في «زياح».. لبنان بين محنتين


بين 1916 و2014 ما يربو على قرن، وهي حقبة نهضت فيها دول وسقطت أخرى، قامت فيها حروب وانطفأت أخرى، تمددت فيها جغرافيا وتقلصت أخرى، وهذان التاريخان لهما انعكاس على تاريخ لبنان، من حقبة الحرب العالمية الأولى إلى بداية التصدعات، لأن لبنان يعيش في تشابك مع تاريخه الداخلي، وكذلك التاريخ المجاور له، وهذان التاريخان تتأسس عليهما رواية «زياح» لمنير الحايك (دار الرافدين، 2025). فقد جعل منهما المؤلف معلمان من أجل سرد قصتين متوازيتين، في عصرين متباعدين ظاهريا، لكن الخيوط تربط بينهما من خلف الستار. من الوهلة الأولى لا يبدو هناك رابط بين 1916 و2014، لكن مع توالي الصفحات يجد القارئ نفسه يطوف بين زمنين متجاورين، ويقف إزاء تاريخ واحد وكأن الأحداث والأزمات تتكرر.
قد يبدو العنوان غير واضح الدلالة من البداية، لاسيما بالنسبة إلى قارئ غير لبناني، والعنوان مفتاح من أجل الخوض في رواية أو الانصراف عنها، لكن مع الاستمرار في الفصول يتبدى ما كان غامضا، لأن زياح يتعلق بطقس ديني يجمع بين مسلمين ومسيحيين «في زياح من الكنيسة إلى السوق من ثم إلى الكنيسة، وأن يكثروا من الصلاة، وأن يفتحوا قلوبهم للقديسين وإلى العذراء مريم، عليها أن تشفع لهم عند الرب فيشفيهم من بلواهم». إنه طقس دأب عليه سكان ضيعة في البقاع، وهي ضيعة يتعايش فيها مسلمون ومسيحيون من غير حرج. فمنذ بداية الرواية يجد القارئ نفسه حيال الصورة الألمع من لبنان، حيث التعايش بين الديانات يصير طقسا اجتماعيا وخصوصية تاريخية ثابتة، هذا التعايش بوصلة ترصد العلاقات بين الأفراد.
ونشرع في القراءة مع جانيت الأولى، ثم ننتهي مع جانيت الأخرى، الأول عاشت مطلع القرن العشرين، والثانية في مطلع القرن الحادي والعشرين، امرأتان مختلفتان، لكن كل شيء يوحي بأنهما من مخيلة واحدة، عاشا حياتين متشابهتين في جوهرهما. وبين السرديتين تتحول صورة لبنان، من صورة بالألوان إلى صورة بالأسود والأبيض. نرى المرأتين بين الحرب العالمية الأولى ثم نصادف التشققات التي خلفتها الحرب الأهلية وما تلاها، فالشخصيتان تعيشان بذاكرة موشومة، جاتيت الأولى عاشت سنين الوباء، والثانية عاشت الوباء الذي تحول إلى تفرقة بين أبناء البلد الواحد، وبينهما يستمر الزياح بوصفه طقسا يربط الحاضر بالماضي، فرغم ما عرفته الضيعة من تقلبات ومن تحولات فإنها لم تتنازل عن طقوسها ولا على سيرة أجدادها، كما إن المؤلف لا يخوض في الأسباب ولا في نتائج الوباء الذي ضرب الضيعة، لكنه يحيل إلى زاوية نظر مغايرة، إلى شيء أهم بوصفها مكانا لم يتخل عن سيرته، وفي هذا الذهاب والإياب بين ماض وحاضر يرتفع النسق في الرواية، من خلال الربط بين قصص تتوزع بين فصول قصيرة، وكلها تفضي إلى القصة المركزية في «زياح»، وكأن تلك القصص على قصرها مثل سواقٍ تصب كلها في نهر واحد، يؤهل القارئ إلى الإمساك بالخيط الرابط في العمل. إنها رواية لا تلتئم إلا بالإمساك بشظايا من أجل تصويب نظرة شاملة عن ماض وحاضر من بقعة صغيرة في لبنان، لكنها بقعة يتكثف فيها التاريخ العام للبلاد.

جانيت الأولى، التي عاشت في مطلع القرن العشرين، كانت ترى المستقبل في أحلامها، وجانيت الثانية في مطلع القرن الجديد تحملت تبعات راهنها. عاشت الأولى في زمن الوباء عندما اضطر الناس إلى تناول جرذان وأفاعٍ، بينما عاشت الثانية في زمن تفرقة عندما اضطر الناس إلى التخاصم تحت مسمى الدين أو الطائفة. جانيت الأولى «امرأة عادية وابنة الضيعة، التي لم تقرأ كتابا سوى العهد الجديد»، بينما جانيت الثانية كذلك امرأة عادية لم تقرا سوى نفور في أعين الناس. هذه الرواية في ظاهرها تبدو مثل كرونولوجيا ضيعة لبنانية، وكأن القارئ يتحرى ماضيها وزمنها الراهن، ينتقل فيها بين حقبتين متباعدتين ويرصد ما حصل فيها من انقلابات، لكنها في الوقت نفسه، رواية تذهب أبعد من الكرونولوجيا فتصير وثيقة تاريخية في بعض الأحيان، في مساءلة الماضي الذي يتكرر ولا يريد أن يمضي، لأن الصراعات التي تحصل فيها يبدو أنها متشابهة.

إن طقس «زياح» يبدو تفصيلا، مع ذلك فقد تحول إلى عنوان على غلاف الرواية، التي تقوم على تجميع حدوتات ومفاصل صغيرة من حيوات شخصياتها، في تكثيفها وفي الرفع من إيقاعها، بما يحيل إلى المحور الأساس من النص.

بدءا من خصام على موعد طقس زياح، إلى خصام الآخر على انتماء شخص أو عرقه. فقد ظهر مار إلياس في أحلام جانيت وأمرها بالقيام بالزياح منذ عام 1916.
كما إنها رواية تراوح بين التخييل والتخييل الذاتي، فقد أدرج فيها المؤلف وثائق ومقالات، ما يضفي عليها بعدا واقعيا. استند إلى أرشيف وإلى شهادات في تدوين فصولها. يحكي فيها عن تعايش بين مسلمين ومسيحيين، ثم تداعيات هذا التعايش وما طرأ عليه من خصام في بعض الأحيان، وانعكاساته في الزمن الحاضر. يحكي عن الاحتفال بنبي الله إلياس ثم يحيل القارئ إلى خاتمة تبعث على القلق أكثر مما تبعث على التفاؤل، وهي خاتمة توحي بأن الضيعة حبيسة ماضيها، ينظر أهلها إلى الوراء أكثر مما ينظرون إلى مستقبل أيامهم.
إن طقس «زياح» يبدو تفصيلا، مع ذلك فقد تحول إلى عنوان على غلاف الرواية، التي تقوم على تجميع حدوتات ومفاصل صغيرة من حيوات شخصياتها، في تكثيفها وفي الرفع من إيقاعها، بما يحيل إلى المحور الأساس من النص. لكن في بعض المرأت تبدو وكأنها حدوتات تنفصل عن بعضها بعضا بدل أن تتصل في ما بينها. لكنها لا تنحرف عن الخط العام، ولا تحيد عن النسق الذي خطط له المؤلف. كما إنها تؤرخ لحياة أناس في فترتين متباعدتين، من غير أن يلاحظ القارئ تغيرا في لغتهم أو في عاداتهم، أو في ممارساتهم أو طرق تفكيرهم. لسانهم واحد بين مطلع القرن الماضي ومطلع القرن الحالي. مع ذلك فهي رواية على قدر من الوعي بما يموج فيه الإنسان اللبناني، الذي يتحمل شظف العيش منذ مئة عام ويزيد، تدور بين زمنين، ولم ينج أحد من ثقل التاريخ، تحيل قارئها إلى أزمة الإنسان بما يفيد أن باب الخلاص لا يزال مؤجلا.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *