في رواية جزائرية… الحب يُولد تحت القنابل المسيلة للدموع


اسمها كاملة، وكان عمرها يدنو من العشرين. خرجت في أول موعد عاشق مع رجل يُدعى مصطفى، في ذلك اليوم من 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988. لم يصطحبها إلى قاعة سينما ولا إلى واحدة من الحدائق التي تُزين عاصمة البلاد، لا إلى مطعم أو مقهى، بل سار معها إلى باب الوادي، إلى هذا الحي العتيق الذي يكتظ بالتاريخ. سارا بين أزقة وشوارع، ثم اندلعت الأحداث. رأت قوافل الشرطة وشاحنات ضخ الماء، لمحت كاسحات الحواجز وتلوث الجو بقنابل مسيلة للدموع. في ذلك اليوم الذي انقلب فيه الحب إلى خوف، وقد تزامن مع حدث جلل، اختلطت المشاعر العاشقة برائحة القنابل المسيلة للدموع، عندما خرج مراهقون وعاطلون عن العمل إلى الشارع، وطالب الناس بتوسيع دائرة الحقوق، في انتقاد الحزب الواحد ونقد مآل النظام الاشتراكي، وبدل أن يخفق قلب كاملة جنب الرجل الذي أحبها، تعرقت يداها من الفزع. أحست بأن وجودها في ذلك المكان وفي تلك اللحظة قد يعرضها إلى مشقة لا ينفع معها ندم. وبدل أن تلمع عيناها عندما تنظر إلى مصطفى، أصابت عينيها حكة جراء القنابل، التي أرادوا منها تفريق الجموع. في هذه الأثناء شعرت كاملة بأن الحب لا يقل مخاطرة عن فقدان الروح.

فغادرت المكان بعدما ذهبت إليه بساقيها ترجو منه موعدا في إحياء القلب، مخلفة خلفها شظايا زجاج تملأ الأرصفة. «ثم أشارت الأرقام الرسمية إلى مقتل 120 شخصا، بينما قدر ناشطون العدد بنحو 500 قتيل، مع توقيف حوالي 15 ألف شخص»، هكذا تروي وئام شرماطي في روايتها «وجهي الغريب» (دار نوفل، بيروت 2026). في هذه الرواية حيث حياة امرأة بمفردها تستحيل إلى مختصر تاريخ بلد بأكمله، وحيث الحب الذي نظن منه لحظة صفاء يتحول إلى لحظة خوف، في عمل يشي من الوهلة الأولى أنه لا يعدو شذرات من حياة امرأة عادية، لكن هذه المرأة سوف تتحول مع مرور الصفحات إلى مرادف للجزائر، شاهدة على التحولات الكبرى، منذ حرب التحرير إلى انقضاء العشرية السوداء، تقاسي ما قاساه آخرون، تزحف صوب الخلاص في زمن تكاد تنعدم فيه سبل الأمل، فالبطلة تحكي عن نفسها، منذ نشأتها في بيت متهالك في حي القصبة، ثم انتقالها إلى أعالي المدينة، تروي ذلك الانتقال من بيت عامر ومحاطة بأهلها إلى حياة محاطة بالعزلة، تروي اعتناقها حب رجل ثم اعتزالها الرجال كلهم في لحظة يأس، عن شغفها برفيقة لها ثم انسحابها إلى حياة لا يؤثثها سوى الشغف بالرسم، فقد آثرت كاملة (بطلة الرواية) أن تخوض في سبيل الأمل قبل أن ينهار حائط الرجاء أمام عينيها، ثم عادت إلى نفسها، بعدما قطعت الصلة مع من حولها، تحولت إلى غريبة إزاء ذاتها، تبحث عن وجه لها ثم ترى وجهها على ملامح الغرباء.

