كيف يمكننا أن نعدّ مصطلح «الأقلمة السردية» Narrative Adaptation- الذي أرست واضطلعت نادية هناوي في مهام دراسته العميقة، كمشروع سردي محلي وعربي- على عدة مستويات واتجاهات- كيف يمكننا ان نعدّ العمل بهذا المصطلح الجديد، في ما يتيحه مفهومه الواسع والدقيق من وقفات استعادية فاصلة وشاملة في نقدنا الأدبي المحلي، أو نسعى من خلاله أيضاً الى إعادة ترتيب لمناهجنا وآلياتنا النقدية وحتى ذائقتنا الفنية وفق محدث راهن وقطعي، في ضوء التجاور البنيوي للعلوم الإنسانية والطبيعية، سيصل بنا الى تسجيل مؤشرات الاختلال والقوة، الهبوط والصعود، المحلي والعالمي، الوافد والبيئي المؤصل.. كيف يمكننا ذلك مثلاً حينما نتصدى نقدياً لسيرورة السرد القصصي والروائي العراقي والعربي الجديد والسابق على حد سواء؟
قبلية الأقلمة وإنشائية التعثر

إن الأقلمة «النقدية» في هذا السياق الذي ألفناه في بلادنا، تبدو قبلية ـ أي ما قبل الشروع النقدي- فوقائع التحديث الثقافية عبر دخولنا العصر الحديث، لم تتخذ صيغة مستقرة ومتنامية على نحو عضوي، منتظم ومتوازٍ مع البنيات التحديثية الأخرى، وعلى خط شروع تكاملي واحد، بل تتكيف وتتكوّر باستمرار مع أصداء متغيرات عامة حديثة نتلقاها مثل صدمات فكرية مباغتة، وكلما استنفدت تلك المتغيرات في اختبارها العملي، وتغدو اعتباطاً في مسار التاريخ، أو هدراً عابثاً في وقت المجتمع فتحل محلها أخرى مساوية لها في الهجنة والتكرار.
هنا يدخل المشهد النقدي في إنشائية تكوّر جديدة متعثرة، وبدلاً من أن يبدأ التمثيل النقدي أولى محصلاته الحيوية في فضائه المرجعي الحقيقي ـ المجتمع شبه التحولي بوصفه قاعدة انطلاق السرد كما حدث بشكل عفوي في العشرينيات، وحتى الخمسينيات من القرن الماضي، من خلال مطابع السراي «شارع المتنبي» – نجد أن طبخاته اللاحقة، تجري على نار متعسفة الإيقاد داخل الحجرات الحكومية، ويُختطف في مهاده من خلال تنظيم تداول الوافد الثقافي وتقنينه أيديولوجياً.
توجه مؤسسة وانشطار نقد
على سبيل المثال، في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، شعرت المؤسسة السلطوية بانها لم تعد بحاجة حقيقية الى الواقعية السردية؛ الاشتراكية والنقدية، كما تبنتها على نطاق واسع في السابق، فأوقفت توجهاتها الثقافية المتدفقة من الترجمات والنقل وترسيخ الأفكار الإبداعية، ما دفعها الى سد الفراغ بالانفتاح على الثقافة الفرانكفونية، التي رافقها إعداد حزمٍ من ترجمات الكتب النقدية والمعرفية والبنيوية والحوارية، وما لبث نقاد الأمس الذين يكتبون عن الكادحين والسرد الفلاحي والقصة العمالية، حتى صاروا اليوم، يتناولون بالهمة ذاتها (باشلار) جماليات الأمكنة، و»باختين والمبدأ الحواري والصوت المتعدد» و»بارت ودرجة صفر الكتابة»، مع حفظ الألقاب لهؤلاء النقاد الأجلاء بين الأمس واليوم، الذين أرادوا تطوير قدراتهم المعرفية في ذلك الخضم، مثل الناقد فاضل ثامر والمفكر ياسين النصير والشاعر والناقد عبد الرحمن طهمازي وغيرهم، ولعل تلك الظاهرة اكتملت في الثمانينيات، لكن توجهاتها المؤسسية بدأت في فترة مبكرة، قامت – مثلاً على كسر الأدبيات الماركسية بنشر وترويج المؤلفات السارترية – إذ يروي الأديب الراحل خليل المياح، شقيق الروائي الراحل جليل المياح، في حديث شخصي، بأنه حينما كان في السجن بعد منتصف الستينيات مع الشاعر فاضل العزاوي، كان السجان «العارفي» نسبة إلى حكم الأخوين عارف، يسمح لهما بقراءة كتب الوجودية «الوجود والعدم» و»الغثيان» ويمنع عنهما كتب «راس المال» و»الثامن من برومير» وسواهما، فيما أشار مرة عرضاً الشاعر الراحل سامي مهدي في كتابه «الموجة الصاخبة» إلى بعض الأدباء ومنهم العزاوي، بأنهم يدخلون السجن بتهم سياسية ماركسية في الغالب، ويخرجون منه على المذهب الوجودي.
