بغداد ـ “القدس العربي”: في الوقت الذي قدّمت فيه الحكومة العراقية تعهدات بالسيطرة على السوق عقب قرارها القاضي برفع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي، حذّر وزير سابق مما وصفها “ثورة جياع” قادمة وانهيار للدولة، على خلفية ذلك القرار، وسط تحرّك نيابي للطعن أمام المحكمة الاتحادية.
سنوات من الفساد
الوزير العراقي السابق وزعيم تحالف “مستقبل العراق” وحركة “إنجاز”، باقر الزبيدي، أفاد في بيان صحافي بأن “الحكومة الحالية لا تتحمل وحدها تبعات الأزمة الراهنة، وما وصلنا إليه هو تبعات فساد سنوات طويلة”.
واعتبر أن “قرار تغيير سعر الصرف هو قرار خاطئ، ولن يحل الأزمة، بل سيكون السبب في ثورة جياع قادمة، لأنه ببساطة سوف يرفع أسعار كل شيء، والأهم أنه سوف يدمر الطبقة الوسطى من المجتمع، وهي أهم طبقة عاملة ومنتجة، ومحاربتها وتدميرها يعني نهاية الدولة”.
وخاطب المسؤولين بالقول: “قبل أن تمدوا أيديكم في جيوب المواطن خفضوا رواتبكم، وأوقفوا النهب في مزاد العملة والبنوك الوهمية، واسترجعوا الأموال المنهوبة المهربة إن كنتم تبحثون عن حلول فعلية”.
على الصعيد البرلماني، دعت كتلة “حقوق”، الممثل السياسي لكتائب “حزب الله” في مجلس النواب، المتضررين من قرار تغيير سعر صرف الدولار إلى التضامن مع الكتلة وتقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية، ورفض قرار حكومة علي الزيدي رفع سعر العملة الأمريكية مقابل الدينار.
وقال رئيس الكتلة، سعود الساعدي، خلال مؤتمر صحافي، إن “المشكلة تكمن في سوء الإدارة وعدم وجود محاربة حقيقية للفساد، محمّلاً الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 مسؤولية ذلك”.
وتعليقاً على إمكانية حضور رئيس مجلس الوزراء إلى مجلس النواب للاجتماع بالنواب وعدم الاكتفاء بقادة الكتل، أكد الساعدي أهمية حضوره لـ”إطلاع الشعب على تفاصيل القضية”، مشدداً على أنها “ليست قضية شخصية، ولا يكفي التعامل معها بالقول إنه يتحمل المسؤولية، بل إنها قضية تخص العراق”.
دعت كتلة “حقوق”، الممثل السياسي لكتائب “حزب الله” في مجلس النواب، المتضررين من قرار تغيير سعر صرف الدولار إلى التضامن مع الكتلة وتقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية
وخلص إلى أن الكتلة “بعيدة عن المحاصصة والمنافع، تعمل على جمع تواقيع لاستضافة المسؤولين المعنيين وعقد جلسة خاصة لمجلس النواب بشأن الدولار”.
وكانت كتلة الساعدي قد طرحت مبادرة لـ”إصلاح الواقع المالي والاقتصادي في العراق”، داعية مجلس الوزراء والبنك المركزي العراقي إلى “إلغاء الأوامر التشريعية الصادرة عن سلطة الاحتلال الأمريكي المنظمة للعمل المصرفي في العراق، والتي تتمثل بالأمـر التشريعي للبنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004 والأمر التشريعي للمصارف رقم (94) لسنة 2004 واستبدالها بقوانين وطنية يصوت عليهـا مجلـس النـواب بالشكل الذي يحقق السيادة المالية الكاملة للعراق”.
كما دعت أيضاً الحكومة إلى “عدم ربط الأزمة المالية برواتب الموظفين أو تخفيض القدرة الشرائية للمواطن كما حصل في القرار رقم (544) لسنة 2026 الذي ترتب عليه تخفيض القوة الشرائية بنسبة (15%) وضرورة تعويض هذه النسبة بقرارات حقيقية بدل إلقاء أعبائها على عاتق المواطن والموظف”.
ومن بين ما تضمنته مبادرة الكتلة، دعوة الحكومة إلى “تخفيض وترشيد النفقات العامة المزمع تثبيتها في مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2027 بمبلغ (217) ترليون وإلغاء النفقات الصورية لبعض الوزارات والدوائر كنفقـات استبدال الأثاث المكتبي والنثريات وتخفيضها إلى (50%)”.
وشددت على ضرورة قيام الحكومة والبنك المركزي والمؤسسات المالية في العراق بـ”اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحرير الأموال العراقية الناتجة عن بيع النفط الخام في الأسواق العالمية، وعدم إلزام الدول المشترية بالإيداع الإلزامي لدى البنك الفدرالي الأمريكي وذلك من خلال تجسيد السلطة الكاملة للعراق في تحويل هذه المبالغ بأي عملة أجنبية أخرى وفي أي مؤسسة مصرفية غير البنك الفدرالي الأمريكي”.