تشرع المؤلفة في روايتها من الزمن الحالي، عندما تبلغ كاملة عقدها الخامس: «يغزو الشيب خصلات شعرها المصفف في شكل ضفيرة فرنسية، وجهها نحيل بيضاوي الشكل، عيناها عسليتان غائرتان قليلا، وشفتاها رقيقتان شاحبتان. جسدها ضامر ونحيل». وهي امرأة لم تكن تغادر بيتها عدا يوم الأحد، قد تقتني أغراضا على عجل، ثم سرعان ما تعود إلى عزلتها، ثم تتداعى الذكريات، لأن الكاتبة تلتمس تيار الوعي مسلكا لها في سرد حكايتها، منذ طفولتها عندما مات شقيقها الأصغر بعدما انهار سقف البيت في حي القصبة، إلى غاية تفرق ما بقي لها من أخوة، إلى إخفاقها في التعليم جراء سخرية أستاذ منها، بما أحبط رغبة في مواصلة المدرسة، ثم قربها المفرط فيه من أمها، وكذلك تروي تفاصيل عن علاقتها بوالدها الذي لم يدخر جهدا ولا وقتا في تعنيفها، إلى درجة أن تحولت صورته في بالها إلى معنى من معاني الكراهية.

«في كل مرة كان والدي يعود فيها إلى البيت، كان المكان يصبح خانقا». تواصل حياتها إلى أن تنخرط في العمل في مصنع للنسيج وتتعرف على صديقة اسمها محظوظة، تلاقي كذلك مصطفى وتظن أنها لاقت الحب، تسرد ما وقع في 5 أكتوبر 1988 وما سال من دم، وهي أحداث تلتها عشر سنوات من التطرف ومن تنامي الإرهاب في البلد، وعندما تخرج من هذه الدوامة التي أرهقت بالها وجسدها، تدرك أنها أضاعت حياتها على دكة الانتظار، لأن صديقتها محظوظة فارقت الحياة وكذلك أمها، بينما مصطفى هاجر إلى فرنسا جراء تهديدات من المتطرفين ونسيها، وعندما يعود إليها بعدما تقدمت في السن تكون شرارة الحب قد مضت. ترتبط كاملة برجل آخر لكن زواجها لن يدوم، أحست أن الزواج في حد ذاته لا يعدو أكثر من مؤسسة فاشلة، لا سيما بعدما رأت أختها المسماة وحيدة تعاني من زوج لا يرى حرج في الإساءة إليها. تحاول العودة إلى الدراسة وتخفق، تحاول كاملة العودة إلى المصنع الذي عملت فيه، لكن رجاءها يخيب، يتفرق الناس من حولها ويختفي والدها، لم تبق لها سوى شقيقتها التي لا تلبث أن تبتعد عنها. باتت بطلة الرواية في عزلة تبحث عن وجه لها. تقود قارئها في جولة بين أرجاء العاصمة، من الأحياء الشعبية إلى الأحياء الميسورة، من باب الوادي وساحة الشهداء إلى مقام الشهيد، تروي تحولات المدينة بين زمنين، لم تدرك أن ملامحها كذلك في تغير، أنها تهرب منها وتسكن وجوه الآخرين. لم تعد تنظر في المرآة، بل تبحث عن وجه لها بين نساء يعبرن الطريق. لقد كان الحدث المؤسس في «وجهي الغريب» هو اللحظة التي انهار فيها سقف على رأس أخيها الأصغر ففارقته، لم تعلم أن ذلك الانهيار الرمزي يترتب عليه انهيار في حياتها، خسرت كل ما آمنت به، لكنها لم تتخل عن إيمانها بنفسها، ترسم لوحات بلا ملامح، لأنها هي نفسها نسيت ملامحها، مع ذلك تصر على الحياة.
تمكنت وئام شرماطي أن تمسك بتفاصيل السرد في «وجهي الغريب»، وسارت خلف بطلتها كاملة في نبش عن الحيثيات الصغيرة من حياة كل امرأة، مع ما شاب الرواية من تكرار في بعض الأحيان كان يجدر تفاديه، رغم أن صوتا واحدا طغى على الرواية فلا صوت آخر من الشخصيات يوازيه، ومع ما تضمنته بعض المقاطع من تأملات ووعظ طغى على الحكي، مع ذلك فإن الكاتبة أدركت كيف تستعيد الخيوط بعد حين، في تقفي تعرجات حياة امرأة تتطابق مع حيوات ملايين من النساء الجزائريات، واللواتي يتحملن وزر التاريخ بما يلقيه من ثقل على حيواتهن العادية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *