نواكشوط –«القدس العربي»: عاد الجدل حول حدود الحصانة البرلمانية وصلاحيات المؤسسة التشريعية في موريتانيا إلى الواجهة، بعد قرار الجمعية الوطنية طرد النائبتين المعارضتين مريم الشيخ وقامو عاشور، من جلساتها حتى نهاية الدورة البرلمانية، وذلك على خلفية احتجاجهما داخل قاعة البرلمان.
وبينما اعتبرت الأغلبية القرار إجراءً تأديبياً يفرضه النظام الداخلي للمجلس، رأت أحزاب المعارضة أنه يفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، ويشكل سابقة تثير تساؤلات بشأن مدى توافق العقوبات البرلمانية مع الضمانات الدستورية الممنوحة للنواب المنتخبين، فاتحاً بذلك فصلاً جديداً من السجال السياسي والقانوني حول إدارة الخلافات داخل المؤسسة التشريعية.
ولم تعد الأزمة داخل البرلمان الموريتاني مجرد خلاف حول مقعدين برلمانيين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لحدود العلاقة بين المؤسسات الدستورية، ولطريقة إدارة السلطة للخلافات السياسية والقانونية.
وبينما اعتبرت رئاسة الجمعية الوطنية أن العقوبة التأديبية جاءت لحماية هيبة المؤسسة، رأت المعارضة أن القرار يعمق أزمة الشرعية الإجرائية، ويعيد إلى الواجهة الجدل حول احترام قرارات المجلس الدستوري والفصل بين السلطات.
وقرر رئيس الجمعية الوطنية، محمد بمب مكت، معاقبة النائبتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور سالم، بعقوبة التوبيخ مع الطرد المؤقت، مبرراً القرار بما وصفه بـ»جسامة الوقائع وما ترتب عليها من مساس بحرمة المؤسسة البرلمانية وهيبتها وحسن سير عملها». وجاء القرار استناداً إلى أحكام الدستور والنظام الداخلي للجمعية الوطنية، ولا سيما المواد 19 و75 و80 و81 و82 و84، إضافة إلى محضر إثبات الوقائع المؤرخ في 16 تموز/يوليو الجاري.
ويقضي القرار بمنع النائبتين من المشاركة في أعمال البرلمان لمدة عشرين يوماً من أيام الدورات البرلمانية، على أن تتضاعف مدة العقوبة في حال تكرار المخالفة أو رفض تنفيذ أوامر رئيس البرلمان، وصولاً إلى إمكانية الإبعاد لمدة أربعة أشهر إذا رفض النائب مغادرة مبنى البرلمان.
كما كلف القرار السلطات الإدارية والأمنية التابعة للجمعية الوطنية بتنفيذ العقوبة فور الإعلان عنها. ردت المعارضة بسرعة على القرار، حيث انسحب جميع نوابها من الجلسة البرلمانية، معتبرين أن الإجراءات المتخذة تجاه النائبتين تخالف المساطر القانونية وتتجاهل قرار المجلس الدستوري.
وفي تصعيد جديد للأزمة، أصدرت الفرق والكتل البرلمانية المعارضة بيانًا مشتركًا عبّرت فيه عن «استغرابها الشديد واستنكارها البالغ» للقرار الصادر عن رئاسة الجمعية الوطنية القاضي بإقصاء النائبتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور سالم مؤقتًا، معتبرة أن العقوبة تكشف عن تناقض قانوني ودستوري داخل المؤسسة التشريعية. ورأت المعارضة أن إخضاع النائبتين لعقوبة تأديبية برلمانية يمثل، في حد ذاته، اعترافًا من رئاسة البرلمان باستمرار تمتعهما بالصفة النيابية، إذ لا يمكن – بحسب البيان – معاقبة شخص تأديبيًا داخل البرلمان ما لم يكن عضوًا فيه، وهو ما ينسجم مع قرار المجلس الدستوري الذي أبقى على عضويتهما إلى حين استكمال المسار القضائي.
وأشار البيان إلى أن الرأي العام تابع خلال الأيام الماضية منع النائبتين من دخول مبنى البرلمان بواسطة قوات الأمن، ثم إخراجهما بالقوة بعد اعتصامهما داخله، قبل أن تصدر بحقهما لاحقًا عقوبة تأديبية بسبب وجودهما داخل المؤسسة نفسها، وهو ما وصفته المعارضة بأنه «مفارقة قانونية وسياسية غير مسبوقة» تعكس، بحسب تعبيرها، محاولة للالتفاف على قرار المجلس الدستوري وإفراغه من مضمونه.
العقوبة تشعل الجدل والمعارضة تتحدث عن تناقض دستوري وقانوني
واعتبرت الفرق والكتل البرلمانية المعارضة أن أخطر ما في القرار لا يتمثل في العقوبة التأديبية ذاتها، إنما فيما وصفته بتكريس سابقة تسمح عمليًا بتجاهل قرارات المجلس الدستوري وتعطيل آثارها، محذرة من أن ذلك يهدد مكانة القضاء الدستوري ويضعف مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون.
وأعلنت المعارضة رفضها القاطع للقرار، واعتبرته «باطلًا قانونيًا وسياسيًا ومخالفًا لروح الدستور»، محمّلة النظام وأغلبيته المسؤولية الكاملة عن الأزمة الدستورية والمؤسسية، كما طالبت بالتنفيذ الفوري والكامل لقرار المجلس الدستوري وتمكين النائبتين من ممارسة مهامهما البرلمانية، داعية مختلف القوى السياسية والحقوقية والمدنية إلى الاصطفاف دفاعًا عن الدستور وسيادة القانون.
ويحمل البيان أهمية سياسية لكونه صدر باسم أبرز مكونات المعارضة البرلمانية، وهي الفريق البرلماني لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في الجمعية الوطنية، والفريق البرلماني لتحالف أمل موريتانيا، إضافة إلى الكتلة البرلمانية لحزب الصواب ذي التوجه القومي، وكتلة العيش المشترك التي تضم نوابًا يمثلون تيارات سياسية تدافع عن قضايا المساواة والعدالة الاجتماعية.
ويعكس توقيع هذه المكونات مجتمعة اتساع دائرة الرفض البرلماني للإجراءات المتخذة بحق النائبتين، وتحول القضية من خلاف إجرائي إلى ملف سياسي ودستوري تتبناه مختلف أطياف المعارضة داخل البرلمان.
خلفية الأزمة
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من قرار المجلس الدستوري الذي أكد عدم إمكانية إعلان شغور مقعدي النائبتين، باعتبار أن الحكم الصادر بحقهما من الغرفة الجزائية بمحكمة الاستئناف ما يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا، وهو ما يعني قانونياً استمرار احتفاظهما بصفتهما البرلمانية إلى حين استنفاد جميع درجات التقاضي.
ورغم هذا القرار، منعت قوات الأمن النائبتين من دخول البرلمان، قبل أن تتمكنا لاحقاً من دخوله والدخول في اعتصام داخل مباني الجمعية الوطنية، انتهى بإخراجهما بالقوة من قبل عناصر الحرس الوطني، لتتطور الأزمة لاحقاً إلى إصدار عقوبة الطرد المؤقت.
وتكشف هذه القضية عن تداخل ثلاثة مسارات متوازية، هي: المسار القضائي المرتبط باستمرار الطعون أمام المحكمة العليا، والمسار الدستوري الذي أبقى على عضوية النائبتين داخل البرلمان، والمسار البرلماني الذي انتهى بفرض عقوبات تأديبية ومنعهما عملياً من ممارسة مهامهما.
وبسبب هذا التداخل، أصبحت الأزمة تتجاوز بعدها الإجرائي لتتحول إلى نقاش أوسع حول حدود صلاحيات كل مؤسسة، وآليات تنفيذ الأحكام القضائية، ومدى إلزامية قرارات المجلس الدستوري بالنسبة لبقية السلطات.
اتجاه نحو التصعيد
وبين تمسك رئاسة البرلمان بحماية هيبة المؤسسة، وإصرار المعارضة على أن الإجراءات تمثل تجاوزاً للمساطر الدستورية، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، خاصة إذا انتقلت المواجهة من قاعة البرلمان إلى ساحات القضاء والرأي العام.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأكثر حضوراً هو: هل تنجح المؤسسات الموريتانية في احتواء الخلاف ضمن الأطر القانونية، أم أن القضية ستتحول إلى محطة جديدة في الجدل حول توازن السلطات ومستقبل الممارسة الديمقراطية في البلاد؟