كما دعت الحكومة أيضاً إلى “سحب جزء من احتياطي البنك المركزي العراقي المودع في البنك الفدرالي الأمريكي في صور سندات مالية من أجل مواجهة قلة عرض الدولار الأمريكي في الأسواق العراقية مقابل ارتفاع الطلب عليـه لغرض الحد من الآثار السلبية لارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي في مواجهة الدينار العراقي”.
ومن بين بنود المبادرة جاءت الدعوة إلى “تنويع حسابات إيداع أموال بيع النفط الخام لدى الدول الأجنبية، وذلك من خلال فتح حسابات عراقية أخرى لدى هذه الدول باليورو أو اليوان أو غيرها من العملات الأخرى، وعدم الاعتماد بصورة كلية على الحساب الحالي بالدولار الأمريكي”.
إلى ذلك، ينضمّ الحزب الشيوعي العراقي إلى الجهات السياسية الرافضة للقرار الحكومي، معتبراً أن نظرة الحكومة إليه كانت أحادية الجانب، تركز على تأثيره الإيجابي في قدرتها على مواجهة الضغوط المالية المباشرة بتوفيره متنفساً سريعاً لخزينة الدولة.
سكرتير الحزب رائد فهمي قال إن هذه “النظرة تغفل حقيقة أن الأسباب الجذرية للأزمة المالية والاقتصادية لا تكمن في الحقل النقدي، وإنما تتمظهر فيه. فجذور الأزمة وأسباب العجز نجدها في السياسة المالية، وكحصيلة للآثار التراكمية البالغة الضرر للسياسات الاقتصادية العشوائية على مدى عقدين، وفي مقدمتها تضخم النفقات الجارية وترسخ الطابع الريعي للاقتصاد العراقي باعتماده شبه الكلي على المورد النفطي الخاضع لتقلبات الأسواق العالمية”، حسب فهمي.
ينضمّ الحزب الشيوعي العراقي إلى الجهات السياسية الرافضة للقرار الحكومي، معتبراً أن نظرة الحكومة إليه كانت أحادية الجانب
ورأى سكرتير الحزب أن “مما هو أكثر أهمية عدم الأخذ بعين الاعتبار بحد أدني من الجدية ما يسببه القرار من تدهور في الأوضاع المعيشية للمواطنين، بسبب الانخفاض الحاد في قدرتهم الشرائية، ولا سيما لذوي الدخل المحدود وللفئات الهشة بالمجتمع، فضلاً عن تداعياته على مجمل الحياة الاقتصادية والتعاملات التجارية التي أصيبت بالشلل وحالة الكساد المتوقعة في حركة الأسواق”.
وأكد أن “هذا القرار ليس اقتصادياً ومالياً فحسب، بل له بعد سياسي غاب عن الحكومة، لذا يبدو أنها تفاجأت بقوة ردود الفعل الشعبية الرافضة للقرار”.
وأشار إلى أن “تخفيض سعر صرف الدينار لا يقدم حلاً للأسباب الجوهرية للأزمة المالية والاقتصادية، وإذ ما استخدم لتعويض العجز من دون أن تصاحبه إصلاحات مالية واقتصادية، فقد تتحول كلفة الاختلالات في إدارة الموازنة إلى عبء إضافي على المستهلكين وأصحاب الدخول الثابتة بسبب ما يسببه خفض سعر الصرف من ارتفاع في الأسعار وتراجع في القوة الشرائية للمواطنين”.
دعوة لمراجعة شاملة
وتساءل “هل استنفدت الحكومة، قبل اتخاذ قرار تغيير سعر الصرف، كل البدائل ذات الكلفة الاجتماعية الأقل؟ مثل ترشيد الإنفاق غير الضروري وضبطه، وإلغاء الامتيازات المكلفة، وخفض تخصيصات الرئاسات والدرجات الخاصة، ومراجعة أوجه الهدر، وضبط الجباية وتوسيع الوعاء الضريبي واعتماد الضريبة التصاعدية الأكثر عدلاً وإحكام السيطرة على المنافذ الحدودية وغيرها من الإجراءات التي تعزز الإيرادات غير النفطية؟”.
ودعا إلى “إيقاف العمل بالقرار ومراجعته على ألَّا تقتصر المراجعة على سعر الصرف وحده، وإنما تكون في إطار مراجعة شاملة للسياسة الاقتصادية بشقيها النقدي والمالي ضمن رؤية تنموية تشمل إعادة هيكلة الإنفاق العام وإصلاح البنية الريعية للاقتصاد”.