الإطار النظري للأقلمة السردية
إن مشروع نادية هناوي السردي في هذا الاتجاه، يغدو إطاراً نظرياً لأكثر من فريق بحثي، يبدأ بإقالة العثرات الأيديولوجية، إذا لم نقل إزاحتها وكشف الطريق الحقيقي نحو إيجاد علم سرد محلي وعربي، يتناغم مع نمو البنيات العامة ويعيد تشكيلها وبناء دلالاتها وفقاً لتكيفها وتمثيلها الاجتماعي والتاريخي، وتبدو فيه هناوي مثل جوليا كرستيفا عراقية، أو عربية، تكتشف نظرية أدبية للسرد المحلي والعربي عبر التناصات والسيميائيات الجديدة المحيطة بالنصوص السردية المحلية والعربية، وترفع الستار عن عيوبها المتمأسسة، ما يتيح للباحثين مضامير انطلاق، يوفرها الإطار النظري لعمليات البحث، على سبيل المثال لو يتصدى مشروع الأقلمة السردية للتمثيل الاجتماعي في النصين القصصي والروائي العراقي منذ الستينيات وحتى 2003، لوجد أن المجتمع لا يقف بموازاة النص كفضاء مرجعي، بل يجري تمويهه، أو تجريده في نصوص معينة، فيما يتم تصنيعه كشرعة أمل زائف في نصوص أخرى، فضلاً عن تعويم خصوصياته اللغوية أمام التعريب الثقافي المطلق، رغم أكثر من خصوصية لغوية ومكانية متعددة وكل ذلك يحصل بدرجات متفاوتة كإحدى نتائج الكتابة السردية على قاعدة المجتمع السياسي لا الأدبي.
وفي المسار النقدي، تبدو المشكلة ذات اتجاهين، الأول يخص النقد المحلي نفسه فما أن يستقر على نحو ما في التأقلم المنهاجي، ويتخذ موقعاً مقبولاً على خريطة الفكر النقدي، حتى تعصف به متغيرات عالمية جديدة وتعيد عملية الأقلمة والتكيّف بوصفهما بحثاً موجهاً داخل المؤسسة السياسية.
تبعاً لذلك، علينا أولاً تحديد واشتراط الجانب المحلي السردي الصرف من مفهوم الأقلمة الكلي والواسع، والتركيز على نشأة القصة والرواية في بلادنا بوصفهما وافداً ثقافياً ذا سمة اجتماعية وتاريخية، تحتاج إلى تكيّف وتبيئ مستمرين مع متغيرات وظروف التحديث السائدة منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتفرض آليات تلقي واستقبال متفاوتة، سوف يقابلها ارتكاس إنتاجي منتظم بين ما درجت عليه الكتابة القصصية في سياقها الحكائي المتوارث، وصعوبة إحداث تحول فني حاسم لأسباب واقعية جداً تمت بصلة إلى تأثير الخطاب الموروث السائد ونشأة مبكرة ومتعثرة لنص حديث، على سبيل المثال كانت قصص الرؤيا لدى عطا أمين وسليمان فيضي، تدشن واقع الحضور الفني على نحو ما، ولكن في إطار رؤيوي غيبي، ينتمي إلى متخيل الرؤيا في خطابها الديني، كما كتب عبد الحق فاضل قصة تحاكي «الجريمة والعقاب»، لكنه وصفها بالنسخة الكاريكاتير الهزلية التي تقابل اللوحة الأصلية الجادة فتاريخ السرد لا يعيد نفسه أيضاً.

عودة النصوص إلى فضائها الاجتماعي
إذن ليست الأقلمة السردية مسباراً لبنية النصوص الأدبية، ولا تُعنى حتى بأقلمتها الخاصة، كونها قالباً فنياً غير محكم في سياقه المحلي قدر ما هي تحديد مؤشرات الفضاء المرجعي للنصوص، وقدرته النامية في الواقع المتغير على تشكيل نوع التأقلم، فلم ير محمود أحمد السيد أبعد من ذهوله السياسي بقدوم القوات الإنكليزية لبغداد دافعاً للكتابة الموسومة بتكيف وتلازم سردية السياسة مع الفن، ما أسبغ على القصة والرواية تأقلماً أيديولوجياً وسلطوياً، امتد وتفرع في إرساء يوتوبيات سياسية سرعان ما تقوضت أمام إخفاق متغيرات لاحقة، ومن ثم لم يكن بأي حال، الفشل السياسي الساحق نجاحاً نسبياً للأدب.
إن الأقلمة السردية مرهونة بفضائها المرجعي الاجتماعي، ومن المستحيل أن تنشأ في ظرفية سليمة داخل مؤسسة حكومية، كما درجت القصة والرواية في سياقها المحلي في بلادنا، ومن ثم نحتاج إلى فك اشتباك وإعادة ترتيب لخط شروع جديد.
ومن الطريف أن فض الاشتباك قائم الآن بسبب المتغيرات السياسية بعد 2003 فلم تعد الحجرات المؤسسية معنية بتضييق نافذة الحلم الأدبي والتحكم بالنشر، بل تركت فراغاً ثقافياً مثل أرض هُيئت لاستنبات بذور جديدة ويُشبه هذا إلى حد كبير بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، إذ كانت دور النشر والمطابع تقام إلى جانب المكتبات والمقاهي حتى عادت لحظة الأقلمة العفوية إلى شارع المتنبي ثانية، بعد أكثر من سبعة عقود من استلابها عن المكان نفسه، ولعل بذور الاستنبات النقدي سينتج حقولاً متخصصة ومن ضمنها مشروع نادية هناوي السردي.
كاتب عراقي
