً داخل المقطوعة، لكنها تترك أثراً تعبيرياً كبيراً. من تلك السرعة الهائلة ننتقل إلى بطء السلاحف في الحركة الرابعة، وهنا يزداد المرح والطرافة والسخرية، حيث ترقص السلاحف رقصة «الكان- كان»، فيتحول اللحن الحيوي السريع إلى لحن بطيء متثاقل، نستمع إلى النغمة فلا تكاد تتحرك حتى تدفعها النغمة اللاحقة ببطء شديد، يبطئ البيانو، وتتمهل الوتريات وتنخفض الموسيقى حتى تصير همساً. بعد رقصة السلاحف نكون على موعد مع رقصة الفيل في الحركة الخامسة، وهو يؤدي رقصة فالس بجسده الضخم الثقيل، وبالطبع ذهب سان صانس إلى آلة الكونتراباص بصوتها الغليظ العميق للتعبير عن الفيل، وجعلها تتصدر الأوركسترا بلحن بطيء اقتبس فيه مقطوعات راقصة من برليوز ومندلسون.
في الحركة السادسة يقفز «الكنغر» أو تقفز الموسيقى على مفاتيح البيانو، ثم تتوقف من دون انتظام، تتكرر النغمات القصيرة المتقطعة صعوداً وهبوطاً، كأننا نرى الكنغر وهو ينطلق بخفة من مكان إلى آخر، هي حركة مليئة بالمفاجآت فلا خط واضح للموسيقى ولا إيقاع ثابت. ننتقل بعد ذلك إلى تركيب موسيقي شديد الروعة والتعقيد في الحركة السابعة «أكواريوم»، نستمتع بأنغام الفلوت والبيانو والوتريات، وخفة وانسيابية الإكسليفون وسحباته التي تحاكي صوت المياه.
هي من أصعب الحركات تأليفاً بلا شك، فقد ذهب سان صانس إلى خلق تأثيرات صوتية دقيقة للغاية ومليئة بالتفاصيل، تعكس حالة من التأمل في جمال هادئ شفيف. تعود بنا الحركة الثامنة إلى السخرية والمرح مرة أخرى، وربما هي الحركة الأكثر إثارة للضحك، حيث نستمع إلى نهيق الحمار. ومن صوت الحمار ننتقل إلى صوت الوقواق الذي يخترق سكون وصمت الغابة الكثيفة، تطلق آلة الكلارينيت نغمة وحيدة متكررة، تدخل من حين لآخر على الخط الميلودي المستمر للبيانو، رسم سان صانس في هذه الحركة لوحة رائعة تصور الصمت والصوت في الطبيعة. نبقى مع الطيور في الحركة العاشرة، حيث تتقاطع أصوات الفلوت والبيانو والوتريات، فتعبر عن تغريد الطيور ورفرفة الأجنحة والحركة الدائرية في الهواء.
في الحركة الحادية عشرة يكسر سان صانس الخيال عمداً، أو يربكه على الأقل، «عازفو البيانو» ليسوا من الحيوانات لكنه يعرضهم في الكرنفال كمخلوقات طريفة مسلية. لكننا في هذه الحركة لا نستمع إلى لحن رائع أو موسيقى غنية بالتعبيرات، وإنما نستمع إلى ثيمة تعزفها آلتا بيانو خمس مرات متتالية، هذا التكرار الرتيب المتعمد يظهر الجانب الممل في الموسيقى، أو كواليس العزف والتدريبات الشاقة، التي تختبئ وراء الجمال النهائي الذي يصل للسامع. الحركة الثانية عشرة «الحفريات» تجمع بين السخرية ومراجعة الماضي وتأمل الزمن والموسيقى، يتناول سان صانس ألحاناً قديمة كما لو أنها تحولت إلى هياكل عظمية، بأسلوب موسيقي أقرب إلى الرسم الكاريكاتيري. بعد ذلك نصل إلى أجمل الحركات المتتالية، ولحن من أجمل ألحان سان صانس على الإطلاق، حركة «البجعة» حيث انفراد التشيللو، وعزفه ثيمة شديدة الشاعرية مليئة بالسحر والخيال، ولا يكون بعد ذلك سوى الخاتمة التي يستعرض فيها سان صانس كل ما مرّ علينا في الكرنفال بشكل سريع خاطف.
كاتبة مصرية