«كتفٌ في بيت مكتظ»


في نيسان 2003، عندما أخذت طبول الحرب تقترب من بغداد، قررت عائلتنا قراراً اتخذته أيضاً بعض العائلات العراقية. حين عجزَ الخوف عن إيجاد الحل: جمعناه في بيت واحد.
ذهبنا إلى عانة، غرب الأنبار، إلى بيت العائلة، ثم أخذ أعمامي وعماتي يصلون تباعاً بأبنائهم وحقائبهم، حتى بدا البيت كأنه اتسع فجأة لفرع كامل من شجرة هاربة من النار. لم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث غداً، وكانت الأخبار تتبدل أسرع من قدرتنا على فهمها، لكن الخوف حين توزع بيننا فقد شيئاً من سطوته. ثمة طمأنينة قديمة لا تمنحها الجدران ولا المدن الآمنة؛ تمنحها فقط كثرة الوجوه التي تعرفها منذ ولدت.
لقد كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما استيقظت فجأة قبل الجميع فجراً، كان البيت نائماً، والفوضى التي خلفها يوم كامل من حياة عشرات البشر مستيقظة وحدها. صحون وأكواب وأغطية وأشياء انتقلت من أماكنها تحت وطأة الزحام، ومن دون تردد أو تفكير بدأت أنظف كل زوايا المنزل، لم يطلب مني أحد ذلك. لكنني استيقظت في الفجر التالي وكررتها مرة أخرى.
وبعد أيام، كان لي في البيت توقيت آخر يسبق توقيت الجميع. أنهض مع الفجر، أسقي الحديقة، ثم أدخل المطبخ وأقف أمام مائدة ينبغي أن تكفي هذا الجيش الصغير من الأقارب. كانت المؤن محسوبة، فبدأت أخترع ما أسميته «أكلات الحرب»، وتعلمت أن أصنع المايونيز في البيت، وأن أستخرج من القليل وجبة تبدو كأنها لم تعرف الحصار. وبعد الطعام، كان ينتظرني أحياناً أكثر من خمسين صحناً، أغسلها كلها دون تبرم، والأغرب أنني كنت حينها في أسعد لحظات حياتي!
لم أكن أنتهي إلا قرابة المغرب، حتى يعود البيت إلى وجهه الآخر. كان نيسان في عانة جميلاً على نحو يكاد يبدو غير مكترث تماماً بما يجري في البلاد. تجلس عماتي معاً طويلاً وهن يفترشن الأرض، تتقاطع حكاياتهن مع الضحك، ويصعد بخار الشاي العراقي من الإبريق، فيما يستقر صحن الفافون الفضي الممتلئ بحب دوار الشمس في قلب الجلسة كأنه أحد أفراد العائلة. كنت أجلس مع أبناء عمومتي كل مساء؛ نكتب الشعر ونلعب الدومينو ومونوبولي لعبة بغداد، ثم أقرأ لهم كل يوم جزءاً من رواية. وإذا جاء خبر من التلفاز يبعث على التفاؤل، كنا نرفع صوت الأغاني الوطنية ونقوم برقصة الجوبي بحماسة مراهقين لم يفهموا بعد أن التاريخ الذي يشاهدونه على الشاشة سيظل عالقاً في أعمارهم إلى الأبد.
لهذا، كلما قلت إن للحرب جمالياتها، أخشى أن يساء فهمي. ليست الحرب جميلة بالشكل الذي نعرفه، لكن اقتراب الموت يمنح التفاصيل الصغيرة حدة غريبة؛ يتحول معها إبريق الشاي إلى أنتيكة ونتذكر الضحكة كما لو أنها كانت أعلى، تبدو فساتيننا البسيطة أشد وضوحاً مع ألوانها الفاقعة في الذاكرة، والإنسان الذي كنت تؤجل محبته إلى الغد يصبح فجأة مستحقاً لكل هذا اليوم. الحرب لا تجمل القبح، بل ترفع الغطاء عن جمال كنا نعبر بمحاذاته دون أن نراه.
في الضفة الشخصية كان هناك شيء آخر يحدث ولم أنتبه إليه إلا متأخرة؛ كنت أتغير. إذ في البداية كنت فتاة تنظف وتطبخ وتسقي الحديقة وتبدو بشوشة طوال الوقت وهي تخدم أهلها، ثم بدأ تحول بطيء يفصل بيني وبين النسخة التي كنت أعرفها عن نفسي؛ إذ لم أحتج إلى نظرة ثانية نحو طفل مشاغب كي يهدأ. وبدأ أبناء عمومتي يصغون إلي دون مقاطعة، بينما تغيرت طريقة مخاطبة عماتي لي؛ تكللت بالجدية والتقدير والمديح المغالي. لم أرفع صوتي ولم أطلب السلطة من أحد، ومع ذلك كانت تتكون حولي تلك الهيبة الغامضة التي لا يمنحها العمر، بل كان المنزل بطريقة خفية يرقيني؛ إنها سلطة معرفة الأشياء أين تكون.
بدأت نظرتي إلى نفسي تزداد رسوخاً كلما انتهى يوم ووجدت أنني استطعت حمله. للمرة الأولى لم تأت ثقتي من مرآة ولا من مديح؛ جاءت من خمسين صحناً غسلته، ومن مائدة امتلأت بعدما كانت المؤن قليلة، ومن بيت استيقظ فوجد يومه قد بدأ قبل أن يفتح عينيه.
هناك فقط تذوقت لذة لم أكن أعرف اسمها بعد: لذة الاقتدار. لقد احتجت إلى سنوات طويلة كي أفهم أن ذلك الشعور القديم في عانة والذي يقع في قلب السؤال الذي شغل ميلان كونديرا في “كائن لا تحتمل خفته”. يستعيد كونديرا المفاضلة القديمة التي وضعت الخفة في جهة الخير والثقل في جهة الشر، ثم يقلب السؤال: هل الثقل شر حقاً؟ ماذا لو كان ما يثقلنا هو نفسه ما يمنح وجودنا وزنه؟
فالحمل يسحق صاحبه أحياناً، لكنه في أحيان أخرى يثبت أقدامنا على الأرض.
وربما لهذا تبدو بعض الحيوات المترفة، التي نجحت في التخلص من كل ضرورة، مثقلة بفراغ لا تفسير له. نحن نفترض أن السعادة تبدأ حين ينتهي الواجب، ثم نكتشف أن الإنسان لا يتعب فقط مما يفعله؛ قد يتعب أيضاً من ألا يكون مطلوب منه شيء.
عرف فيكتور فرانكل هذه المفارقة في أقسى مكان يمكن أن تختبر فيه فكرة عن معنى الحياة: معسكرات الاعتقال النازية. لم يقل إن الألم جميل، ولا إن العذاب يصنع السعادة؛ كان قوله أشد قسوة وذكاء: الإنسان يستطيع احتمال قدر هائل من المعاناة حين يبقى في مستقبله معنى يتجه إليه، مثل عمل لم ينجزه أو شخص يحبه؛ أي مسؤولية لم تنته بعد.
أما ميهالي تشيكسينتميهالي، فقد وصل من طريق مختلف إلى مفارقة قريبة حين صاغ مفهوم «التدفق»: تلك الحالة التي ننغمس فيها تماماً في عمل صعب يطالب مهاراتنا بأقصاها، حتى يضيق وعينا بالوقت وبأنفسنا. ذروة المتعة وفقاً لهذا التصور لا تقع دائماً على الأريكة؛ قد تقع ونحن مشغولون إلى الحد الذي لا نجد فيه وقتاً لنسأل إن كنا سعداء.
لم تكن الصحون تسعدني في عانة. ولم يكن التعب ممتعاً. الذي أسعدني أنني كنت كلما انتهيت من شيء، أتلقى دليلاً جديداً على نفسي بأني ببساطة أستطيع. ربما كانت تلك أعظم كلمة اكتشفتها في الخامسة عشرة. فالمديح يقول لك من تكون في عيون الآخرين، والجمال يمنحك امتيازاً لم تصنعه، لكن القدرة تمنحك برهاناً لا يستطيع أحد أن يسحبه منك. لقد رأيت نفسك تفعل ما ظننت أنك لا تعرف فعله، ومنذ تلك اللحظة يصبح الرجوع إلى النسخة القديمة منك مستحيلاً.
بعد ثلاثة وعشرين عاماً، لا أحن إلى الحرب. أحن إلى ذلك البيت قبل أن يستيقظ، إلى الماء في الحديقة عند الفجر، إلى بخار الشاي، إلى صحن الفافون، إلى عماتي وهن يتلون القرآن بصوت خفيض فجراً، وإلى فتاة صغيرة لم تكن تعرف أنها وهي تحمل أعباء بيت كامل، كانت تحمل نفسها للمرة الأولى. ومنذ عانة لم تعد تثق بالخفة.
قد يستيقظ أحدهم صباحاً متخففاً تماماً من أي حمل، حراً من كل واجب، لا ينتظره أحد ولا يحتاج إليه شيء، ثم يكتشف متأخراً أن بعض ما كان يسميه عبئاً لم يكن موضوعاً فوق كتفيه؛ بل كان هو كتفيه!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *