كاتس “حافظ مش فاهم”… ودولته تقيّد حكومة عون وتطلق العنان لـ”حزب الله”


وجه وزير الدفاع إسرائيل كاتس رسالة شديدة وقاسية في هذا الأسبوع. فأثناء زيارته الأربعاء لقرى الخط الأمامي في لبنان، هدد: “لن ننسحب من المناطق الأمنية. إذا انضم حزب الله لإيران في هجوم على إسرائيل فسيحصل على ضربة قوية وسيخسر المزيد من الأراضي في جنوب لبنان، في منطقة النبطية ومنطقة الليطاني، التي ستصبح جزءاً من المنطقة الأمنية الدائمة لإسرائيل، والجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ هذه العملية. سنطرد كل السكان الشيعة حتى خط نهر الأولي والزهراني نحو الشمال، من أجل التمكين من توجيه ضربة قوية للبنية التحتية للإرهاب في المنطقة وإزالة خطر المسيرات عن مستوطنات الشمال. وسيتم إخلاء الضاحية الجنوبية في بيروت وضرب البنية التحتية للإرهاب هناك. وسيصبح أكثر من مليون شيعي نازحين في لبنان”.

كان المشهد متقناً والنظرة ثاقبة، القميص أسود والسترة مغلقة الأزرار بإحكام، في جهة سيارة مدرعة وفي أخرى كومة أنقاض. هكذا ستظهر خارطة أرض إسرائيل الكاملة مع ضفتي الزهراني ومليون نازح لبناني. صحيح أن هذا العدد أقل من مليوني نازح في غزة، لكن المستقبل ما زال أمامنا. من المؤسف أن هذه الرؤية المزيفة لم تمر من تحت يد مخرج لمراجعتها كما يجب. فالإلقاء الرتيب الذي يخلو من النبرة، وجمود اليدين، تذكر بصورة الطالب الذي حفظ النص للتو. فكاتس يحفظ هذا النص عن ظهر قلب.

لقد أسمعه في حزيران عندما تعهد وقال إن “الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من لبنان حتى لو طلبت الولايات المتحدة ذلك”. وكرره في آب. ولكن واشنطن تراجعت عن المشاركة في المفاوضات، وأوضح مسؤول رفيع المستوى فيها إن “الولايات المتحدة تتوقع من كل الأطراف الالتزام باتفاق الإطار الذي وافقت عليه. وأوضحت إسرائيل بشكل قاطع أن ليس لها أي بطموحات إقليمية في لبنان… إن الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم في جنوب لبنان يتعارض مع الالتزامات المذكورة في اتفاق الإطار، ويتنافى مع السلام والأمن بعيد المدى للدولتين”. إن خارطة إسرائيل الجديدة –التي رسمها كاتس بدعم رئيس الحكومة– لا تتعارض فقط مع الاتفاقيات التي وقعت عليها إسرائيل وروجتها الولايات المتحدة، بل تؤدي إلى حالة حرب دائمة. يبدو أن البيت الأبيض سئم من الرد على كل تصريح انتخابي يصدر عن وزراء إسرائيل، لكن عندما لا تكون هذه التصريحات منفصلة عن حملة الانتخابات، يصبح الرد الأمريكي ضرورياً، رد يذكر بسياسة ترامب.

في لبنان.. تحلق شكوك حول عقد هذه الجولة، حيث يعتقد أن ترامب سيفضل تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات بسبب عدم توقع أي تقدم حقيقي

جاءت تهديدات كاتس في وقت كان من المقرر فيه عقد جولة أخرى من المحادثات العسكرية بين إسرائيل ولبنان الثلاثاء في مقر القيادة المركزية الأمريكية (السنتكوم) في تامبا في فلوريدا. وقد يكون الهدف منها إظهار الفرق الكبير بين موقف الحكومة ونواياها في التوصل إلى اتفاق مع لبنان في المستقبل القريب. وفي لبنان، تحلق شكوك حول عقد هذه الجولة، حيث يعتقد أن ترامب سيفضل تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات بسبب عدم توقع أي تقدم حقيقي. بهذه الطريقة، يمكنه الحفاظ على مظهر التحرك الدبلوماسي، لأن فشل جولة المحادثات قد يصب في مصلحة حزب الله وإيران.

النتيجة أن وجود المحادثات، وليس التخطيط لها، أصبح شركاً دبلوماسياً، حيث يملي التوتر مع إيران وتيرة التقدم. مع ذلك، لا تقف إيران مكتوفة الأيدي في انتظار التطورات الدبلوماسية. ففي اليوم الذي أرسل فيه كاتس رسائله في جنوب لبنان، تحدث الرئيس اللبناني جوزيف عون مع وزير خارجية إيران عباس عراقجي. وصل نائب عراقجي، سعيد خطيب زادة، إلى بيروت على رأس وفد إيراني، والتقى ممثلين عن حركة أمل وحزب الله.

لا تربط عون وعراقجي علاقة ودية. ورغم أن البيان الرسمي الذي صدر عقب اللقاء، ذكر أن الطرفين اتفقا على أن الحل لا يتحقق إلا بالجهود الدبلوماسية، وأن إيران تشدد على ضرورة وقف إسرائيل لهجماتها ومطالبتها بالانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها في لبنان، لكن الخلاف بينهما عميق؛ فإيران لا تكتفي برفض إعادة سفيرها الذي أعلن أنه شخص غير مرغوب فيه، وتصمم على بقائه في منصبه حتى انتهاء ولايته، بل تسعى الآن إلى إعادة تأكيد موقفها كجهة تعنى باحتياجات الشعب اللبناني، خاصة في جنوب لبنان.

التقرير الذي يفيد بأن إيران حولت 200 مليون دولار لحزب الله حتى يفي بالتزاماته بتعويض السكان المتضررين من الحرب، يضع حكومة لبنان في موقف حرج. لم تكتف الحكومة بالتعهد في منع دخول الأموال المخصصة للحزب، ومنع البنوك في لبنان لسنوات كثيرة من فتح حسابات للحزب وأعضائه، بل لا يعرف كيف دخلت هذه الأموال إلى الدولة أصلاً.

يبدو هذا تفصيلاً بسيطاً، حيث يمتلك حزب الله شبكات لتهريب الأموال واسعة تحصل على عمولات باهظة تتراوح بين 10 و20 في المئة، ولا يحتاج إلى خدمات البنوك اللبنانية على الإطلاق. مع ذلك، تحويل أموال بهذا الحجم، حتى لو أقل من المليار دولار حصل عليها الحزب من إيران في 2025، يجبر حكومة لبنان على تقديم توضيح للإدارة الأمريكية. والأسوأ أن الشيخ علي دعموش، رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، الهيئة الإدارية الأعلى التي تعمل حسب معايير حكومة موازية، ظهر وقدم للجمهور تقريراً عن خطة التعويضات والمساعدات للمدنيين المتضررين.

وحسب المواصفات التي قدمها دعموش، فإنه من حق أي عائلة تدمّر بيتها ولا تملك بديلاً، الحصول على ما يبلغ 14 ألف دولار في بيروت، وما يبلغ 12 ألف دولار في مناطق أخرى. يخصص من هذا المبلغ 8 آلاف دولار للأثاث، والباقي للإيجار. وسيتم تحويل الأموال على دفعات كل ثلاثة أشهر. وسيقوم الحزب بإعداد قائمة مفصلة بأسماء المحتاجين وحجم الأضرار التي لحقت بهم. وبناء على ذلك، سيتم صرف التعويضات. خلال السنتين الأخيرتين، واجه حزب الله صعوبة في تمويل نظام التعويضات والسكن البديل، وتعرض لانتقادات شعبية من سكان القرى في جنوب لبنان ومن سكان الضاحية. الآن، سيتمكن الحزب من التظاهر بالوفاء بوعوده والتنافس بشكل أساسي مع حكومة لبنان على رعاية المدنيين والاهتمام بهم.

واجه حزب الله صعوبة في تمويل نظام التعويضات والسكن البديل

يعتبر هذا الأمر مهماً جداً في النضال من أجل شرعية الحزب، ومن ثم في حملة نزع سلاحه. من جهة أخرى، تواجه حكومة لبنان صعوبة البدء في أعمال إعادة التأهيل أو تعويض السكان. وقد خصص صندوق الطوارئ الذي أقامه البنك الدولي لمساعدة لبنان مليار دولار لهذا الغرض، لكن لم يجمع فيه حتى الآن إلا 250 مليون دولار، في حين ينتظر المبلغ المتبقي، 750 مليون دولار، من المانحين الذين لا يلدون استعجالاً في تقديم مساعدتهم.

ولا يقل صعوبة وضع الجيش اللبناني الذي يحتاج إلى تبرعات لتمويل نشاطاته الجارية وتحسين ظروف عيش جنوده. وقد أعلنت ألمانيا هذا الأسبوع عن تحويل 5 ملايين يورو (لتحسين ظروف عيش جنود الجيش اللبناني)، إضافة إلى 5 ملايين يورو أخرى حولتها في السابق. وتواصل قطر تمويل بعض احتياجات الجيش ضمن رزمة مساعدات شاملة تبلغ 434 مليون دولار أعلنت عنها في كانون الثاني الماضي.

وتعدّ هذه الأموال أقل بكثير من طلب قائد الجيش اللبناني، اللواء رودلف هيكل، الذي يطلب مليار دولار سنوياً للتجنيد والتدريب والإعداد، كي يتمكن لبنان من الوفاء بالتزامه في مواجهة تحدي نزع سلاح حزب الله.

المأزق الذي تواجهه الحكومة له قسمان. لا تستطيع حكومة لبنان تقديم أي إنجاز سياسي أو أي تنازل لإسرائيل، وفي الوقت نفسه تتراجع شعبيتها بين مؤيديها لعجزها عن مساعدة السكان في ظل قيام حزب الله بتوزيع الأموال وتولي زمام الأمور. هنا تكمن مفارقة خطة إسرائيل؛ فهي تسعى إلى استبدال سيطرة حزب الله العسكرية بسيادة الدولة، لكنها في الوقت نفسه تصعب على الدولة إثبات تفوقها على حزب الله.

دون خطة سياسية تمكن حكومة لبنان من دخول الأراضي اللبنانية وإعادة تأهيلها، وإثبات قدرتها على رعاية مواطنيها، قد تكتشف إسرائيل أنها نجحت في توسيع نطاق سيطرتها الأمنية، لكنها تركت لإيران وحزب الله المجال المدني، ومن ثم يمكنهما إعادة بناء قوتهما. قد يكون نزع السلاح هدفاً عسكرياً، لكن تفكيك التبعية لحزب الله هو الاختبار السياسي، وإسرائيل ما زالت عاجزة عن تقديم إجابة عليه.

تسفي برئيل

هآرتس 16/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *