قرارات وزير التربية الجزائري بتأخير الفرنسية ومراجعة الفلسفة تواصل إشعال الجدل.. ودعوات سياسية للرئيس تبون بالتدخل


الجزائر ـ “القدس العربي”: على بعد أسابيع من الدخول المدرسي في الجزائر، يحتدم الجدل السياسي بقوة حول الإصلاحات التي أعلن عنها وزير التربية محمد الصغير سعداوي حول المنهاج التربوي، خاصة ما تعلق بتأخير تدريس الفرنسية وحذف الفلسفة من امتحانات البكالوريا في بعض الشعب العلمية.

وفي تطورات هذا السجال، دعت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون الرئيس عبد المجيد تبون إلى تأجيل مشروع إصلاح المنظومة التربوية وفتح نقاش وطني واسع حوله، بمشاركة المختصين والخبراء في التربية والبيداغوجيا واللغات، مشيرة إلى أن الجدل الذي أثارته التغييرات المقترحة كشف عن وجود رصيد كبير من الكفاءات الوطنية القادرة على المساهمة في بناء مدرسة تستجيب للمعايير العلمية وتوازن بين الهوية الوطنية والانفتاح على العالم.

وقالت حنون وهي شخصية يسارية ترفض طروحات المحافظين وتدافع منذ عقود عن “مدرسة تقدمية”، خلال اجتماع لحزبها، إن النقاش الدائر حول المدرسة الجزائرية لا ينبغي أن يبقى محصورا في مواقع التواصل الاجتماعي، داعية إلى اتخاذ قرار سياسي يسمح بفتح وسائل الإعلام العمومية والخاصة أمام مختلف الآراء، حتى يتمكن الرأي العام من الاطلاع على الحجج المتعارضة والاستماع إلى المختصين بدل اختزال القضية في سجالات سياسية وإيديولوجية.

وانتقدت الأمينة العامة لحزب العمال ما اعتبرته محاولة لإخضاع الإصلاحات التربوية لخلفيات “إيديولوجية ودوغمائية”، مؤكدة أن قضية المدرسة تتجاوز الحسابات السياسية الظرفية، لأنها ترتبط بتكوين الأجيال المقبلة وبمستقبل البلاد. وفي هذا السياق، دافعت بشكل خاص عن مادة الفلسفة، معتبرة أنها ليست مادة تخص شعبة الآداب وحدها، وإنما أداة أساسية في تكوين العقل النقدي لدى التلميذ، كما دعت إلى معالجة ملف اللغات الوطنية والأجنبية بمنطق التكامل وليس بمنطق الصراع والمفاضلة.

ودخلت حنون مباشرة على خط السجال الذي طاول الباحث في البيداغوجيا أحمد تيسة الذي يدافع عن إبقاء الفرنسية في التعليم، معلنة تضامنها معه بعد الانتقادات التي تعرض لها بسبب مواقفه من الإصلاحات المقترحة. واعتبرت أن الاختلاف حول القضايا التربوية يجب أن يدار بالحجة العلمية والمناظرة، لا بالتجريح والقذف، مشددة على أن من يمتلك الأدلة العلمية لا يخشى النقاش.

ويأتي دفاع حنون عن تيسة في وقت اختار فيه الباحث نفسه المواجهة والرد على الانتقادات التي وجهت إليه، إذ نشر رسالة مفتوحة موجهة إلى الوزيرين السابقين الهاشمي جعبوب ومحمد بن بن أشنهو اللذين هاجماه بقوة، ردا على ما وصفه باتهامات وأكاذيب صدرت عنهما في سياق الجدل حول مواقفه من اللغة العربية والدين واللغة الفرنسية والإصلاح التربوي.

وفي رسالته، رفض تيسة اتهامه بأنه معاد للغة العربية أو للدين الإسلامي، متحديا منتقديه، بحسب تعبيره، بأن يقدموا أي نص من كتاباته، التي قال إنها تعود إلى سنة 1989، يثبت أنه أساء إلى هذين المكونين من مكونات الهوية الجزائرية. وقال إن انتقاده لجودة تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية لا يعني رفضهما، بل هو، في نظره، جزء من واجبه كباحث في التربية من أجل التنبيه إلى الاختلالات ومحاولة تصحيحها.

ويؤكد تيسة وهو صاحب كتاب “استحالة استئصال الفرنسية” أنه تطبيق المعايير العلمية والبيداغوجية على تعليم العربية، لا يمكن أن يفسر باعتبارها عداء للغة العربية. ويقول إن تحسين جودة التعليم هو في حد ذاته خدمة للغة وللمدرسة، رافضا تحويل النقاش حول المناهج إلى اختبار للولاء الوطني أو الديني.

أما الاتهام الثاني الذي رد عليه بقوة، فيتعلق بما وصفه بتقديمه باعتباره “مواليا لفرنسا”. وفي هذا الصدد، قال تيسة إنه لم يزر فرنسا منذ سنة 1986، وإنه لم يطلب منها تأشيرة، مضيفا أنه حتى الجائزة التي منحت له في باريس لم يذهب لتسلمها. كما رفض احتكار مفهوم الوطنية، مستشهدا بتاريخ عائلته خلال الثورة التحريرية، والتي ضحت حسبه خمسة أعمام استشهدوا في مواجهة الجيش الاستعماري.

وفي الوقت نفسه، اعتبر أن استعمال اللغة الفرنسية لا يمكن أن يكون دليلا على العمالة، مستشهدا بالوزيرين السابقين نفسيهما، اللذين وصفهما بأنهما فرنكوفونيان متمكنان من اللغة، معتبرا أن إتقان لغة أجنبية لا ينبغي أن يتحول إلى تهمة سياسية.

ولم يخف تيسة غضبه من طبيعة الحملة التي يقول إنه تعرض لها، محذرا من أن الانتقادات التي تستهدف الشخص بدلا من الأفكار يمكن أن تتطور إلى تهديدات وتحريض على العنف، خصوصا عندما تتكرر الاتهامات المرتبطة بالخيانة والعمالة والعداء للجزائر. وانتهى إلى توجيه دعوة مباشرة إلى جعبوب وبن أشنهو للظهور في برنامج تلفزيوني وإجراء مناظرة ثلاثية حول المدرسة الجزائرية، معتبرا أن النقاش يمكن أن يجري بين أشخاص راشدين وهادئين يحتكمون إلى الحجة.

وكان منتقدو تيسة قد رفضوا تصريحاته الأخيرة التي اعتبروا أنها تتجاهل البعد السيادي في رسم السياسة اللغوية والتربوية للدولة. وكان الهاشمي جعبوب الوزير السابق ذي التوجه الإسلامي، قد هاجم بشدة مواقف تيسة، مستحضرا كتابه الصادر سنة 2016 حول استحالة استئصال تعليم الفرنسية في الجزائر، إضافة إلى تكريمه في فرنسا، ليرى في ذلك امتدادا لموقف يدافع عن استمرار المكانة المميزة للفرنسية داخل المدرسة الجزائرية.

ومن هذه الزاوية، ينظر المدافعون عن التوجه الجديد بتقديم الإنكليزية في المرحلة الابتدائية وتأخير الفرنسية، باعتباره جزءا من إعادة ترتيب السياسة اللغوية الوطنية، وليس مجرد تعديل تقني في البرامج. فالإنكليزية، بالنسبة إلى أصحاب هذا الطرح، تفتح على لغة دولية واسعة الحضور في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، بينما لم تعد الفرنسية، رغم استمرار استعمالها الواسع في قطاعات ومؤسسات وتخصصات جامعية، تحظى بالمكانة نفسها التي كانت تتمتع بها في المدرسة الجزائرية.

في المقابل، يرى المدافعون عن الإبقاء على حضور قوي للفرنسية أن الانتقال من لغة إلى أخرى لا يمكن أن يتم بمجرد قرار إداري، وأن الجزائر مطالبة بالحفاظ على التعدد اللغوي والاستفادة من كل اللغات المتاحة أمام تلاميذها وطلبتها. كما يحذر هؤلاء من أن إضعاف الفرنسية قبل توفير بديل قوي ومستقر قد ينعكس على التكوين الجامعي، خصوصا في عدد من التخصصات العلمية والتقنية التي ما تزال تستخدم الفرنسية على نطاق واسع.

أما الخلاف حول الفلسفة، فقد اتخذ بدوره بعدا أوسع من مسألة تنظيم امتحان البكالوريا. فأنصارها يرون أن حضورها في التعليم الثانوي يرتبط بتكوين القدرة على التحليل والمناقشة والاستدلال، بينما تعتبر الجهات المدافعة عن إعادة تنظيم البرامج أن مراجعة المواد والأحجام الساعية والامتحانات تدخل ضمن عملية إصلاح أوسع، ولا ينبغي تفسير كل تعديل باعتباره استهدافا لمادة خاصة أن الفلسفة حذفت فقط من السنة الثالثة ثانوي لبعض الشعب، لكنها تظل مادة رئيسية في كامل الطور الثانوي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *