دمشق – “القدس العربي”: يبرز انقسام في سوريا حول سن قانون ينظم تأسيس وعمل الأحزاب، فهناك من يرى أن ذلك ليس أولوية حالياً مقارنة مع قضايا أخرى، لا سيما العدالة الانتقالية، معبراً عن مخاوفه من تسلل “الفلول”، و”المال القذر”، في حين ثمة من يجد في الأمر ضرورة، كي تنضج الحياة السياسية، مشيراً إلى أن “العزل السياسي” كفيل بمنع عودة رجالات النظام السابق إلى المشهد.
ليس أولوية
وفي هذا السياق، أعلن عضو المجلس عن محافظة إدلب، حسن الدغيم، أن الأولوية في الظروف الحالية ليست لسن قانون الأحزاب، وإنما تمرير قوانين أخرى كتلك المتعلقة بملف العدالة الانتقالية وما يتضمنه من حزمة بالغة التعقيد تشمل كشف الحقيقة ومصير المفقودين والمقابر الجماعية وجبر الضرر والمحاسبة.
وهذه، حسب قوله، استحقاقات لا يمكن عزلها عن البيئة الاقتصادية، إذ يتطلب إنجاحها تدفقاً للموارد والرساميل، وتنشيط الاستثمار، وانفتاحاً اقتصادياً ودولياً قادراً على تمويل مسار جبر الضرر الطويل والمليء بالتحديات.
أعلن عضو المجلس عن محافظة إدلب، حسن الدغيم، أن الأولوية في الظروف الحالية ليست لسن قانون الأحزاب، وإنما تمرير قوانين أخرى كتلك المتعلقة بملف العدالة الانتقالية
وقال الدغيم، في تصريحات نقلتها قناة “الإخبارية” السورية، إن مجلس الشعب حالياً يجهد لترتيب أوراقه التشريعية بعد مناقشة نظامه الداخلي والقوانين الاستثنائية الحساسة كقانون محكمة الإرهاب وتداعياته، وتبرز على السطح أزمة أولويات حقيقية تواجه مسار العمل البرلماني والحكومي في البلاد، معتبراً أن إغراق الجلسات الأولى للدورة العادية بـأكثر من 400 قانون ووضعها دفعة واحدة على طاولة النقاش، يتعارض مع القاعدة السياسية والواقعية التي تقتضي “اطلب المستطاع حتّى تُطاع”، ومؤكداً أن الأولويات اليوم مبعثرة بين استحقاقات سياسية معقدة وأخرى إنسانية ومعيشية ملحة، وعلى رأسها ملف إعادة نحو 77 ألف موظف مفصول تعسفياً إلى رأس عملهم لتأمين لقمة عيش عائلاتهم.
وتحدث الدغيم، وهو نائب رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، وعضو أيضاً في لجنة الدفاع والأمن الوطني والطوارئ، عن ازدياد المخاوف النيابية والسياسية من “التفاف سياسي” محتمل قد يمارسه رجالات وإرث نظام حكم امتد لستين عاماً، حيث تلوح في الأفق محاولات من ضباط استخبارات سابقين للتدثر بعباءة المعارضة والتعددية والتشاركية، لتقديم أنفسهم كمنظّرين وقادة أحزاب سياسية ناشئة.
ولم يتوافق عضو مجلس الشعب عن مدينة حمص كنان النحاس مع ما ذهب إليه زميله الدغيم، وأكد عبر صفحته على “فيسبوك” أن “العزل السياسي” كفيل بمنع عودة الفلول إلى الحكم بأي شكل من الأشكال، وقبل ذلك، فإن حراسة السوريين لثورتهم ودولتهم وزيادة وعيهم السياسي كفيلان بمنع عودة الفلول إلى السلطة.
وذكر النحاس، وهو عضو في لجنتي الأوقاف والشؤون الدينية، والشؤون الاجتماعية والعمل، أن مجلس الشعب يعمل على التوازي، وليس على التوالي، ولدينا ست وعشرون لجنة، ويمكن لكل سبعة عشر نائباً أن يدرسوا مقترحات قوانين ويقدّموها، موضحاً أن المجلس يعاني من بطالة، أخشى من أسبابها الحقيقية، من خلال تقليل اجتماعاته تحت القبة، مع تأخر لا نجد له جواباً في ورود مشاريع القوانين من الحكومة، ويمكن، بزيادة الجلسات، تسريع العمل وإصدار القوانين.
وختم النحاس بالقول إنه لا يمكن أن تنضج الحياة السياسية دون أن نطلق الأحزاب، مستفيدين من غياب الانتخابات خلال المرحلة الانتقالية، مما يسمح بزيادة الوعي والثقافة السياسية لدى الشعب، ويتيح للأحزاب بناء تصوراتها وبرامجها وعرضها على الشعب.
حياة مستمرة ومستدامة
في حين، يعتبر عضو مجلس الشعب عن حلب، محمود مصطفى، أن سوريا مقبلة على مناخ جديد وواسع للحياة السياسية، حسبما أكد لـ”القدس العربي”، موضحاً أن هذه الحياة هي أحد أبرز أهداف الثورة السورية.
وأشار إلى أن تحديد المدة اللازمة لفتح الباب أمام الأحزاب يرتبط بمجموعة من العوامل المتعلقة بتهيئة المناخ السياسي والتشريعي والمؤسساتي في البلاد.
وقال مصطفى، وهو رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعضو لجنة الصحة، إن قانون الأحزاب يحتاج إلى تشريع واضح يضمن حق المشاركة السياسية، ويصون حرية التعبير والتنظيم، ويكفل تكافؤ الفرص بين مختلف القوى والتيارات السياسية، بما يتيح للمواطن اختيار من يمثله على أساس البرامج والرؤى، وليس على أساس الانتماءات أو الولاءات السابقة.
يعتبر عضو مجلس الشعب عن حلب، محمود مصطفى، أن سوريا مقبلة على مناخ جديد وواسع للحياة السياسية، حسبما أكد لـ”القدس العربي”، موضحاً أن هذه الحياة هي أحد أبرز أهداف الثورة السورية
ورأى أن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى فترة تتيح للقوى السياسية والمجتمعية تنظيم نفسها، وتشكيل أحزابها، واستكمال إجراءات الترخيص، وإعداد برامجها وطرحها أمام المواطنين، وبالتالي فإنه ليس من المطلوب إصدار قانون أحزاب بصورة متسرعة، وإنما الوصول إلى قانون متوازن ينسجم مع طبيعة المرحلة، ويؤسس لحياة سياسية مستقرة ومستدامة.
وبين أنه يمكن النظر إلى العامين اللذين مرا تقريباً، باعتبارهما فترة انتقالية معقولة، ليس بهدف تأجيل الحياة الحزبية، وإنما بهدف توفير المناخ القانوني والسياسي والمؤسساتي الذي يسمح بانطلاقها بصورة سليمة، والأهم هو أن يكون هناك مسار واضح ومعلن خلال هذه الفترة، بحيث تعرف القوى السياسية والمجتمع متى وكيف ستبدأ عملية تأسيس الأحزاب وممارسة نشاطها السياسي.
وبين أن مشروع قانون العزل السياسي ما يزال موضع دراسة ومناقشة، باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في حماية المرحلة الانتقالية ومنع عودة من تلطخت أيديهم بالانتهاكات إلى مواقع التأثير السياسي.
وأكد أنه من المهم ألا نتعامل مع مدة العامين باعتبارها موعداً مغلقاً بقدر ما هي مرحلة انتقالية يجري خلالها استكمال الإطار التشريعي والمؤسساتي اللازم، مشدداً على ضرورة ألا يتم فتح الحياة السياسية الحزبية دفعة واحدة، لأن الانتقال المفاجئ في هذه المرحلة قد يخلق حالة من الفوضى السياسية أو يسمح بعودة قوى لا تنسجم مع أهداف المرحلة الانتقالية، وفي المقابل، فإن إبقاء الحياة السياسية مغلقة لفترة طويلة ليس حلاً أيضاً، لأن بناء الحياة السياسية يحتاج إلى ممارسة فعلية وتراكم تدريجي للخبرة السياسية والمجتمعية.
وأيد مصطفى أن يكون هناك انفتاح سياسي تدريجي وواضح، ضمن فترة زمنية محددة، تبدأ بتهيئة قانون الأحزاب، وتنظيم إجراءات تأسيس الأحزاب والترخيص لها، وإتاحة المجال أمامها لتشكيل برامجها وممارسة نشاطها السياسي بصورة قانونية، وصولاً إلى مرحلة التحرير الكامل للعمل الحزبي والمنافسة السياسية وفق قواعد واضحة.
“البعث” انتهى
وفي هذا السياق، يبرز موقف السياسي والمحامي السوري محمود مرعي، الذي تحدث بلهجة حاسمة ومباشرة مؤكداً أن “حزب البعث قد انتهى تاريخياً ولم يعد له أي مستقبل في سوريا”، معتبراً أن ستة عقود من الاستبداد والأخطاء القاتلة طيلة سنوات الحرب قد أفقدته أي أرضية شعبية للعودة.
ودعا مرعي إلى تشكيل لجنة مشتركة بين مجلس الشعب والقوى الفاعلة، للوصول إلى صيغة توافقية لقانون أحزاب يضمن الهوية الوطنية الخالصة، وقال إن مرور نحو عامين على تسلّم السلطة الجديدة مقاليد الحكم في سوريا يشكّل مدة كافية لإصدار قانون عصري ينظم الحياة السياسية، محذراً من أن استمرار غياب هذا القانون يترك فراغاً كبيراً في بنية الدولة والمجتمع.
وأكد أن تنشيط وتفعيل العمل الحزبي يعد ركيزة أساسية لتحديث سوريا وتطويرها سياسياً، من خلال إيجاد توازن حقيقي بين أحزاب حاكمة وأخرى معارضة تملك القدرة على مراقبة السلطة التنفيذية وتشخيص عيوبها.
وشدد القيادي في “التحالف الوطني الديمقراطي السوري” على الهوية الوطنية الخالصة للعمل الحزبي المستقبلي، مؤكداً رفضه التام للأحزاب فوق الوطنية التي ترتبط بامتدادات دولية أو عابرة للحدود، وكذلك الأحزاب دون الوطنية القائمة على أسس طائفية أو مذهبية أو دينية، وأشار إلى أن التجربة المقبلة يجب أن تقودها قوى وتيارات برامجية ومطلبية تلبي تطلعات الشارع، بعيداً عن أيديولوجيات الماضي.
دعمت توجه التعجيل بإطلاق قانون الأحزاب، عضو مجلس الشعب عن الحسكة فصلة يوسف، إذ أكدت في تصريح لـ”القدس العربي” أن الساحة السورية باتت مهيأة تماماً لتدشين مرحلة جديدة من التنظيم السياسي
وفي السياق، طالب مرعي بضرورة عزل القيادات السياسية والأمنية العليا للحزب السابق، معتبراً أن الذرائع التي تسوقها بعض الأطراف حول “عدم ملاءمة التوقيت” أو “الخشية من عودة فلول النظام” هي حجج غير مقبولة لتأخير الانفتاح السياسي، مؤكداً أن سوريا تمتلك مخزوناً هائلاً من الطاقات الشابة، إلى جانب قوى وطنية تملك إرثاً تراكمياً من النضال والصمود في المعتقلات منذ ستينيات القرن الماضي، وهي قادرة اليوم على إعادة الحياة السياسية السورية إلى ألقها الديمقراطي الذي عاشته في فترة الخمسينيات.
وحذر مرعي من خطورة التدفقات المالية الخارجية على سلامة العمل السياسي، داعياً إلى تضمين القانون المرتقب نصاً صريحاً يمنع أي تمويل عربي، إقليمي، أو دولي، للأحزاب السورية، لكونه يزيف الإرادة الشعبية ويضخم كيانات لا قاعدة لها على حساب تيارات وطنية حقيقية.
ودعمت توجه التعجيل بإطلاق قانون الأحزاب، عضو مجلس الشعب عن الحسكة فصلة يوسف، إذ أكدت في تصريح لـ”القدس العربي” أن الساحة السورية باتت مهيأة تماماً لتدشين مرحلة جديدة من التنظيم السياسي، معتبرة أن مرور نحو عامين على إسقاط النظام، وتقدم مؤشرات الاستقرار والعودة إلى الحياة المؤسساتية، يفرض الاستعجال في إصدار قانون عصري لتنظيم العمل الحزبي.
ويوسف، عضوة في لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب وشغلت منصب سكرتيرة حزب الوحدة الديمقراطي الكردستاني (يكيتي) وعضوة في الهيئة الرئاسية لـ”المجلس الوطني الكردي في سوريا”.
وقالت في تصريحها إنه لم يعد هناك أي مبرر منطقي لإعاقة أو تأجيل ولادة قانون الأحزاب، مشددة على أن هذا التشريع المرتقب يتناغم بالكامل مع محددات الإعلان الدستوري ولا يتعارض معه، وأشارت إلى أن توقيت طرح هذا القانون يبدو مثالياً وفوق أي حسابات تأجيلية، بالنظر إلى حاجة البلاد الماسة لترتيب الحالة السياسية وتأطيرها تشريعياً بما يواكب استحقاقات المرحلة الانتقالية وبناء الدولة المستقرة.
