احتفل العراق في الأيّام الأولى من أكتوبر /تشرين الأول 2026 بالذكرى المئويّة لولادة شعرائه الأفذاذ، الذين لم يشردوا من ذاكرة الأدب العربي الحديث: بدر شاكر السيّاب (1926 ـ 1964) وعبد الوهّاب البيّـاتي (1926 ـ 1999) وبلند الحيدري (1926 ـ 1996)، وإن لم يظفر بلند بما ظفر به صاحباه ونازك الملائكة، من عناية الشعراء والدّارسين، بل كاد ذكره ينقطع، على الرغم من أنّه سبق مواطنيه الثلاثة، في كتابة «الشعر الحرّ» أو «قصيدة التفعيلة». أمّا هذا المقال فهو ليس أكثر من عرفان بجميل الشعر وما تعلّمته من هؤلاء، وإن لم يسعفني العمر وجميل الشعر وأفضاله، إلاّ بالتعرّف الشخصي إلى اثنين منهم هما، البيّاتي والحيدري، فيما كانت معرفتي بشعر السيّاب الذي توفي عام 1964 وأنا تلميذ في الثانويّة؛ أسبق منذ أن قرأت قصيدته «أنشودة المطر» وكنت أحفظها وأستظهرها؛ وكان قد نبّهنا إليها أستاذنا الراحل محمّد الحليوي صديق الشابي. ثمّ تعمّقت معرفتي بتجربته أكثر، وأنا طالب أواخر الستّينيّات مع أستاذنا الراحل توفيق بكّار.
أمّا صلتي بشعر عبد الوهاب البياتي فبدأت منذ الستينيات من القرن الماضي، وأنا تلميذ في المدرسة الثانويّة. وكان الفضل في ذلك لبعض شعراء القيروان الأكبر منّي سنّا بقليل؛ من الذين شغفهم شعر البيّاتي؛ حتّى إنّي كتبت فيه وأنا في قسم البكلوريا قصيدة في حوالي عشرين بيتا. ثمّ التقيت البياتي عام 1972 في تونس، في مؤتمر الأدباء العرب، وكان هناك الجواهري ويوسف الصائغ وسامي مهدي ومحمود درويش وأحمد دحبور، وكنت مأخوذا بالشعر النابع من رؤية اشتراكيّة أو قوميّة متفائلة، نتلمّس فيها مقاربة جديدة للغة والأشياء، وجنوحا إلى استخدام الأسطورة والرموز المشتركة والألفاظ المأنوسة، في نسيج شعري يتوسّم المضمر والممكن في اللغة، من دون أن يحول المعوّق الأيديولوجي من تطوّرها، أو جعلت من اللغة أداة لا موضوعا، أو يلزم الشعر ما لا يلزمه، وما لا ينبع من خصوصيّته، أو يأخذه بصرامة ما نخاله يؤخذ بها؛ حتى لا تتحوّل القصيدة إلى صدفة أفكار ومعان جاهزة، وتستنفد رموزها وصورها ومجازاتها، سرّها ونكهتها بحكم تواترها وتداولها وثباتها. وفي لقاء شعري معه، ضمّ شعراء تونسيّين شبّانا (محمّد الغزي والطيب الرياحي) قرأت قصيدة في رثاء عبد الخالق محجوب (رفضت مجلّة «الفكر» التونسيّة نشرها).
ومن يومها تعزّزت صلتي به، وأخذت أراسله، وكان هو يردّ على رسائلي المتقطّعة بانتظام عجيب. ثمّ التقيته في تونس وبغداد مرّات أخرى، وخارجها في السويد في ملتقى الشعر العربي السويدي عام 1984، مع سلمى الخضراء الجيوسي وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد اللطيف اللعبي ومحمد الغزي وعبد العزيز قاسم وحسونة المصباحي وكمال أبو ديب. وكتبت مقالين عن شعره، نشرتهما مجلّة «الآداب» البيروتيّة. وعام 1994 كنت أشارك في مهرجان جرش في عمّان، كان البياتي معنا طوال الوقت، وما أزال أحتفظ بذكريات لطيفة معه، وهو يغمز بشعراء العرب المعروفين وعليهم، مخترعا نوادر وحكايات طريفة. ولم يكن ذلك بالمستغرب منه، وأذكر أن مستشرقة سويديّة سألته «من هو الشاعر العربي الذي يراه جديرا بجائزة نوبل»، وكان جوابه الذي أضحكنا كثيرا: «هناك شاعر واحد، كان يمكن أن يحصل على هذه الجائزة؛ لكنّه للأسف، توفي منذ أكثر من ألف سنة: المتنبّي».
وعلى الرغم من أنّ البيّاتي كان في فترة ما «أيقونة» ورمزا للحداثة الشعريّة ذات النبرة اليساريّة؛ فلا هو ولا بلند يجاذبان بدر شاكر السيّاب مكانته الرائدة. وإذا كان أهل الفلسفة يقولون، إنّ المدخل إليها هو سقراط، فالمدخل الحقّ إلى الحداثة الشعريّة عندنا هو السيّاب. وقد قرأت بلند منذ أواخر الستّينيات، وكنّا نتغنّى بقصائده في تروتسكي وغيفارا خاصّة. والتقيته مرّتين، أولاهما في المغرب والثانية قبيل رحيله بعامين في جرش في الأردن. كان محدّثا بارعا يمتلك مقدرة على التعبير وقوّة وصف وتمثيل، لا تخفيان؛ «يتدفّق» ويكاد لا يسكت، ولا حديث له إلاّ عن نفسه؛ ولكن من دون أن ينتقّص من الآخرين أو ينال منهم ويُزري بهم، بل كان فيه لطف وناحية إنسانيّة ملحوظة. كان ذلك في عمّان عام 1994، وكان لا يَنِي يردّد على مسامعنا كيف حُكم عليه بالإعدام، وأنّه نجا بأعجوبة. وكان عبد الوهّاب البيّاتي يُسرّ لنا بأنّ ما يزعمه بلند «ادّعاء» و»نفْج» (من نفَج أي افتخر بما ليس عنده) ولا سند له من الواقع؛ وإن كان قد اعترف في حوار له بأنّ بلند هو «الشاعر المبدع في أساليبه الجديدة التي حقّقها، وفي طريقته التي لا يقف فيها معه إلاّ شعراء قلائل من العراق».
على أنّ ما يعنيني في هذه الفسحة، أنّ بلند يكاد يكون اليوم شاعرا منسيّا، لولا احتفال مؤسّسة أصيلة المغربيّة به؛ إذ وسمت جائزة مرموقة باسمه. وعلى كلّ فليس بميسوري، في مقال كهذا أن أعيد ترتيب مكانة هؤلاء الثلاثة في مدوّنة الشعر العربي الحديث أو تصنيفه؛ أو عند الشعراء «المؤسّسين» عامّة مثل أدونيس. وهي صعوبة مردّها إلى غياب ما يسمّى بـ«التصفـّح الزّمنيّ» المخصوص بالقراءة في جلّ بحوثنا، حيث يمكن أن نتميّز الأزمنة الثـّلاثة التي يقول بها الآخذون بـ«جماليّة التلقّي»، وفي ضوئها يمكن أن نستدلّ بها على مدارج القراءة: اكتشاف النصّ أي إدراكه، فاستعادته من حيث هو كليّة معطاة، فإعادته إلى أفق كتابته، وآفاق القراءات المتعاقبة. وهذا ممّا يقتضي وقفة متأنّيّة على مجمل شعر هؤلاء، وعلاقته بالذات المنشئة من جهة، وبالواقع من جهة أخرى. فإذا كانت القصيدة خطابا تؤدّيه «ذات» ما من خلال اللّغة المشتركة، فلا مناص من اعتبارها مغامرة الذّات المنشئة أيضا، إذ يصعب من دون ذلك، أن نفسّر كيف تكتسب «أنشودة المطر» وهي المدخل إلى الحداثة، كما أسلفت، تفرّدها؛ حتّى وهي «تستلهم» بذكاء لافت بعض ملامح الشعر الأجنبي. وكان العراقي عبد الواحد لؤلؤة أوّل من كشف العلاقة بين «أنشودة المطر» للسياب، وقصيدة الإنكليزية أديث ستويل «ما زال يهطل المطر» (النفخ في الرماد، دار الرشيد للنشر1981). وقد ساق تفاصيل من سيرة السياب وثقافته، والمؤثّرات الأدبيّة والشعريّة التي ألمّت به؛ وهو الذي تخرّج في دار المعلمين العالية في بغداد عام 1948، حيث قضى سنتين في قسم العربيّة، ثم انتقل إلى قسم اللغة الإنكليزية. وانصرف في أواسط الخمسينيات إلى قراءة الشعر الإنكليزي المعاصر في لغته، وفي ما ترجم منه إلى العربية: شعر ت. س إليوت وأديث ستويل خاصة.
