في قلب الضباب … فوجيكو ناكايا تصنع من العابر فناً


هناك أشياء لا يكون وجودها منفصلا عن الزمن؛ فهي لا توجد بوصفها حالة ثابتة، وإنما بوصفها لحظة تتشكل ثم تتغير ثم تنقضي. الضباب واحد منها. لا يمكن تثبيته في شكل، فمن لحظة ظهوره يبدأ في التحول: يتشكل، ويتحرك، ويتكاثف، ثم يتلاشى. لا يحجب العالم تماما، ولا يكشفه بالكامل، بل يتركنا في منطقة معلّقة بين الرؤية والغياب، بين ما نعرفه وما لا نستطيع الإمساك به.
يتشكل الضباب من دون أن يمنح نفسه شكلا نهائيا، وكأنه يذكّرنا بأن ما نظنه ثابتا ليس إلا لحظة عابرة في الزمن، وأن الوجود نفسه قد يكون عملية مستمرة من التشكل والزوال. ربما لهذا اختارت الفنانة اليابانية فوجيكو ناكايا (Fujiko Nakaya) الضباب تحديدا. فهي لا تقدمه بوصفه مادة تصنع منها شكلا ثابتا، بل بوصفه حالة عابرة تتشكل في الزمن، وتتغير بتغير المكان والهواء وحضور الإنسان. في عملها «السحابة، رقم 07156 (Cloud #07156) «، لا يقف المتلقي أمام العمل بقدر ما يدخل إليه؛ فيصبح الضباب تجربة حسية وفلسفية عن حدود الرؤية، وهشاشة اليقين، وعلاقتنا بما لا يمكن تثبيته. فالضباب هنا ليس مجرد شيء نراه، بل شيء يجعلنا نتساءل: هل نحن نرى العالم كما هو، أم أننا لا نرى منه إلا اللحظة التي يسمح لنا بها؟

الضباب

لا تحاول أمام عمل الفنانة اليابانية فوجيكو ناكايا أن تسأل: ماذا يمثل هذا الضباب؟ الأفضل أن تسأل: ماذا يحدث لي عندما أكون داخله؟ فالفنانة لا تدعوك إلى النظر للعمل الفني من الخارج، بل إلى اختباره. فهو ليس صورة لشيء آخر، ولا استعارة لشيء غائب؛ الظاهرة نفسها هي العمل. حين تدخل الضباب، لا يختفي العالم، لكنه يفقد وضوحه. المبنى موجود، والأشخاص موجودون، والمسافة موجودة، لكن قدرتك على تحديدها تصبح محدودة. ومن هنا يصبح الضباب أكثر من مجرد مادة بصرية؛ فهو ليس حجابا يخفي الحقيقة، بل مرآة تكشف حدود قدرتنا على رؤيتها. وهكذا تتحول التجربة إلى تأمل في الشك والإدراك والزمن، وفي حدود الإنسان أمام العالم. في السحابة لا توجد كتلة أو تمثال بالمعنى التقليدي، هناك شبكة دقيقة من الفوهات ومضخات ضغط عالٍ تطلق قطرات ماء بالغة الصغر، فتتكون سحابة اصطناعية داخل فضاء مبنى بورصة التجارة (Bourse de Commerce) في باريس. لكن المدهش أن الضباب نفسه هو العمل الفني؛ فهو لا يمثل شيئا، ولا يحاكي شيئا، بل يحضر أمامك كظاهرة حية ومتغيرة. والأجمل في «السحابة، رقم 07156» أنها لا تبقى ثابتة. فالعمل يتشكل في دورة تتغير خلالها كثافة الضباب وارتفاعه وشكله؛ أحيانا يكاد يتلاشى، ثم يعود ويتكاثف فجأة. وكأن العمل يرفض أن يمنح نفسه شكلا نهائيا. هنا يتحول الضباب إلى تجربة فلسفية حول معنى الرؤية. فناكايا لا تريد أن تصنع «تمثالا من الضباب» بالمعنى التقليدي، بل تهيئ الظروف التي تجعل الضباب يحدث، ثم تترك للطقس والبيئة والزائر دورا في تشكيل التجربة. فالضباب يتأثر بحركة الهواء، ودرجة الحرارة، والرطوبة، وبوجود الأشخاص داخل المكان. لذلك فإن ما رأيته اليوم لن يكون بالضرورة مطابقا لما سيراه شخص آخر بعد ساعة.
وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار العمل إثارة: لا توجد نسخة نهائية منه. فالعمل لا يكتمل في شكل ثابت، بل يوجد في الزمن؛ يظهر ويتغير ويتلاشى. أنت لا تشاهد العمل نفسه مرتين، لأنك في كل مرة تلتقي بضباب مختلف، ومكان مختلف، وحالة مختلفة من جسدك ووعيك.
ربما لهذا لا يكون السؤال الأهم أمام الضباب: ماذا يعني؟ بل: ماذا يكشف فينا؟ فحين نحاول أن نرى بوضوح، يذكّرنا الضباب بأن رؤيتنا للعالم ليست كاملة، وأن ما نراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود. وحين نحاول أن نمسك به، يفلت منا. وحين نحاول أن نحدد حدوده، تتغير حدوده.

