حين استيقظتُ صباح ذلك اليوم، لم أدرك أنه سيكون يوماً مختلفاً عن غيره. كان المطر ينهمر، ولا شعاع يطلّ من وراء ستار الغيم المعتم. لكنني مضطرة للخروج، فلديّ موعد مع طبيب أعصاب زائر. إنها فرصتي الوحيدة لرؤيته قبل سفره يوم غد. لقد مرّت أشهر وأنا أعاني من آلام الظهر، ولم يستطع أيّ طبيب راجعته تشخيص ما بي، أو وصف علاجٍ يخفّف عني هذا الألم العنيد.
نظرتُ في المرآة إلى وجهي المتعب.. أبدو وكأنني كبرتُ عشر سنوات منذ أن بدأ الألم. ولم يساعد إهمالي لنفسي في إخفاء تلك الآثار: شعري أشعث ومتقصف الأطراف، وهالات سوداء تحيط بعينيّ. ثمة تجاعيد لم ألاحظها من قبل، متى طرأ كل هذا التغيير يا ترى؟ على أيّ حال، لن أواصل هذا الروتين الكئيب بعد الآن؛ سأبدأ بشيء بسيط، فبوسعي أن أذهب إلى مصفّف الشعر قبل موعدي مع الطبيب، إنه في طريقي ولا أظن أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً.
كانت الطرق مغمورة بالمياه، والمركبات بالكاد تتحرك. عندها، بدأ القلق يتسلل إلى كياني كله، فهذا مشهدٌ لا يبشّر بخير، لذا قررتُ الرجوع أدراجي. لكنني لم أستطع إيجاد مخرجٍ يمكنني من العودة إلى البيت، حيث كانت جميع المخارج غارقة! قلتُ: لا بأس، سأذهب إلى مصفّف الشعر، لعلّ المطر يتوقف بعد حين. وبطبيعة الحال، وصلتُ متأخرة عن موعدي، فقامت عاملة مبتدئة بقصّ شعري. وحين أنهت الفتاة مهمتها، كدتُ أنفجر باكية، لكنني تمالكت نفسي. كان شعري أقصر مما ينبغي وأطرافه غير متساوية. يا لقبحِ منظره! حاولتُ التهدئة من روعي: ما حصل قد حصل! سيطول شعري مجدداً، إنها ليست نهاية الكون!
توجّهتُ إلى عيادة الطبيب، لكنني لم أعد قادرة على رؤية الشوارع والأرصفة، فقد غمر الماء كل شيء. رأيتُ الكثير من السيارات التي اصطدمت بأرصفة الدوّارات وبسياراتٍ أخرى. لم أدرِ أين أتجه وكيف أنجو من هذا المأزق التعيس. وعندما ظننتُ أن لا مجال لأن يزداد الوضع سوءاً، تعطّلت سيارتي، وأخذت تطفو مثل قاربٍ صغير مع سيارات أخرى تتأرجح من حولي كاللُّعَب. لقد تحوّلت المدينة إلى بحيرة شاسعة في غضون ساعات من المطر. لم أتمكن من وصف ما أحسست به، وقد تبادرت إلى ذهني كل المرادفات: الخوف والرعب والفزع والهلع. رحت أتساءل، ما الذي شعر به قوم نوحٍ بعد أربعين ليلة من هذا الجحيم البارد يا ترى! إذ أن الخوف مما سيأتي يكون أقسى من الموتِ أحياناً. كنتُ على تواصلٍ مع بعض زملائي من المترجمين الفوريين على مجموعة «واتساب»، وقد أطلعتهم على آخر المستجدات في مغامرتي الكارثية. كان الجميع مترقّباً، وكأنني مراسلة صحافية آتيهم بآخر الأخبار من قلب الحدث.
بعد فترة من التردد، قررتُ ترك سيارتي والذهاب إلى محطة المترو، فلربما ما زال يعمل. غير أني تعثّرت وسقطت في الماء عدة مرات، فتبلّل هاتفي وتوقف عن العمل. الآن أصبحتُ وحيدة بالفعل، إذ لم يعد هناك أي تواصل مع العالم خارج هذا السواد. وبعد مسيرةٍ مضنية، وصلتُ إلى محطة المترو، لأجدها، مثلي تماماً، غارقة في الماء والظلمة. لحسن الحظ، كان هناك متجر مفتوح على مدار الـ24 ساعة، فيه كل ما نحتاجه: طعام وشراب، وملابس جافة، والأهمّ من كل ذلك، حمّامات نظيفة لكل من علق في تلك البقعة. اشتريتُ كيلوغرامين من الرز لأدفن فيه هاتفي؛ فقد قرأتُ أن الرز يمتصّ الرطوبة من الأجهزة الإلكترونية. كان هناك الكثير من الناس حولي، وكلهم يرتدون الملابس نفسها تقريباً، حيث لجأ الجميع إلى المتجر لتغيير ثيابهم المبتلّة. كنت أراقبهم فيما أخذ النعاس يتسلل إلى أهدابهم، وكم استغربتُ منظرهم وهم يجلسون على الأرض، يغطّون في نومٍ عميق. أما أنا، فلن أحظى بالنعمة ذاتها. لم يكن النوم صديقاً حميماً لي في السفر، حتى إنني ما زلت أحمل وسادتي معي أينما سافرت، كطفلة تتشبث ببطانيتها لكي تشعر بالأمان والطمأنينة. أما الليلة، فأنا وحيدة من دون وسادتي.
بعد ساعاتٍ من دفنه، أفاق هاتفي من سباته. اتصلتُ بزوجي لأخبره عن يومي المشؤوم. ردّ والقلق بادٍ على صوته، إذ حاول الاتصال بي مراراً، ولكن هاتفي كان مغلقاً. أراد أن يأتي ليعود بي إلى المنزل، لكني نصحته بالبقاء مع الأولاد لكيلا يعلق هو الآخر بعيداً عنهم.
وحين حلّ الصباح، ذهبتُ إلى مول الإمارات سيراً وسط الماء. لكني هذه المرة تحلّيتُ ببعض الحكمة، فقد اشتريتُ شمسيةً من المتجر واستخدمتها كعكازٍ أستدلّ به على موطئ قدميّ. كانت الشمس مشرقةً لكن الماء يحيط بي من كل جانب. ومن بعيد، بدا مول الإمارات وكأنه جزيرة وسط بحر راكد.
كان المول مكتظاً بالبشر، فقد فتحت السينمات أبوابها للناس كي يقضوا ليلتهم نائمين على المقاعد.
تناولتُ وجبة خفيفة وانتظرتُ حتى يجيبني الزملاء عن إمكانية الذهاب إلى مكانٍ بعيد عن المياه، كي يتمكن زوجي من الوصول إلي. وبعد فترة وجيزة، رنّ الهاتف. لم أتعرف على الرقم، لكني أجبت. كانت مكالمة من «هانا» صديقة زميلتي «إيزابيل»، تُعلمني بأن سائقها في طريقه إليّ، وسيأتي بي إلى بيتها. كانت «هانا» سيدة رائعة، في غاية الكرم، وقد وفّرت لي كل سبل الراحة، لكن جلّ ما أردته هو العودة إلى بيتي، فأنا منهكة جداً، ولن أنام حتى أضع رأسي على وسادتي.
جاء زوجي لاصطحابي من بيت «هانا» في ساعة متأخرة من الليل. لم أتحدث كثيراً طوال رحلة العودة، فقد كنت أفكر بكل ما جرى منذ صباح البارحة. أدركتُ أن كل عثرة واجهتني كانت درساً ثميناً. كنت أسمع عن «قانون ميرفي» لكني لم أختبره قط. والآن أعلم أنه ليس مزحة، بل هو ما يذكرني أن الحياة دائماً تتجه نحو الاحتمال الأسوأ. وعلى الرغم من كل ما مررتُ به، وجدتُ ملاذاً في ذلك المتجر المفتوح طوال الليل، وأدركتُ أن كل ما فقدته في الخارج جعلني أكثر صلابة وتحمّلاً. احتضنتُ أولادي كمن يخرج من نفقٍ معتمٍ إلى النور والدفء، وأحسست بالحياة تبدأ من جديد. وفي اليوم التالي، طبختُ الرز الذي أنقذ هاتفي من موتٍ محتم. وكأني أردتُ أن أحظى بانتصارٍ صغير بعد كل ما لحق بي من هزائم. لقد كانت وجبة غداءٍ لذيذة!
علّمتني هذه المغامرة البائسة كيف يمكن للعثرة أن تكون بداية جديدة، وللسقوط أن يكون ركيزة لبناءٍ أقوى. وفي نهاية المطاف، منحني «قانون ميرفي» القدرة على الضحك رغم الألم، وعلى التأمل رغم الفوضى، وعلى العودة إلى البيت كما لو أن كل شيء قد استعاد مكانه في العالم.
وها أنا الآن أجلس خلف النافذة أشاهد المطر الذي لم يتوقف منذ أربعة أيام، وأتذكر كل ما مررتُ به في ذلك اليوم قبل سنتين. وها هم بعض الزملاء ينصحونني مازحين بعدم الخروج من منزلي هذه المرة، فأجيبهم ضاحكة: «التوبة»، وأتساءل، لماذا يبدو المطر بهذا الجمال الآن، على عكس ما كان عليه في ذلك اليوم؟ ألأنني هنا في بيتي الصغير، يحيط بي زوجي وأولادي، وإلى جانبي وسادتي المحببة؟
كاتبة عراقية