وكان في الوقت نفسه مأخوذا بقيمة الأساطير والرموز في إغناء القصيدة؛ وقد نهل منها الكثير في شعره. لكن ما يعنيني في هذا العنصر هو هذا التجاوب بين نصّ عربي لا أتردّد في نعته بـ»التأسيسي» هو «أنشودة المطر»، ونصّ من الشعر الإنكليزي «ما زال يهطل المطر» لستويل، ضمن كتابها الشعري «أنشودة الوردة» حيث تتوزّع القصائد على محورين اثنين: أولهما موسوم باسم «أنشودة»، وثانيهما باسم «ترنيمة». ويرى عبد الواحد لؤلؤة أنّ كلمة «أنشودة» شدّت انتباه السياب، لما بين الشعر والنشيد من أواصر القربي في العربيّة، وفي اللغات السامية عامة.
وكنت ذكرت في مقال سابق أنّ السياب، في ما أرجّح؛ صاغ العنوان «أنشودة المطر» متأثّرا بالفرنسي بول فرلين في قصيدته الشهيرة «يبكي في قلبي» أو هو ألمّ به مجرّد إلمامة، إذ يستخدم فرلين التركيب نفسه تقريبا «نشيد [أنشودة] المطر» (بترجمتي): يا لَوقع المطر الناعم على الأرض وعلى الأسطح من أجل قلبٍ متضايق يا أنت يا أنشودة المطر
والمطر في الظاهر موضوع بسيط من حيث هو عنصر من الطبيعة ومن ظواهرها العادية الفريدة، بل هو في بقاع من العالم، يهطل فيها المطر باستمرار، جزء من الحياة اليوميّة. لكنّه في قصائد أديث ستويل وفرلين والسياّب «مطر نوعيّ» وليس مجرّد ماء من السماء. وما ندركه من هذه القصائد ليس تجاوبا بالمعنى الدقيق الحصري للكلمة، ذلك أنّ «أنشودة المطر» شكل من أشكال فن «المعارضة» أو «التناصّ الإبداعي» بعبارتي؛ وليس لستويل أو فرلين من فضل على السياب سوى أن قصيدتيهما ألهمتاه أو كانتا من دواعي الشعر لديه. وأيّ نصّ مهما يكن نصيبه من الجدّة، هو ثمرة نصوص وخطابات أخرى أيضا تتحدّر إليه من أكثر من صوب، وتتردّد في جوانبه مجهورة حينا، مهموسة حينا، ممّا يراكم خطابا فوق خطاب، وإيقاعا على إيقاع.. لكن تظلّ «أنشودة المطر» نصّا استثنائيّا في شعرنا الحديث؛ وليس من اليسير استيفاء القول في طابعه الاستثنائيّ، من دون استيعاب إيقاعه؛ أي دون اعتباره منتوج ذات مفردة ولكنّها تاريخيّة تجعل من هذا النّصّ فعلا لغويّا فريدا خاصّا.
كاتب تونسي