حوار مهم مع المبنى

لا يمكن فصل تجربة «السحابة، رقم 07156» عن المكان الذي اختارت له ناكايا أن تظهر فيه. فالعمل يحتل الـ Rotonde الدائرية في مبنى Bourse de Commerce ، ذلك الفضاء التاريخي الذي أعاد المهندس الياباني تاداو أندو تشكيله معماريا. هنا يلتقي شيئان متناقضان: عمارة ضخمة، صلبة، ثابتة، لها حدود واضحة؛ وضباب هش، متغير، لا يمكن الإمساك به أو تحديد حدوده.
عندما تمتلئ القاعة بالضباب، تبدأ الحدود الواضحة للمكان في التلاشي. تظهر القبة والأعمدة للحظات، ثم يبتلعها الضباب جزئيا، قبل أن تستعيد ملامحها من جديد. يصبح من الصعب أحيانا أن نعرف أين تنتهي العمارة وأين تبدأ السحابة. وكأن ناكايا تضع شيئا لا يمكن تثبيته داخل أحد أكثر الأماكن ثباتا، فتجعل العمارة نفسها جزءا من تجربة التغير. ومن الشرفة في الطابق الأول، يبدو المشهد مختلفا؛ فالضباب يظهر كأنه بحر أبيض متحرك يملأ قلب المبنى. ومن هذا الارتفاع يمكن رؤية العلاقة بين الكتلة المعمارية والسحابة بصورة أوضح: الصلابة في مواجهة الهشاشة، والثبات في مواجهة التحول. لكن ناكايا لا تتعامل مع الضباب بوصفه مجرد مادة تستخدمها لصنع شكل فني، بل كأنه نحت بلا شكل ثابت. ففي النحت التقليدي، يترك الفنان أثره في مادة تبقى، حجر، برونز، خشب. أما هنا، فهي تصنع شيئا لا يمكن امتلاكه ولا تثبيته. الضباب موجود، لكنه يتغير أمام عينيك ثم يتلاشى؛ ولذلك يصبح العمل أقرب إلى تجربة تحدث منه إلى شيء تنظر إليه.
وهنا يتغير موقع المتلقي أيضا. أنت لا تشاهد العمل من الخارج، بل تدخل إليه. يصبح جسدك وحركتك وتنفسك وإحساسك بالرطوبة والبرودة جزءا من التجربة. لم تعد مجرد متفرج يقف أمام عمل فني؛ أصبحت داخل العمل نفسه. ولهذا يمكن لشخصين يقفان في المكان ذاته أن يعيشا العمل بصورة مختلفة تماما، لأن الضباب الذي يحيط بهما لا يتكرر بالصيغة نفسها، ولأن تجربتهما الجسدية والإدراكية ليست واحدة. بهذا المعنى، تقلب ناكايا مفهوم النحت رأسا على عقب. فهي لا تنحت شيئا من مادة ثابتة، وإنما تهيئ الشروط التي تسمح للمادة بأن تظهر مؤقتا. إنها لا تصنع تمثالا، بل تصنع حدثا؛ ولا تحدد الشكل النهائي للعمل، بل تترك للهواء والحرارة والرطوبة وحركة الإنسان والزمن أن تشارك في تشكيله.
وربما هنا تكمن قوة الضباب: إنه يجعل الفن شيئا لا يمكن الاحتفاظ به. ما تراه يحدث الآن لن يتكرر بالطريقة نفسها، وما تحاول أن تلتقطه بعينيك يتغير قبل أن تتمكن من امتلاكه. يصبح العمل، في النهاية، تجربة في الحضور والزوال؛ شيء لا يوجد إلا بقدر ما يتغير.

فوجيكو ناكايا

وُلدت فوجيكو ناكايا عام 1933 في اليابان، وأصبحت واحدة من أبرز الفنانات اللواتي حوّلن الضباب من ظاهرة طبيعية إلى مادة فنية وتجربة حسية وفكرية. بدأت تجربتها الكبرى مع الضباب في معرض أوساكا العالمي عام 1970، ومنذ ذلك الحين نفذت أعمالا في أماكن ومدن عديدة حول العالم، من بينها باريس، حيث قدمت عملا في Parc de la Villette عام 1988 وهذا العام 2026 تقدم عملها «السحابة، رقم 07156» كمتابعة لهذه التجربة الفريدة.
على امتداد مسيرتها، لم تتعامل ناكايا مع الماء والهواء والضوء والطقس بوصفها مجرد مواد تستخدمها لصناعة العمل، بل بوصفها قوى تشارك في صناعته. وهذا ما يجعلها تبتعد عن صورة الفنان باعتباره «الخالق المسيطر»، وتقترب من صورة الفنان الذي يهيئ الظروف، ثم يترك للواقع والطبيعة والزمن المشاركة في عملية الخلق. فالضباب عند ناكايا ليس شيئا يخفي الحقيقة، بقدر ما يكشف لنا أن الحقيقة نفسها لا تصل إلينا كاملة. إنه لا يقول: «لا يمكنك أن ترى»، بل يقول: «أنت ترى، لكن رؤيتك دائما جزئية». ومن هنا يتحول العمل إلى دعوة للتواضع أمام الواقع؛ إلى قبول فكرة أن العالم أوسع وأكثر تعقيدا من الصورة التي نصنعها عنه في أذهاننا.

الفن كشيء مؤقت
اختارت ناكايا الضباب، وليس الماء في حالته العادية. فالماء يمكن لمسه وجمعه وصبه، ويمكن تحديد مكانه وحدوده. أما الضباب فهو ماء يقف على الحد الفاصل بين الوجود والاختفاء؛ حاضر، لكنه لا يستقر؛ مرئي، لكنه لا يُمسك.
ومن هنا يمتد معنى العمل إلى التجربة الإنسانية نفسها. عندما تدخل الضباب، تتغير علاقتك بالآخرين أيضا. يصبح الشخص القريب منك أقل وضوحا؛ يظهر للحظة ثم يتلاشى، ويظل جزء منه خارج قدرتك على الرؤية. وهذا يذكّرنا بأن الآخر ليس شيئا يمكننا معرفته بالكامل. نحن نعرف الناس من خلال وجوههم وكلماتهم وأجسادهم وحضورهم، لكن داخل كل إنسان مساحة لا يمكن الوصول إليها تماما. وهكذا يمكن للضباب أن يصبح استعارة للآخر وللذات في آن واحد: أنا موجود، لكنني لا أستطيع أن أرى نفسي بالكامل؛ وأنت موجود، لكنني لا أستطيع أن أعرفك بالكامل. في النهاية، لا تقدم فوجيكو ناكايا إجابة عن معنى الضباب، بل تضعنا داخله. إنها تحوّل عدم اليقين من فكرة فلسفية إلى تجربة جسدية؛ نحن لا نقف أمام الغموض ونفكر فيه، بل ندخل إليه بأجسادنا، ونشعر به في أعيننا وعلى بشرتنا وفي المسافة التي تفصلنا عن الأشياء. وربما لهذا السبب، حين نخرج من الضباب، لا نخرج منه وحده؛ بل نخرج ومعنا شك صغير في يقيننا القديم بأن ما نراه هو كل ما هو موجود. فالضباب لا يخفي العالم عنا، وإنما يعلّمنا أن نراه بتواضع أكبر: أن نقبل بأن رؤيتنا ناقصة، وأن الأشياء لا تحتاج دائما إلى أن تكون ثابتة كي تكون حقيقية، وأن بعض الأعمال الفنية لا تُفهم بالنظر إليها، بل بأن نمرّ من خلالها. وربما هنا تكمن قوة عمل ناكايا: إنها لا تصنع شيئا يبقى، بل تصنع لحظة لا يمكن أن تتكرر.

باحثة وأكاديمية لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *