لندن- “القدس العربي”: تزايدت رقعة الداعين في فرنسا إلى ضرورة الاعتراف بأحداث 17 أكتوبر 1961 كجريمة دولة ضد الجزائريين الذين تظاهروا في باريس، احتجاجا على حظر التجول التمييزي الذي فرضته السلطات الاستعمارية عليهم لمنعهم من دعم الثورة الجزائرية التي كانت في أوجها.
وجاء إحياء الذكرى الخامسة والستين للمجزرة التي ألقي فيها جزائريون أحياء في نهر السين، في ظل تحركات لرؤساء بلديات ونواب في البرلمان الفرنسي من أجل تحويل الاعترافات السياسية السابقة إلى موقف رسمي يقر بمسؤولية الدولة الفرنسية، ويخصص يوما وطنيا لتخليد ذكرى الضحايا.
وفي هذا السياق، دعا عمدة باريس، الاشتراكي إيمانويل غريغوار، إلى الاعتراف الكامل بمجزرة 17 أكتوبر 1961 باعتبارها “جريمة دولة”، مطالبا بأن يصبح هذا التاريخ يوما وطنيا لإحياء ذكرى الجزائريين الذين قتلوا خلال قمع مظاهرتهم السلمية في العاصمة الفرنسية. وقال غريغوار، خلال مراسم إحياء الذكرى، إن ما حدث في تلك الليلة يمثل جزءا من التاريخ الفرنسي والباريسي، مشددا على ضرورة مواجهة الماضي، حتى عندما يثير الشعور بالخجل.
دعا عمدة باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار، إلى الاعتراف الكامل بمجزرة 17 أكتوبر 1961 باعتبارها “جريمة دولة”
وأوضح عمدة باريس أن الحرب من أجل استقلال الجزائر كانت مستمرة منذ سبع سنوات، عندما فرض محافظ الشرطة موريس بابون، في الخامس من أكتوبر 1961، حظر تجول على الجزائريين يمنعهم من التنقل بين الساعة الثامنة والنصف مساء والخامسة والنصف صباحا. وفي 17 أكتوبر، خرج ما بين 20 ألفا و30 ألف رجل وامرأة وطفل من أصول جزائرية إلى شوارع باريس، استجابة لنداء جبهة التحرير الوطني، للاحتجاج على هذا الإجراء.
وأضاف أن الشرطة انتشرت عند مداخل العاصمة لمنع المظاهرة، وأن المتظاهرين تعرضوا للضرب والملاحقة وإطلاق النار في عدد من المواقع، بينها جسر نويي والبوليفارات الكبرى وساحة النجمة وساحة الكونكورد والحي اللاتيني. كما أشار إلى توقيف 11 ألفا و578 شخصا، جرى احتجازهم في قصر الرياضات وملعب بيار دو كوبرتان، حيث تعرض عدد منهم للضرب في ظروف وصفها بشديدة القسوة.
واعتبر غريغوار أن الصمت الذي أعقب المجزرة لم يكن مجرد نسيان، بل عملية طمس وإخفاء، داعيا الدولة الفرنسية إلى تحمل مسؤوليتها عن الجرائم المرتكبة. واستحضر في كلمته ضحايا لم تعرف الظروف الدقيقة لمقتلهم، من بينهم فاطمة بيدار، الفتاة الجزائرية البالغة 15 عاما، التي عثر على جثتها في قناة سان دوني بعد اختفائها عقب مشاركتها في المظاهرة.
وقال عمدة باريس إن الاعترافات التي صدرت خلال السنوات الماضية تمثل خطوات مهمة، لكنها لا تغني عن اعتراف كامل بمسؤولية السلطات العامة عن تنظيم القمع وتنفيذه. كما دعا إلى جعل 17 أكتوبر مناسبة وطنية رسمية، تكريما للضحايا وعائلاتهم، ووضع حد للصمت الذي أحاط بهذه الأحداث لعقود.
وتطرق غريغوار إلى إحياء الذكرى في باريس، مشيرا إلى أن لوحة تذكارية وضعت على جسر سان ميشال في 17 أكتوبر 2001، بعد أربعين عاما من المجزرة، تخليدا لذكرى الجزائريين الذين قتلوا خلال قمع المظاهرة السلمية. وأكد أن أعمال المؤرخين والجمعيات ساهمت في إعادة إحياء هذه الصفحة من التاريخ، بعد سنوات طويلة لم تحظ خلالها الأحداث بالاهتمام الرسمي والإعلامي الكافي.
33 عمدة يطالبون باعتراف رسمي
وتزامنت تصريحات عمدة باريس مع تحرك جماعي شارك فيه نحو 33 عمدة فرنسيا، دعوا الدولة إلى الاعتراف الكامل بمجزرة 17 أكتوبر 1961 بوصفها “جريمة دولة”، بالنظر إلى مسؤولية السلطات العامة عن تنظيم القمع وتوجيهه.
ومن بين الموقعين فضلا عن عمدة باريس إيمانويل غريغوار، يوجد عمدة سان دوني بالي باغايوكو، وعمدة مونتروي باتريس بيساك، وعمدة أوبيرفيلييه سفيان كرومي، وعمدة بوبيني عبدال صادي إلى جانب عمدة لا كورنوف علي ديوارا، وعمدة جينفيلييه باتريس لوكلير، وعمدة نانتير، وعدد من رؤساء البلديات الأخرى، خصوصا في ضواحي باريس.
طالب الموقعون بإدراج 17 أكتوبر ضمن التقويم الرسمي للأيام الوطنية والمراسم الرسمية في فرنسا، بما يسمح بتكريم الضحايا سنويا
وطالب الموقعون بإدراج 17 أكتوبر ضمن التقويم الرسمي للأيام الوطنية والمراسم الرسمية في فرنسا، بما يسمح بتكريم الضحايا سنويا. كما دعوا إلى مواصلة فتح الأرشيفات المتعلقة بالمجزرة وبحرب الجزائر، وتسهيل وصول الباحثين والعائلات والمواطنين إليها، من أجل توثيق الوقائع ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
وشملت مطالبهم أيضا إنشاء أماكن للذاكرة ودعم المبادرات الرامية إلى التعريف بالأحداث، خصوصا لدى الشباب، إلى جانب الاعتراف بالضحايا والناجين وعائلاتهم ومرافقتهم، بعد عقود من تجاهل شهاداتهم وذاكرتهم.
وذكّر رؤساء البلديات باعتراف الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند، في 17 أكتوبر 2012، بوقوع القمع الدموي، وبوصف الرئيس إيمانويل ماكرون، خلال إحياء الذكرى الستين في 2021، الجرائم المرتكبة تحت سلطة موريس بابون بأنها “لا مبرر لها بالنسبة للجمهورية”. غير أنهم اعتبروا هذه المواقف مراحل مهمة لكنها غير كافية، ما يستدعي استكمال المسار باعتراف صريح بمسؤولية الدولة.
مقترح جديد في مجلس الشيوخ
وعلى المستوى البرلماني، أودع السيناتور الاشتراكي رشيد تمّال وعدد من زملائه، في 15 أكتوبر الجاري، مقترح قانون بمجلس الشيوخ الفرنسي، حمل الرقم 74 في الدورة التشريعية 2026-2027، يتعلق بإحياء ذكرى قمع الجزائريين في 17 أكتوبر 1961.
ويستند المقترح إلى مسار سابق من المبادرات المتعلقة بالذاكرة الاستعمارية، بينها مقترح قانون قدمه تمّال وعدد من زملائه في 12 أكتوبر 2021، ومقترح قرار أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية في 28 مارس 2024، بمبادرة من النائبة صبرينة سبايحي.
وتشير مذكرة عرض الأسباب إلى أن القانون الصادر في 18 أكتوبر 1999 استبدل عبارة “العمليات المنفذة في شمال إفريقيا” بعبارة “حرب الجزائر أو المعارك في تونس والمغرب”، في خطوة ارتبطت بالاعتراف بمختلف الذاكرات المتصلة بالحرب، بما فيها ذاكرة الجزائريين والمجندين الفرنسيين والحركيين والعائدين من الجزائر.
كما يستحضر النص توصيات المؤرخ بنجامين ستورا، الواردة في تقريره المقدم إلى الرئيس الفرنسي في يناير 2021، بشأن مواصلة إحياء الذكريات المرتبطة بحرب الجزائر، ومن بينها قمع العمال الجزائريين في فرنسا يوم 17 أكتوبر 1961.
ويستند المقترح أيضا إلى تصريحات هولاند سنة 2012، الذي أقر بأن جزائريين تظاهروا من أجل حق الاستقلال قتلوا خلال قمع دموي، وإلى موقف ماكرون سنة 2018، حين دعا الجمهورية إلى مواجهة هذا الماضي. ويهدف النص إلى ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات رسمية، من خلال إحياء الذكرى على المستوى الوطني وتعزيز نقل الوقائع التاريخية إلى الأجيال المقبلة.
الجزائر تحيي اليوم الوطني للهجرة
وفي الجزائر، تحل الذكرى الخامسة والستون لمظاهرات 17 أكتوبر 1961 بالتزامن مع إحياء اليوم الوطني للهجرة، الذي يستحضر تضحيات الجزائريين المقيمين في فرنسا ومشاركتهم في دعم ثورة التحرير.
وتتضمن مراسم إحياء المناسبة الوقوف دقيقة صمت، في الساعة الحادية عشرة صباحا، عبر مختلف أنحاء البلاد، وكذلك على مستوى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية الجزائرية في الخارج، ترحما على أرواح ضحايا المجزرة.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد أقر هذا التقليد السنوي، الذي يشمل أيضا الترحم على الضحايا أمام المعلم التذكاري المخلد للمجزرة، الذي أنجزته وزارة المجاهدين وذوي الحقوق بمناسبة الذكرى الستين للاستقلال.
وفي رسالته بمناسبة الذكرى، أكد تبون أن المظاهرات جاءت احتجاجا على قرار حظر التجول الذي فرضته السلطات الاستعمارية على الجزائريين، ووصفها بأنها تعبير عن ارتباط الجالية الوطنية بثورة التحرير. وأشار إلى أن المتظاهرين واجهوا القمع والرصاص الحي، وأن عشرات منهم فقدوا حياتهم بعد إلقائهم في نهر السين.
كما أشاد الرئيس الجزائري بدور العمال والناشطين الوطنيين في المهجر، وبمشاركتهم في الكفاح من أجل استرجاع الاستقلال والسيادة الوطنية، مؤكدا حرص الدولة على حماية أفراد الجالية الجزائرية في الخارج ورعاية مصالحهم.
وفي فرنسا، كان ماكرون قد شارك في إحياء الذكرى سنة 2021، بمناسبة مرور ستين عاما على المجزرة، ووضع إكليلا من الزهور قرب نهر السين، بالقرب من جسر بيزون، في خطوة غير مسبوقة لرئيس فرنسي خلال الجمهورية الخامسة في إحياء هذه المناسبة في موقع مرتبط بالأحداث.
مظاهرات سلمية واجهها القمع
وتعود أحداث 17 أكتوبر 1961 إلى الأشهر الأخيرة من حرب التحرير الجزائرية، عندما دعت جبهة التحرير الوطني الجزائريين المقيمين في فرنسا إلى الخروج في مظاهرات سلمية احتجاجا على حظر التجول الذي فرضته شرطة باريس في الخامس من أكتوبر، واستهدف الجزائريين دون غيرهم.
تشير تقديرات المؤرخين، ومن بينهم جان لوك إينودي، إلى أن عدد الضحايا بلغ نحو 300 شخص، فيما تتراوح تقديرات أخرى بين 100 و300 شهيد
وشارك في المظاهرات عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، قدموا من أحياء باريس وضواحيها، بينها نانتير، للتعبير عن رفضهم الإجراء التمييزي والمطالبة بالاستقلال. لكن الشرطة الفرنسية، بقيادة محافظ الشرطة موريس بابون، واجهت المظاهرات بقمع واسع شمل الضرب وإطلاق النار والاعتقالات الجماعية.
وتشير تقديرات المؤرخين، ومن بينهم جان لوك إينودي، إلى أن عدد الضحايا بلغ نحو 300 شخص، فيما تتراوح تقديرات أخرى بين 100 و300 شهيد. وألقي عدد من الضحايا في نهر السين، بينما تعرض آلاف المتظاهرين للتوقيف والاحتجاز في منشآت مؤقتة. وفي المقابل، ظلت الرواية الرسمية الفرنسية لعقود تكتفي بالإقرار بسقوط ثلاثة قتلى، فيما وُصفت المظاهرات في بعض الروايات الرسمية بأنها أعمال شغب.
ولم يبدأ الملف في استعادة حضوره في النقاش العام الفرنسي إلا بعد سنوات، مع ظهور شهادات الناجين وتوسع الأبحاث التاريخية وتحركات الجمعيات المعنية بالذاكرة. وفي عام 2001، وضعت بلدية باريس لوحة تذكارية على جسر سان ميشال، قبل أن تصدر اعترافات سياسية لاحقة بوقوع القمع الدموي.
وبعد مرور 65 عاما على الأحداث، تتجدد المطالب داخل فرنسا بالانتقال من الإقرار بوقوع المجزرة ووصف الجرائم المرتكبة خلالها إلى الاعتراف الرسمي بمسؤولية الدولة، وإدراج 17 أكتوبر في التقويم الوطني للذكريات، في وقت تواصل فيه الجزائر إحياء المناسبة باعتبارها محطة من محطات كفاح شعبها من أجل الاستقلال.