في كل مباراة… أفتقدك وأبحث عنك يا أبي


أفتقد والدي الحبيب في هذه الأيام، مع كل مباراة تُلعب في كأس العالم. بينما كنت أشاهد مباراة مصر وأستراليا، وجدت نفسي أتساءل: لو كان أبي، رحمه الله، ما زال بيننا، فأين كان سيكون الآن؟ هل كان سيظل عالقا في غزة بعدما لم يُفتح المعبر حتى اليوم؟ أم كان سيكون في مصر مع والدتي وإخوتي واصدقائه؟ أتواصل مع إخوتي وهم يشاهدون المباراة في مصر، ثم يخرجون مع أطفالهم إلى الشوارع للاحتفال. وأتخيل أبي بينهم، يشاركهم الفرحة، يناقشهم في أداء اللاعبين، ويجلس مع أصدقائه الذين نجوا وتمكنوا من الخروج من غزة.
ثم يعود بي الخيال إلى غزة، هل كان سيكون في مكان النزوح بعد هدم بيتنا؟ أم كان قد عاد إلى شمال غزة بعد وقف الحرب، وجلس مع أعمامي سامي وجهاد يشاهد المباراة، كما كانت عادته، ينادي عليهم واحدا واحدا، حتى لا يشاهدها وحده؟
أشاهد مقاطع الفيديو لأهل غزة وهم يحتفلون بفوز مصر، وأبحث بين الوجوه عن وجه أبي، ورغم انتهاء الحرب، فإن القتل لم يتوقف. قبل أيام استُشهد حارس المرمى الفلسطيني سليم الأشقر، وسط صمت الفيفا. هذا الاحتلال المتوحش لا يستطيع أن يستمر في الوجود إلا باستمرار قتلنا. فلا كلمات تستطيع أن تختصر وجع غزة، ولا ما عاشه أبي وسط الإبادة. ومع ذلك، كان أبي، حتى في أصعب الظروف، قادرا دائما على أن يصنع مساحة للأمل والفرح. خلال نزوحه في المواصي، كان يذهب إلى كافتيريا النخيل ليشاهد مباريات كرة القدم، لأن الإنترنت هناك كان أفضل. وفي أحيان أخرى، كان يعود من دون أن يشاهد المباراة بسبب انقطاع الشبكة. أتذكر يوم لم يستطع مشاهدة مباراة ريال مدريد وبرشلونة، ففتح له مكالمة عبر «واتساب»، ووجّهت هاتفي إلى شاشة التلفزيون التي كان ابني كريم يشاهد عليها المباراة، حتى يتمكن جده من متابعتها. كانت الفكرة من كريم نفسه، وكأن الطفل أدرك أن جده ينبغي أن لا تفوته المباراة.


كنت سأرسل له صور كريم وهو يحتفل في شوارع لندن مع أصدقائه الفلسطينيين، وكنت سأناقشه في ما فعله حسام حسن مدرب المنتخب المصري، عندما رفع العلم الفلسطيني على أرض أمريكا وأهدى الفوز إلى الشعبين الفلسطيني والمصري. وكعادتي، كنت أنا وزوجي نتصل بأبي بعد كل مباراة، نتحدث عن تفاصيلها ونتيجتها، ونسأله عن رأيه في أداء المنتخب المصري. كنت أعرف كم كان سيسعده إهداء الفوز لفلسطين.
ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين، وخرجت منها بغصة لم تفارقني. شعرت كما شعر كثيرون، بأن مصر سُلب منها انتصارها في وضح النهار. أُلغي هدفها الثاني بعد مراجعة مطولة، بينما مرّ هدف الأرجنتين من دون المراجعة نفسها، وكأن ميزان العدالة لم يكن واحدا. خرج حسام حسن رافعا بيديه إشارة (اكس) وهي الإشارة التي اعتمدها الفيفا للتنديد بالتمييز والعنصرية، لكنني تساءلت: ماذا تعني هذه البروتوكولات إذا لم تُطبّق عندما يشعر الناس بالظلم؟ أكثر ما آلمني لم يكن النتيجة وحدها، بل أنني ظللت أفتقد مكالمة أبي. كنت أريد أن أسمع تحليله الهادئ، وأن أعرف ماذا كان سيقول عن المباراة، وعن التحكيم، وعن ذلك الإحساس المرير بأن العدالة لا تُمنح للجميع بالقدر نفسه.
وقبل هذه المباريات حضرت مباراة المنتخب الإنكليزي وجمهورية الكونغو ووجدت نفسي أتساءل: ماذا كان أبي سيتوقع لنتيجتها؟ كنت أعرف أنه بقلبه سيشجع الكونغو، لكنه، بعين اللاعب، كيف سيحكم على الأداء بعيدا عن العاطفة. حتى المباريات التي أشاهدها اليوم أصبحت حوارا صامتا معه.
وهنا تكمن الحكاية التي لا يعرفها كثيرون. لم يكن أبي مجرد عاشق لكرة القدم، بل كان أحد نجومها، وأحد أساطير الكرة الفلسطينية. كان يشاركني ذكرياته في الملاعب، ويحكي لي عن أجمل أهدافه، وعن المباريات التي ما زال الناس يتذكرونها. وكان يضحك وهو يروي كيف سجل ثلاثة أهداف في مباراة واحدة مع منتخب سلوان المقدسي. يومها سألته: ما معنى «هاتريك»؟ فضحك وقال: «يعني ثلاثة أهداف.. وأنا سجلتها كلها».
كانوا يلقبونه بـ»ثعلب الكرة الفلسطينية»، وبـ»أسطورة الكرة الفلسطينية». اختير أفضل لاعب فلسطيني خلال الخمسين عاما الماضية، وكان الجميع يصفه بالموهبة التي لا تتكرر. وعندما رحل، كتب محبوه: «ذهب الذهب»، «أمير القلوب واللاعب الخلوق، وصاحب الابتسامة الجميلة». لكن بالنسبة لي، لم يكن كل ذلك هو الأهم. لم يكن الأسطورة التي يعرفها الناس بقدر ما كان أبي الذي لا يفوّت مباراة، والذي كنت أنتظر مكالمته بعد صافرة النهاية لأسمع تحليله، وأطمئن إلى أن كرة القدم ما زالت تمنحه لحظة فرح، حتى وسط الحرب والنزوح.
أتذكر أيضا كأس العالم في قطر، كان أبي مدعوا إليها كضيف شرف، وكنت أتمنى أن أسافر للقائه. كانت فرصة نادرة بعد اثني عشر عاما من الفراق الذي فرضه الحصار وإغلاق غزة. لكن تعقيدات التأشيرة، وانشغاله، جعلتنا نؤجل اللقاء. كنا نظن أن العمر طويل، وأن الفرص لا تنتهي. لم نكن نعلم أن بعض المواعيد، إذا ضاعت، لا تعود أبدا. رحلت مبكرا. أتعبتك الحرب، وأرهقك الانتظار، وأتعب قلبك القصف الذي طال البيت المجاور للمكان الذي لجأت إليه بعد استئناف الحرب عقب الهدنة. كنت تتمنى أن تستمر الهدنة، وأن يُفتح المعبر، وأن تتمكن أخيرا من السفر. كان ذلك الأمل هو ما يبقيك صامدا، وحين انهار، انهار معه شيء في قلبك. لم تجد طبيبا في مستشفيات كانت ممراتها مكتظة بالجرحى والجثامين. تعب قلبك من هدم بيت طفولتك، ومن النزوح، ومن الفراق القسري عن أولادك، ومن حلم السفر الذي ظل مؤجلا حتى دُمّر المعبر وأُغلقت كل الطرق.
لم يكن موتك موتا طبيعيا. لقد متَّ من قهر الحرب. في أيام النزوح، كنت تسترجع ذكرياتك وترسل لي الصور. أرسلت أولًا صورة بيتنا المدمر، وكتبت: «دارنا.. التفاح. يعوض الله». ثم أرسلت صورة للصالون، والتلفزيون المفتوح على مباراة كرة قدم، وكتبت تحتها: «الصالون اللي كنت أشاهد فيه المباريات أنا وابني محمد، وكنت أشعر بأني أسعد شخص في العالم. أحلى وأجمل ذكريات العمر». بعد أن فقدت كل شيء، صار مجرد الجلوس في بيتك، ومشاهدة مباراة مع ابنك، هو تعريف السعادة. وكتبت مرة: «وحشتنا حياتنا اللي ما كانتش عاجبانا زمان». لقد سرقوا منا البيت، والحياة التي كنا نظنها عادية. وسرقوا أبي أيضا.
ربما لهذا لم تعد كرة القدم بالنسبة لي مجرد لعبة، ولا مجرد تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم. أصبحت مكانًا ألتقي فيه بذكريات أبي، وأقيس به حجم ما سرقته الحرب منا. ففي غزة، لا تقتصر الخسارة على الأرواح والبيوت، بل تمتد إلى الطقوس الصغيرة التي كانت تمنح الحياة معناها: أن تجتمع العائلة حول شاشة تلفزيون، أن يختلف الأب مع أبنائه حول نتيجة مباراة، وأن يصبح انتظار تعليقاته بعد صافرة النهاية جزءا من فرحة الفوز. حين تُسلب هذه التفاصيل، ندرك أن الحرب لا تقتل البشر فقط، بل تسرق أيضا الحياة التي كانوا يعيشونها.


تأتي هذه الأيام، أيام كأس العالم، ثقيلة على قلبي. ففي كل مباراة أفتقدك أكثر. وما زلت، رغم مرور الوقت، أعود إلى السؤال نفسه: هل حقا ذهبت إلى الأبد؟ اثنا عشر عاما من الإغلاق حالت بيننا وبين اللقاء. وكنا نردد دائما: «ربنا كريم.. سنلتقي عندما تتحسن الأوضاع». عشنا على هذا الأمل طويلا، ثم جاءت الحرب لتسرقه كما سرقت كل شيء.
رحلت مبكرا جدا. كانت هناك أحلام مؤجلة، وأحاديث لم تكتمل، ومباريات كثيرة كنا نظن أننا سنشاهدها معا. أتمنى أن تكون روحك الآن مطمئنة. وربما، في مكان أكثر عدلا من هذا العالم، ما زلت تشاهد المباريات التي أحببتها، وتبتسم لنا كلما اجتمعنا حول شاشة، وما زال مقعدك بيننا فارغا. فلترقد روحك بسلام، يا أبي. سيبقى حبنا لك أكبر من الغياب، وأبقى من الموت، وأقوى من الحرب.

كاتبة فلسطينية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *