طلبة فلسطينيون قرب سياج أقامه مستوطنون إسرائيليون على طريق مدرستهم في قرية أم الخير في أبريل 2026. (رويترز)
الضفة – «القدس العربي»: في خربة أم الخير، جنوب شرق الخليل، لا تبدو الحياة اليومية منفصلة عن التوتر الدائم.
هنا يعيش نحو 300 فلسطيني موزعين على 37 عائلة، في قرية صغيرة من قرى مسافر يطا، لكنها تحمل واقعا معقدا يتجاوز حجمها الجغرافي بكثير.
فبين إغلاقات الطرق، وتوسع المستوطنات، والسيطرة على الموارد الطبيعية، يجد السكان أنفسهم في مواجهة مستمرة مع ظروف يقولون إنها تهدد بقاءهم على أرضهم.ويؤكد الأهالي أن الطريق الرئيسي الذي يربط القرية بالمدارس والمراكز الحيوية في المنطقة أُغلق منذ نحو عامين، ما غيّر شكل الحياة اليومية بالكامل. فبدلا من طريق مباشر كان يُستخدم بشكل اعتيادي، بات السكان يعتمدون على مسارات بديلة أطول وأكثر صعوبة، تمر أحيانا بالقرب من مناطق استيطانية أو تخضع لقيود عسكرية، ما يجعل التنقل عملية غير مستقرة ترتبط بالوقت والظروف الميدانية.
ويقول السكان إن هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الطلبة، الذين أصبحوا يواجهون صعوبة يومية في الوصول إلى مدارسهم. ففي بعض الأيام، يتمكن الأطفال من الذهاب إلى المدرسة بعد جهد طويل ومخاطرة في الطريق، وفي أيام أخرى يضطرون للتغيب بسبب الإغلاقات أو الخوف أو صعوبة المرور.
ومع مرور الوقت، لم يعد الوصول إلى المدرسة أمرا بديهيا، بل تحول إلى تحد يومي يرافق الأطفال منذ لحظة خروجهم من المنزل حتى وصولهم إلى الصفوف الدراسية.
وفي حديث مع «القدس العربي» يقول الطفل عيد من قرية أم الخير: «أتمنى أن يُفتح الطريق من جديد، لأنه مغلق منذ سنتين، وهو طريقنا إلى المدرسة، أنا وأصدقائي نعاني كل يوم حتى نصل إلى مدرستنا، ونذهب أحيانا بخوف وتعب».
ويضيف «نحن مثل باقي أطفال العالم، من حقنا أن نتعلم بأمان وأن نصل إلى المدرسة بسهولة. لذلك نطالب كل جهة تستطيع مساعدتنا بأن تعمل على فتح الطريق حتى نستطيع الذهاب إلى المدرسة دون خوف أو معاناة. أنا وأصدقائي نحب المدرسة والتعلم والقراءة، ونريد أن نستمر بالدراسة مثل كل الأطفال، التعليم حق لنا، ومن حقنا أن يكون لدينا طريق آمن إلى المدرسة».
وتعكس هذه الشهادة جانبا واحدا من واقع أوسع تعيشه القرية، حيث لا تقتصر التحديات على التعليم فقط، بل تمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية. فقرية أم الخير، حسب سكانها، تواجه نقصا في الخدمات الأساسية، وضعفا في البنية التحتية، إضافة إلى صعوبات في الوصول إلى المياه والكهرباء بشكل مستقر، وهو ما يزيد من تعقيد الحياة داخل القرية.
ويقول أهالي القرية إن الاعتماد الأساسي في القرية ما زال على الزراعة وتربية المواشي، إلا أن هذا القطاع الحيوي تعرض لتراجع كبير خلال السنوات الأخيرة. فالمراعي المحيطة بالقرية باتت تحت سيطرة المستوطنين الرعويين، ما منع الأهالي من الوصول إليها كما كان في السابق، وأثر بشكل مباشر على قدرتهم على تربية الأغنام بشكل طبيعي.
ويضيف السكان أن آبار المياه وتجميعاتها أصبحت خارج نطاق الاستخدام الحر، ما زاد من صعوبة توفير المياه للثروة الحيوانية، وأدى إلى أعباء إضافية على العائلات التي تعتمد على هذا القطاع مصدرا رئيسيا للدخل. ونتيجة لذلك، باتت الأغنام تبقى داخل الحضائر لفترات طويلة تمتد طوال العام تقريبا، وهو ما تسبب بخسائر اقتصادية واضحة، وانعكس على الوضع المعيشي للأهالي بشكل عام.
في هذا السياق، قال إبراهيم الهذالين، رئيس المجلس القروي لقرية أم الخير، إن هذه القرية الفلسطينية، التي تقع جنوب شرق الخليل، وتُعد بوابة قرى مسافر يطا والقرى البدوية في المنطقة، تبلغ مساحة أراضيها حوالي 2000 دونم، وهي أراض خاصة تقع ضمن الحدود الهيكلية للقرية.
وأضاف لـ»القدس العربي»: «يعتمد السكان بشكل أساسي على تربية المواشي والزراعة مصدرا للدخل والحياة، إلا أن من أبرز الصعوبات التي نواجهها اليوم هي سيطرة المستوطنين الرعويين على جميع المراعي المحيطة بالقرية، إضافة إلى السيطرة على آبار وتجميعات المياه، حيث أصبح الوصول إليها أو استخدامها شبه ممنوع كما كان في السابق»..
هذا الواقع تسبب بخسائر كبيرة للسكان، خاصة أن الثروة الحيوانية تُعد المصدر الأساسي لدخل العائلات. اليوم تبقى الأغنام داخل الحظائر طوال العام تقريبا بسبب منع الرعي، ما أدى إلى أعباء اقتصادية كبيرة على الأهالي الذين يعيشون أوضاعا صعبة جدا.
أما فيما يتعلق بالتهجير، فهو يتمثل بعدة سياسات وإجراءات، أبرزها سياسة الهدم الممنهجة ضد خربة أم الخير، إذ إن جميع منازل القرية مهددة بالهدم في أي لحظة، مع محاولات مستمرة لهدم المساكن وحرمان السكان من حقهم في السكن والاستقرار.
كما يُستهدف المزارعون والثروة الحيوانية والزراعة بشكل مباشر، إلى جانب قطع الخدمات الأساسية عن القرية، في إطار سياسات تضييق متواصلة.
والهدف من كل هذه الإجراءات واضح، وهو الوصول إلى ما يُسمى بالتهجير الصامت، أي دفع السكان إلى مغادرة أراضيهم بشكل تدريجي ومن دون إعلان مباشر.
والتهجير القسري بحق السكان مستمر منذ عام 1981، منذ بداية إقامة المستوطنات في المنطقة، وحتى اليوم، حيث يتعرض السكان لمضايقات مستمرة في تفاصيل حياتهم اليومية، سواء في الخدمات أو الأنشطة أو أي مقومات تساعدهم على البقاء والصمود في أرضهم، فالهدف واضح من هذه الممارسات، وهو دفع السكان إلى مغادرة أراضيهم قسرا».
وحسب الأهالي، فإن هذه السياسات لم تأت بشكل مفاجئ، بل هي نتيجة تراكم طويل من الإجراءات التي طالت الأرض والسكان والموارد، ما خلق واقعا يوميا يزداد صعوبة مع مرور الوقت. ومع ذلك، يؤكد السكان أنهم رغم كل الظروف ما زالوا متمسكين بالبقاء في قريتهم، ويرفضون فكرة الرحيل عنها.
وأم الخير واحدة من قرى مسافر يطا التي تعيش بين ضغط الواقع وصعوبة الظروف، حيث تختصر تفاصيلها الصغيرة مشهدا أكبر من المعاناة اليومية: طفل يحاول الوصول إلى مدرسته، ومزارع يحاول الحفاظ على مصدر رزقه، وعائلة تحاول البقاء في مكان تعده جزءا من هويتها ووجودها.