محاذير التسرع
التحذير من مخاوف القفز غير المحسوب، الذي تحدث عنه الدغيم ومصطفى، شاركه أيضاً نائب رئيس لجنة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية في مجلس الشعب، نوار نجمة، الذي رسم مقاربة حذرة لمستقبل التعددية الحزبية والتحول الاقتصادي في سوريا، موضحاً أنه وفي قراءة تحليلية لواقع الشارع والنخب السورية بعد 14 عاماً من الثورة وستة عقود من الاستبداد، فإن التعددية السياسية وحرية الأحزاب هي “القدر الحتمي الذي ينتظره السوريون”، لكن هناك علامات استفهام كبرى حول “التوقيت والآليات”، داعياً إلى تبني خيار “الوسطية والتدريج” لحماية المجتمع من صدمات التحول غير المنضبط.
مخاوف من أن تتحول الأحزاب الجديدة، في حال التسرع بتشكيلها، إلى مرآة عاكسة للانتماءات الطائفية، الدينية، العرقية، والمناطقية الحالية في المجتمع
ورأى نجمة أن ملف تحرير وقوننة الحياة السياسية والحزبية، يشكل الشغل الشاغل للنخب المجتمعية، لكنها ليست من أولويات أكثرية الشعب حالياً، فالأغلبية من الطبقتين المتوسطة والفقيرة يضعون الاستقرار الأمني وتحسين الوضع الاقتصادي وتأمين فرص العمل ورفع مستوى الدخل ومعالجة أزمات الكهرباء والطاقة، كأولويات قصوى، ومع ذلك، فإن وجهتي النظر، الشعبية والنخبوية، منطقيتان، باعتبار أن فتح الحياة السياسية قد يشكل رافعة حقيقية للإصلاح الاقتصادي.
وأبدى البرلماني السوري مخاوف من أن تتحول الأحزاب الجديدة، في حال التسرع بتشكيلها، إلى مرآة عاكسة للانتماءات الطائفية، الدينية، العرقية، والمناطقية الحالية في المجتمع، واستشهد بنماذج تاريخية من خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث قادت الجماهيرُ النخبَ والأحزابَ عوضاً عن العكس، مشيراً إلى أن أحزاباً كبرى رفعت شعارات أممية وقومية واسعة، مثل البعث والشيوعي والإخوان المسلمين، انتهت تاريخياً إلى انقسامات وتكتلات طائفية ومناطقية ومكوناتية ضيقة، محذراً من تكرار التجربة ذاتها اليوم خلف لافتات وشعارات براقة بينما قواعدها ترتكز على هويات فرعية مأزومة.
المال السياسي
واعتبر نجمة، وهو عضو أيضاً في لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان داخل المجلس، أن المعضلة الأكبر تتمثل في مدى قدرة مؤسسات الدولة الحالية على ضبط ومراقبة “المال السياسي” وتمويل الأحزاب، معترفاً بعجز الأجهزة الحكومية اليوم عن كشف مصادر تمويل بعض المنظمات الأهلية والمنصات الإعلامية القائمة.
حذر نجمة من خطر تدفق “الأموال القذرة” والثروات الهائلة التي هُرّبت سابقاً من سوريا على أيدي “كبار ممولي الفساد ورجال أعمال النظام البائد”
وحذر نجمة في تصريح لـ” القدس العربي” من خطر تدفق “الأموال القذرة” والثروات الهائلة التي هُرّبت سابقاً من سوريا على أيدي “كبار ممولي الفساد ورجال أعمال النظام البائد”، والتي قد تعود اليوم بثوب جديد لتمويل أحزاب وتمرير أجندات مشبوهة بعيدة عن المشروع الوطني، مؤكداً أن السيطرة على المال السياسي شرط أساسي لضمان عدم انزلاق الانتخابات والإعلام والأحزاب نحو الفوضى.
ولفت إلى أن سوريا تشهد اليوم بالفعل حراكاً ونشاطاً حزبياً واقعياً يتجلى في المقاهي، والمنتديات، وقاعات الفنادق، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حتى قبل صدور تشريع جديد، واليوم نحن بحاجة إلى قانون أحزاب ينظم هذه الانتماءات، مؤكداً أن مجلس الشعب قادر على تطوير هذا الملف، لكننا نحتاج إلى الوقت للبناء وتعميق الانتماء الوطني وصياغة عقد اجتماعي متفق عليه، وليس للمماطلة.